مجتمع

تيزنيت : جلسة تُدار في الظل… حين تتحول دورات المجالس الجماعية إلى عبء على الديمقراطية المحلية.

 

بقلم: عابد أموسى

 

 

لم تعد إشكالية تدبير دورات المجالس الجماعية مقتصرة على ضعف النقاش أو محدودية المخرجات، بل أضحت، في بعض الحالات، عنوانًا لانزلاقات خطيرة تمس جوهر الشرعية الديمقراطية ومبدأ سيادة القانون. وهو ما تجلّى بوضوح خلال الجلسة الأولى من دورة فبراير 2026 للمجلس الجماعي لتيزنيت، التي تحوّلت، للأسف، من فضاء للتداول المسؤول إلى مسرح لممارسات تطرح أكثر من علامة استفهام.

 

منذ انطلاق أشغال الدورة، برزت مؤشرات مقلقة حول طريقة تسيير الجلسة، كان أخطرها عرض اتفاقية شراكة مغايرة لتلك التي دُرست داخل اللجان الدائمة وصادق عليها المجلس الإقليمي. فبعد نقاش مستفيض داخل لجنة الشؤون الاجتماعية حول اتفاقية تخص اقتناء جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي وتوسعة مصلحة الأشعة بالمركز الاستشفائي الحسن الأول، أوصت اللجنة بالإجماع بالمصادقة على الاتفاقية كما عُرضت عليها. غير أن ما قُدم لاحقًا للتصويت داخل الجلسة العامة كان نسخة مختلفة، تضمنت تغييرات جوهرية همّت المساهمات المالية وسحب أحد الشركاء، دون أي توضيح أو مسوغ قانوني، في سلوك لا يمكن وصفه إلا باعتباره تضليلًا للمجلس ومسًّا صريحًا بحق الأعضاء في اتخاذ قرار مستنير.

 

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى تغيير توصيات اللجان الدائمة خارج أي إطار مؤسساتي. فقد أوصت لجنة الشؤون الاقتصادية والمالية والبرمجة برفض الثمن المقترح للاحتلال المؤقت للمقهى والمطعم الكائن بالمسبح الجماعي، معتبرة إياه غير منصف. غير أن الجلسة العامة عرفت عرض توصية مغايرة تقضي بالموافقة على الثمن نفسه، دون الرجوع إلى اللجنة المختصة أو عرض توصيتها الأصلية على التصويت، في خرق سافر لمبدأ استقلالية اللجان، وضرب لمصداقية العمل الجماعي.

 

ومن بين أعطاب التدبير التي ما فتئت تتكرر، استمرار حرمان أعضاء المجلس من سجل المحتويات الجماعية، رغم أن القانون يلزم رئيس الجماعة بمسكه وعرضه خلال الدورة العادية الأولى من كل سنة. إن تغييب هذه الوثيقة الأساسية لا يمس فقط بحق المنتخبين في المعلومة، بل يفرغ آليات المراقبة والتتبع من مضمونها، ويفتح الباب أمام كل أشكال الغموض في تدبير الملك الجماعي.

 

ويزداد المشهد قتامة حين يتم تجاهل طلبات الفرق داخل المجلس، كما وقع مع طلب إدراج نقطة تتعلق بتحيين برنامج عمل الجماعة، الذي قُدم داخل الآجال القانونية دون أن يتم إخبار المجلس بمآله، لا قبولًا ولا رفضًا، في مخالفة صريحة للقانون التنظيمي المنظم لعمل الجماعات.

 

إن ما جرى خلال هذه الدورة لا يمكن اعتباره مجرد هفوات إجرائية، بل يعكس نمطًا مقلقًا في تدبير الشأن المحلي، قوامه الالتفاف على المساطر القانونية وإفراغ المؤسسات المنتخبة من دورها التداولي. وهو وضع يستدعي تدخلًا جديًا من الجهات الوصية، ليس فقط لتصحيح الاختلالات، بل لإعادة الاعتبار للعمل الجماعي كفضاء ديمقراطي حقيقي، تُحترم فيه القوانين، وتصان فيه كرامة المنتخب، وتُقدَّم فيه المصلحة العامة على كل الحسابات الضيقة.

 

فالديمقراطية المحلية لا تُقاس بعدد الدورات المنعقدة، بل بمدى احترام القانون داخلها، وبقدرتها على إنتاج قرارات شفافة تعكس إرادة ممثلي الساكنة، لا إرادة تُصنع في “جنح الليل”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى