أخبار وطنية

فرنسا تختار ضحاياها وملاحقيها.  ليانا: تسع سنوات من الإشعارات المُهملة  حكيمي: تسعة أيام حتى المحاكمة

 

فتيحة عزيب : أخصائية كلينيكية

 

في اللحظة التي يعترف فيها وزير العدل الفرنسي بأن نظامه القضائي يتخبط في ثلاثة ملايين شكوى معلقة، وأن من بينها سبعين ألفاً تتعلق بالاعتداءات الجنسية، تبرز إلى السطح أسئلة جوهرية لا يمكن تأجيلها: لماذا يبقى مجرم محتمل متسلسل حراً طليقاً رغم عدة إشعارات وشكاوى بالاعتداء الجنسي على قاصرات، بينما يُلاحق لاعب كرة قدم بلا أي سوابق بسرعة قياسية؟ هل العدالة في الجمهورية الفرنسية، التي تتشدق بمبادئها الكونية، مجرد آلة انتقائية تُفاضل بين الضحايا والمتهمين على أساس الشهرة والمال والانتماء؟

هذا المقال لا يسعى إلى تبرئة أحد أو إدانة أحد سلفاً، بل يطرح قراءة نقدية في ضوء قضيتين شغلتا الرأي العام الفرنسي والدولي: قضية ليانا، الطفلة البالغة من العمر أحد عشر ربيعاً، التي قُتلت بعد اغتصابها على يد والد صديقتها المقربة الذي كان النظام يعرفه جيداً، وقضية أشرف حكيمي، لاعب كرة القدم المغربي، الذي أحيل إلى المحاكمة بتهمة الاعتداء الجنسي رغم غياب أي سجل جنائي سابق.

 

في التاسع والعشرين من مايو عام ألفين وستة وعشرين، غادرت الطفلة ليانا رامو برنارد، البالغة من العمر أحد عشر عاماً، مدرستها “هوبير ريف” في فلورانس بإقليم جيرس حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر. لم تعد إلى بيتها أبداً. شاهد عيان رآها تركب سيارة رجل تعرفه جيداً: جيروم باريلا، الحادي والأربعين من عمره، والد صديقتها المقربة. ادعى الرجل أنه تركها بالقرب من مسبح فلورانس، لكن تصريحاته اعتبرت متناقضة وغامضة من قبل المدعية العامة. عُثر على جثة ليانا بعد ستة أيام، في الرابع من يونيو، داخل صوامع زراعية مهجورة في بويكاسكييه، على مسافة خمسة عشر كيلومتراً. أكدت التشريحة أنها تعرضت للاغتصاب قبل مقتلها، وعُثر على مادة وراثية تخص باريلا على جسدها.

 

لكن الأدهى من الجريمة نفسها هو ما كشفته التحقيقات حول سوابق باريلا. كان هذا الرجل يحمل في سجله عدة إجراءات قضائية منذ عام ألفين وسبعة عشر. في ديسمبر ألفين وسبعة عشر، أبلغت أم فتاة في السابعة عشرة من عمرها عن علاقة بين ابنتها وباريلا، الذي كان يبلغ حينها الثانية والثلاثين. أُغلق الملف دون متابعة لأن الفتاة وصفت العلاقة بالرضائية وعمرها لم يسمح بإجراء ملاحقات. في عام ألفين وعشرين، فُصل باريلا من مدرسة ثانوية في جيرس حيث كان يعمل كعامل صيانة، بعد إشعار عن سلوك غير لائق تجاه تلميذة. في أكتوبر ألفين واثنين وعشرين، تقدمت عائلة بشكوى اغتصاب طفلة في السابعة من عمرها، لكن الفحوصات الطبية الشرعية والشهادات لم تكن كافية لدعم الاتهامات. أُغلق الملف في مايو ألفين وأربعة وعشرين لعدم كفاية التكييف. في الثاني والعشرين من أغسطس ألفين وخمسة وعشرين، تقدمت أم طفلة في الحادية عشرة من العمر تُدعى روزا بشكوى اغتصاب متكرر وقع في منزل باريلا. منذ تسعة أشهر، لم يتم حتى استدعاء المشتبه به للاستماع إليه. أوضحت المدعية العامة أن هذه التحقيقات كانت لا تزال جارية وقت اختفاء ليانا، وأن استماع المشتبه به كان لا يزال آخر إجراء تحقيقي يجب القيام به. في فبراير ألفين وستة وعشرين، أفادت طفلة في الحادية عشرة من العمر، تقيم في قرية للحماية الاجتماعية للأطفال، بتعرضها لتحرشات من قبل باريلا خلال حفلة نوم في منزله. قام المشرفون بالإبلاغ في الثالث عشر من مارس ألفين وستة وعشرين. قدم والد هذه الطفلة شكوى بالاعتداء الجنسي على قاصر بعد التعرف على باريلا كالمشتبه به الرئيسي في اختفاء ليانا.

 

ما يجعل هذه القضية أكثر بشاعة، هو أن والدي ليانا كانا قد لاحظا الخطر مسبقاً. بعد حفلة نوم نظمها باريلا في بداية العام الدراسي، أخبرت ليانا أمها أن هذا الرجل كان يداعبها ويتصرف بطريقة لمسية مفرطة. منعته الأم فوراً من رؤية ليانا وقطعت كل علاقة مع العائلة. لكن باريلا واصل الاقتراب من الطفلة، يحضر لها الحلوى أمام مدرستها. شهدت أم روزا، الضحية الأخرى، بذهول: بالنسبة لها، كان باريلا صديقاً، أباً لعائلة، شخصاً وثقت به. لم تتخيل يوماً أنه قادر على مثل هذه الأفعال.

 

في تصريحات صحفية نادرة في صراحتها، اعترف وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان بأن النظام “أخفق في متابعة الشكاوى”، مضيفاً أنه “مصدوم من هذا الخلل”. هذه الكلمات، وإن كانت صادقة، لا تُغني عن التحليل: كيف يمكن لنظام قضائي في دولة من دول السبع الكبرى أن يتجاهل عدة إشعارات وشكاوى ضد رجل يُشتبه في استهدافه للأطفال؟ كيف يمكن لشكوى اغتصاب متكرر لطفلة في الحادية عشرة من عمرها أن تبقى معلقة لمدة تسعة أشهر دون استدعاء المشتبه به حتى للاستماع إليه؟ كيف يمكن لحفلة نوم تتحول إلى تحرشات ضد طفلة تحت رعاية الحماية الاجتماعية للأطفال أن لا تؤدي إلا إلى إشعار بسيط؟ الجواب، ببساطة، يكمن في الانهيار البنيوي للنظام القضائي الفرنسي. الوزير نفسه كشف عن وجود ثلاثة ملايين شكوى معلقة، منها سبعون ألفاً تتعلق بالاعتداءات الجنسية. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية بيروقراطية، بل هو شهادة على فشل الدولة في حماية أضعف فئاتها: الأطفال.

 

ما يُبقي هذه القضية في دائرة الضوء ليس الاهتمام المبكر بالضحية، بل الصدمة التي تلت الجريمة. ليانا، كطفلة من عائلة عادية في بلدة صغيرة بجنوب غرب فرنسا، لم تكن تستحق اهتمام الإعلام قبل موتها. وباريلا، كرجل مجهول من الطبقة المتوسطة، لم يكن يستحق “الملاحقة” قبل أن يُفضح فشل النظام. الضحية الحقيقية هنا ليست ليانا وحدها، بل مبدأ المساواة أمام القانون، الذي يبدو أنه ينحصر في النصوص الدستورية دون أن ينزل إلى أرض الواقع.

 

على النقيض من ذلك، في ليلة الرابع والعشرين إلى الخامس والعشرين من فبراير ألفين وثلاثة وعشرين، ذهبت شابة في الرابعة والعشرين من عمرها إلى منزل أشرف حكيمي في بولوني-بيلانكور ظناً منها أنها في موعد غرامي. كانت قد تعرفت عليه قبل شهر عبر إنستغرام. في تلك الليلة، روت أنه قبلها ثم لمسها دون موافقتها قبل أن يغتصبها. تمكنت من صده و

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى