من الحوكمة البيئية إلى قيادة الشباب: مداخلتان تطرحان رهانات العمل البيئي بإفريقيا في المنتدى الاجتماعي العالمي

كوتونو – هشام افضيلي
احتضنت فعاليات المنتدى الاجتماعي العالمي 2026 المنعقد بمدينة كوتونو بجمهورية البنين، نقاشًا حول قضايا البيئة والحكامة البيئية ودور الشباب في مواجهة التحديات المناخية، وذلك من خلال مداخلتين قدمهما كل من أوبوحسون الحسين، المسؤول اللوجستيكي منظمة الشباب الرائد، وياسين العواد، ممثل منظمة الشباب الرائد بالمغرب.
وتناولت المداخلتان مجموعة من القضايا المرتبطة بالحوكمة البيئية، والتحديات المناخية التي تواجه القارة الإفريقية، مع التركيز على أهمية إشراك الشباب في صياغة الحلول والمساهمة الفعلية في حماية الموارد الطبيعية وتحقيق التنمية المستدامة.
وفي مداخلته حول “الحوكمة البيئية: الرهانات، الأطر المؤسساتية وروافع العمل الجماعي”، أوضح أوبوحسون الحسين أن الحوكمة البيئية تقوم على مجموعة من القواعد والمؤسسات والآليات التي تنظم العلاقة بين الإنسان والبيئة، على المستويات المحلية والوطنية والدولية.
وأكد أن هذه الحوكمة لا يمكن أن تنجح دون انخراط مختلف الفاعلين، من حكومات ومنظمات دولية وهيئات المجتمع المدني ومقاولات وباحثين ومواطنين، مشددًا على أهمية مبادئ المشاركة والشفافية والمسؤولية والإنصاف والتعاون الدولي ومبدأ الاحتياط في تدبير القضايا البيئية.
وتوقف المتدخل عند أبرز التحديات التي تواجه العالم والقارة الإفريقية، وفي مقدمتها الإجهاد المائي والتغيرات المناخية والتصحر والتلوث، مبرزًا أن هذه التحديات تفرض الانتقال من مرحلة التشخيص وإصدار الالتزامات إلى مرحلة تنفيذ سياسات بيئية فعالة وقابلة للقياس.
كما استعرض عددًا من التجارب والمبادرات الدولية والإفريقية، من بينها اتفاق باريس وأهداف التنمية المستدامة، إلى جانب تجربة مؤتمر الأطراف COP22 المنعقد بمراكش، والمركب الشمسي نور ورزازات، ومبادرة السور الأخضر العظيم، واتفاقية باماكو المتعلقة بالنفايات الخطرة.
واقترح أوبوحسون جملة من الإجراءات لتعزيز العمل البيئي، من بينها تقوية التشريعات البيئية وتفعيل العقوبات، وتوسيع برامج التربية والتحسيس البيئي، وتعزيز التعاون المالي الدولي، خاصة عبر الصندوق الأخضر للمناخ، إضافة إلى تطوير الطاقات المتجددة وتشجيع الاقتصاد الدائري والاستثمار في الابتكار والتكنولوجيات الخضراء.
من جانبه، قدم ياسين العواد، ممثل منظمة الشباب الرائد بالمغرب، مداخلة تحت عنوان “الشباب الإفريقي يحكم البيئة”، استعرض خلالها تجربة المنظمة في مجال إشراك الشباب في المبادرات البيئية والتنمية المستدامة، انطلاقًا من مدينة الداخلة بجنوب المغرب.
وأوضح العواد أن منطقة الداخلة، شأنها شأن العديد من المناطق الإفريقية، تواجه تحديات مرتبطة بالإجهاد المائي والتصحر والتغيرات المناخية، مشيرًا إلى أن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تعتمد على المؤسسات العمومية وحدها، وإنما تتطلب إشراك الشباب والمجتمع المدني وتعزيز ثقافة المبادرة والعمل التطوعي.
واستعرض المتدخل أربعة محاور أساسية للعمل البيئي الذي تقوم به المنظمة، تتمثل في التحسيس والتربية البيئية، وإعادة التشجير، وتنظيف الشواطئ ومحاربة التلوث البلاستيكي، إضافة إلى تنمية قدرات الشباب وتعزيز القيادة الشبابية.
وفي هذا السياق، أشار إلى حملة تحسيسية حول الطاقات المتجددة نظمت بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالداخلة، إلى جانب مبادرة لغرس أكثر من 200 شجرة بإحدى المؤسسات التعليمية، بهدف المساهمة في مكافحة التصحر وتعزيز الوعي بأهمية التشجير.
كما سلط الضوء على مبادرات تنظيف الشواطئ وجمع النفايات، باعتبارها جزءًا من الجهود الرامية إلى حماية النظم البيئية البحرية والحد من آثار التلوث البلاستيكي، إلى جانب برامج تستهدف تطوير مهارات الشباب وتشجيعهم على الانخراط في العمل البيئي والمواطن.
وبحسب المعطيات التي قدمها المتدخل، تضم المنظمة أكثر من 200 عضو نشيط، فيما استفاد أكثر من 500 شاب من أنشطة وبرامج التحسيس البيئي، إلى جانب غرس أكثر من 200 شجرة، وإقامة شراكات وتعاونات مع عدد من الفاعلين على المستويات الوطنية والدولية، من بينها مبادرات وشراكات مع جهات من نيبال والمكسيك وسويسرا.
وشكلت المداخلتان مناسبة للتأكيد على أن الرهانات البيئية في إفريقيا لم تعد قضية قطاعية أو مسؤولية حصرية للحكومات، بل أصبحت قضية مجتمعية تتطلب تعبئة جماعية وتعاونًا عابرًا للحدود، مع وضع الشباب في صلب السياسات والاستراتيجيات البيئية.
كما أبرز النقاش أهمية تعزيز التعاون المغربي–الإفريقي في مجالات الطاقات المتجددة، والأمن المائي، ومكافحة التصحر، والاقتصاد الدائري، والابتكار البيئي، بما يتيح تبادل التجارب والخبرات وتطوير حلول تتلاءم مع الخصوصيات المحلية للقارة.
وفي ختام المداخلتين، جرى التأكيد على أن حماية البيئة مسؤولية مشتركة، وأن الاستثمار في الشباب يمثل أحد أهم المداخل لبناء مستقبل إفريقي أكثر استدامة وقدرة على مواجهة التحولات المناخية.
واختُتمت المداخلة برسالة رمزية تلخص جوهر النقاش البيئي: “نحن لا نرث الأرض من أجدادنا، بل نستعيرها من أبنائنا”، في دعوة إلى الانتقال من الوعي البيئي إلى الفعل، ومن الالتزامات إلى مشاريع ملموسة يقودها الشباب ويشارك فيها مختلف الفاعلين من أجل مستقبل أكثر عدالة واستدامة في إفريقيا.




