مجتمع

تيزنيت…تصبح الأصوات رهاناً آخر.. هل تتحول بعض الترشيحات إلى معركة من أجل العائد المالي؟

 

بقلم عابد أموسى – مراسل صحفي بجريدة الوطن بريس

 

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، لا يقتصر التنافس بين الأحزاب والمرشحين على الفوز بالمقاعد البرلمانية أو تحسين الحضور السياسي، بل تبرز، في الكواليس وفي قراءة بعض المتتبعين للمشهد، رهانات أخرى مرتبطة بعدد الأصوات التي يمكن أن تحصدها اللوائح، خاصة بالنسبة لبعض الأحزاب الأقل حضوراً في المشهد الانتخابي.

 

ففي الوقت الذي تدخل فيه الأحزاب الكبرى غمار المنافسة برهانات واضحة تتعلق بالمقاعد والتمثيلية، تبدو حسابات بعض المرشحين المنتمين إلى أحزاب صغيرة مختلفة نسبياً؛ إذ قد يصبح رفع عدد الأصوات المحصل عليها هدفاً في حد ذاته، بالنظر إلى ما يمكن أن تترتب عنه من آثار تنظيمية وسياسية، فضلاً عن الاستفادة من آليات الدعم المالي العمومي المخصصة للأحزاب وفق القواعد والضوابط القانونية الجاري بها العمل.

 

وهنا تطرح مجموعة من الأسئلة نفسها، ليس من باب التشكيك في نوايا أي مرشح أو حزب، وإنما من باب قراءة المشهد الانتخابي بواقعية:

 

هل أصبح الحصول على عدد معين من الأصوات بالنسبة لبعض المرشحين هدفاً يتجاوز مجرد محاولة الفوز بالمقعد؟

 

وهل يمكن أن تتحول المشاركة الانتخابية بالنسبة لبعض الأحزاب الصغيرة إلى استثمار سياسي وتنظيمي طويل المدى، حتى في الحالات التي تكون فيها حظوظ الفوز محدودة؟

 

ثم إلى أي حد يمكن أن يؤثر نظام الدعم العمومي للأحزاب في طريقة تدبير بعض الترشيحات، خصوصاً عندما يكون عدد الأصوات المحصل عليها أحد العناصر التي تدخل في معادلة الاستفادة من التمويل العمومي وفق القانون؟

 

معركة المقعد أم معركة الأرقام؟

 

في الانتخابات، قد لا يكون المرشح الذي يحتل المراتب المتأخرة بالضرورة قد خرج خاسراً بالكامل. فالحصول على آلاف الأصوات يمكن أن يمنح الحزب حضوراً انتخابياً، ويعزز موقعه التفاوضي والتنظيمي، ويقدم مؤشراً على قدرته على المنافسة في استحقاقات مقبلة.

 

ومن هنا، فإن بعض الترشيحات قد تكون لها حسابات تتجاوز الفوز المباشر، لتتحول إلى معركة من أجل الأرقام: كم صوتاً يمكن جمعه؟ وما هي المناطق التي يمكن اختراقها؟ وما حجم القاعدة الانتخابية التي يستطيع المرشح أو الحزب بناءها؟

 

وهي حسابات سياسية مشروعة في أصلها، ما دامت تتم داخل الإطار القانوني، لكنها تستحق النقاش عندما يصبح المواطن أمام لوائح انتخابية متعددة، بعضها يدخل المنافسة للفوز، وبعضها قد يكون هدفه الأساسي تسجيل حضور انتخابي قوي وبناء رصيد للمستقبل.

 

الدعم العمومي.. بين الحق المشروع وضرورة الشفافية

 

الدعم العمومي الموجه للأحزاب السياسية ليس امتيازاً خاصاً بجهة دون أخرى، بل هو آلية قانونية تهدف إلى تمكين الأحزاب من القيام بأدوارها وتأطير المواطنين والمساهمة في الحياة السياسية.

 

غير أن ارتباط جزء من هذا الدعم بالنتائج الانتخابية يجعل الصوت الانتخابي يحمل أكثر من دلالة؛ فهو من جهة تعبير عن اختيار المواطن، ومن جهة أخرى يمكن أن يدخل ضمن معادلات الدعم والتمويل التي تستفيد منها التنظيمات السياسية وفق الشروط القانونية.

 

وهنا تكمن أهمية الشفافية: المواطن من حقه أن يعرف أن صوته لا يحدد فقط ترتيب المرشحين، وإنما قد تكون له أيضاً آثار على مستقبل التنظيم السياسي الذي صوت لصالحه.

 

لكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن كل مرشح لحزب صغير يخوض الانتخابات من أجل المال، أو أن كل حزب محدود الحضور يسعى إلى جمع الأصوات لهذا الغرض. فمثل هذا الاستنتاج سيكون تعميماً غير مبرر، خصوصاً أن دوافع المشاركة السياسية تختلف من حزب إلى آخر ومن مرشح إلى آخر.

 

السؤال الذي يفرض نفسه

 

المثير في المشهد الانتخابي الحالي هو أن المنافسة لم تعد دائماً بين مرشح يريد الفوز ومرشح يريد إسقاطه فقط، بل أصبحت أحياناً بين مشاريع سياسية مختلفة في أهدافها وحساباتها.

 

مرشح يبحث عن المقعد، وآخر يريد رفع رصيد حزبه، وثالث يريد إثبات وجوده داخل دائرته، وربما آخر يعتبر هذه الانتخابات محطة لبناء مسار سياسي مستقبلي.

 

وبين هذه الحسابات كلها يبقى الصوت الانتخابي للمواطن هو العنصر الحاسم.

 

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يشارك حزب صغير وهو يعلم صعوبة الفوز؟

 

بل ربما السؤال الأهم هو: ماذا يعني له عدد الأصوات التي سيحصل عليها؟

 

وهل أصبحت بعض المعارك الانتخابية تُقاس فقط بعدد المقاعد المحصل عليها، أم أن هناك معارك أخرى صامتة تُخاض من أجل بلوغ عتبات انتخابية وسياسية ومالية معينة؟

 

أسئلة تبقى مفتوحة أمام الباحثين في الشأن السياسي، والفاعلين الحزبيين، والناخبين، دون أن تعني بالضرورة توجيه اتهام إلى أي جهة.

 

فالانتخابات في نهاية المطاف ليست مجرد سباق نحو المقاعد، وإنما أيضاً اختبار لقوة التنظيمات، وقدرتها على الإقناع، وحجم حضورها في المجتمع، والأهم: مدى ثقة المواطن بها عندما يضع صوته داخل صندوق الاقتراع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى