بين الاستغلال والتحول الاجتماعي.. الباحث زيدان لحميدي يوثق تاريخ الشركات الإسبانية بالصحراء

تقديم:د. يوسف الحزيمري
صدر للباحث زيدان لحميدي كتاب “الشركات الإسبانية في منطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب (1934–1975): بين الاستغلال الاقتصادي والتحولات الاجتماعية” عن منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، الطبعة الأولى 2022م، من الحجم المتوسط (17/24) في حدود 520 صفحة.
ويأتي هذا الكتاب في سياق الاهتمام المتزايد بتاريخ الصحراء المغربية، ولا سيما تاريخها الاقتصادي والاجتماعي خلال فترة الوجود الاستعماري الإسباني.
وينصب موضوعه على دراسة الشركات الإسبانية التي عملت في منطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب خلال الفترة الممتدة من 1934 إلى 1975، مع محاولة الكشف عن طبيعة نشاطها، والقطاعات التي استثمرت فيها، ومدى ارتباطها بالسياسة الاستعمارية الإسبانية، فضلًا عن رصد آثار ذلك النشاط في المجتمع الصحراوي.
وتنبع أهمية الكتاب من كونه لا يتعامل مع الوجود الإسباني من زاوية سياسية أو عسكرية محضة، وإنما يقترب منه من خلال المدخل الاقتصادي والاجتماعي؛ إذ يتتبع حضور الشركات الإسبانية في قطاعات التجارة والأشغال والخدمات والبناء والنقل البحري والصيد البحري والمعادن ثم النفط، ويبحث في علاقتها بالسكان المحليين، وما أحدثته من تغيرات في أنماط العيش والعمل والبنية الاجتماعية والثقافية والسياسية.
ويؤكد الكتاب، منذ تقديمه، أن دراسة الشركات الإسبانية ليست مجرد دراسة لتاريخ مؤسسات اقتصادية منفصلة، وإنما هي وسيلة لفهم جانب من آليات الاستغلال الاستعماري، وكيف وظفت إسبانيا النشاط الاقتصادي والاستثمارات في خدمة وجودها بالمنطقة، مع الكشف في الوقت نفسه عن التحولات التي طرأت على المجتمع المحلي نتيجة هذا الحضور.
وقد استفاد الباحث من مجموعة متنوعة من المصادر، شملت الوثائق الإدارية والعسكرية، ووثائق الشركات، والتقارير، والمصادر الحكومية الإسبانية، فضلًا عن الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية والرواية الشفوية، وهو ما منح الدراسة بعدًا تركيبيًا يجمع بين التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي.
وقد انطلق الكتاب من ملاحظة أساسية تتمثل في أن فترة الاستعمار الإسباني للساقية الحمراء ووادي الذهب لم تحظ بما يكفي من الدراسات المتخصصة في الجانب الاقتصادي والاجتماعي، مقارنة بما حظيت به الجوانب السياسية والعسكرية. ولذلك يسعى الباحث إلى سد جانب من هذا الفراغ من خلال دراسة الشركات الإسبانية وتحليل نشاطها وآثارها على السكان المحليين.
ويحدد الباحث مجال الدراسة في الفترة الممتدة من 1934 إلى 1975؛ أي منذ بداية الاحتلال العسكري الإسباني للمنطقة إلى غاية إعلان إسبانيا انسحابها منها. كما يبرر اختيار هذه الفترة بكونها تمثل مرحلة تاريخية اتسمت بتطور تدريجي في طبيعة الوجود الإسباني، وانتقاله من مجرد السيطرة العسكرية إلى توسيع مجالات الاستثمار والاستغلال الاقتصادي.
وتتمحور الإشكالية المركزية للدراسة حول سؤال أساس: ما أهم الشركات التي نشطت في منطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب؟ وفي أي قطاعات استثمرت؟ وما مدى تأثيرها، إيجابًا أو سلبًا، في السكان المحليين اجتماعيًا واقتصاديًا؟ وما التحولات التي طرأت على المجتمع الصحراوي بفعل هذا الحضور الاقتصادي الإسباني؟
ولمعالجة هذه الإشكالية، قسم الباحث دراسته إلى ثلاثة أقسام رئيسية، بحسب القطاعات الاقتصادية التي تناولها:
الشركات العاملة في قطاع التجارة والأشغال العامة والخدمات والبناء والنقل البحري.
الشركات العاملة في قطاع الثروة البحرية والصيد البحري والطحالب.
الشركات العاملة في قطاع المعادن والنفط.
وقد حاول الباحث في كل قسم الجمع بين التعريف بالشركات وتاريخ ظهورها ونشاطها، وبين تحليل علاقاتها بالسكان المحليين، والوقوف على التحولات التي أحدثها نشاطها في المجتمع الصحراوي.
وتكشف القراءة التركيبية للكتاب كما وضعها الباحث أن النشاط الاقتصادي الإسباني في الساقية الحمراء ووادي الذهب كان جزءًا من منظومة الوجود الاستعماري، وليس نشاطًا اقتصاديًا محايدًا أو منفصلًا عن أهداف السياسة الإسبانية.
فقد اتجهت الشركات الإسبانية إلى استثمار الموارد والإمكانات التي توفرها المنطقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية، ومن بينها الثروة البحرية والطحالب والمعادن، فضلًا عن توظيفها في مجالات البناء والنقل والخدمات والتجارة. ويبرز الكتاب أن تطور هذه الأنشطة ارتبط بتطور الحضور الإسباني نفسه، وبمحاولته تثبيت وجوده في المنطقة واستغلال مواردها.
وفي الجانب الاجتماعي، لا يقتصر أثر الشركات على توفير فرص العمل، بل يظهر من خلال تغير أنماط المعيشة والعمل والسكن والنقل والتبادل التجاري. فقد ساهم ظهور الأجور والعمل المرتبط بالشركات في إدخال أنماط جديدة إلى الاقتصاد المحلي، وأوجد أشكالًا من التفاعل بين السكان المحليين والمؤسسات الاقتصادية الإسبانية.
كما سجل الكتاب تحولات ثقافية واجتماعية أخرى، من بينها انتشار بعض مظاهر الحياة العصرية، وتغير وسائل النقل، وظهور أنماط جديدة من الملابس والخدمات، ودخول بعض الممارسات الصحية والتعليمية، إلى جانب تأثير اللغة والثقافة الإسبانيتين في بعض جوانب الحياة اليومية.
أما في المجال السياسي، فقد رصدت الدراسة ظهور مؤشرات على انتقال بعض السكان إلى مواقع إدارية ومؤسساتية جديدة، كما أشارت إلى بعض أشكال التفاعل والمقاومة تجاه السياسة الاستعمارية.
ويقدم الكتاب، في القسم الخاص بالمعادن والنفط، صورة عن اتساع مجال الاستغلال الاقتصادي ليشمل الموارد الباطنية، من خلال شركات مثل ADARO وENMINSA وفوسبوكراع وCEPSA وغيرها، وهو ما يكشف انتقال النشاط الاقتصادي الإسباني من مجالات تقليدية كالتجارة والصيد إلى استثمارات استراتيجية ذات أهمية أكبر.
ومن أبرز ما تسمح به القراءة التركيبية للكتاب أن المجتمع الصحراوي لم يكن مجرد متلقٍّ سلبي لهذه التحولات، بل تفاعل معها بطرق متعددة؛ فقد استفاد بعض السكان من فرص العمل والنشاط التجاري، في حين ظلت البنية الاقتصادية التقليدية حاضرة بقوة، خاصة في الرعي والتجارة والصيد، مع استمرار تأثير البنية القبلية في تنظيم المجتمع.
وبذلك يظهر أن فترة 1934–1975 شهدت تعايشًا وتداخلًا بين الاقتصاد التقليدي المحلي والاقتصاد الاستعماري الحديث، وأن الشركات الإسبانية كانت إحدى الأدوات الأساسية التي ساهمت في إحداث هذا التحول.
خلصت الدراسة إلى أن الاستثمارات والشركات الإسبانية شكلت أحد أبرز مظاهر الوجود الاقتصادي الإسباني في منطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب، وأن هذا الوجود ترك آثارًا متعددة المستويات على المجتمع المحلي.
فمن الناحية الاقتصادية، ساهمت الشركات في إدخال قطاعات وأنشطة جديدة، وتوفير فرص للعمل، وتطوير بعض البنيات والخدمات، غير أن ذلك ارتبط في الوقت نفسه بمنطق الاستغلال الاقتصادي للموارد المحلية وبالأهداف العامة للسياسة الاستعمارية الإسبانية. وتبرز أهمية قطاعات الصيد البحري والطحالب والمعادن والفوسفاط والنفط في فهم هذا البعد.
ومن الناحية الاجتماعية، أدى نشاط الشركات إلى تغيرات في أنماط العمل والمعيشة، وتحول بعض السكان من الاقتصار على الأنشطة التقليدية إلى العمل المأجور والأنشطة التجارية والخدماتية، كما ظهرت مظاهر جديدة في السكن والنقل والصحة والملبس والثقافة.
غير أن هذه التحولات لم تؤد إلى اختفاء الاقتصاد التقليدي، بل ظل الرعي والتجارة والصيد وغيرها من الأنشطة حاضرة، مع حدوث نوع من التكامل والتداخل بين الاقتصاد التقليدي والاقتصاد الاستعماري.
ويؤكد الباحث في خاتمته أن دراسة الشركات الإسبانية تفتح مجالًا واسعًا أمام الباحثين، خصوصًا في مجال التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، وأن الحاجة ما تزال قائمة إلى دراسة أرشيف الشركات والوثائق المرتبطة بها بصورة أوسع، بما يسمح بإعادة تركيب جوانب أخرى من تاريخ المنطقة خلال المرحلة الاستعمارية.
ومن خلال فهرس موضوعات الكتاب وترتيبها يظهر أن الباحث انتقل من القطاعات التجارية والخدماتية والبنية التحتية، إلى الثروة البحرية، ثم المعادن والهيدروكربورات، وهو ترتيب يعكس تطور مجالات الاستغلال الاقتصادي الإسباني في المنطقة.



