مجتمع

“حافظوا على الملعب في كأس أمم أفريقيا… خربوه في كلاسيكو الجيش والرجاء: من هو المشجع المغربي حقاً؟”

بقلم : فتيحة عزيب اخصائية إكلينيكية

 

في السابع والعشرين من يناير الماضي، وقف العالمُ مدهوشاً أمام مشهدٍ نادرٍ في تاريخ كرة القدم الأفريقية، إذ كانت جماهيرُ ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، تلك التي ردّدت النشيدَ الوطنيَّ بفخرٍ وأهلّت بالضيوف القادمين من أقاصي القارة، تُنظّف في الوقت ذاته مقاعدها بعنايةٍ يشوبها الفخر الوطني، فلم يكن ذلك مجردَ تصرفٍ عفوي، بل كان إعلاناً صريحاً عن هويةٍ مغربية راقية، اختارت أن تُقدّم نفسَها للعالم بلباسٍ حضاريٍّ يليق ببلدٍ عريق، غير أنه في الثلاثين من أبريل الجاري، تحوّل ذاتُ الملعب، وبعضُ ذاتِ الجماهير، إلى مسرحٍ لأعمال شغبٍ عنيفةٍ اندلعت مباشرةً بعد نهاية اللقاء، امتدت من محيط الملعب إلى أحياء مجاورة، حيث اقتحمت جماهيرٌ مناصرةٌ لإحدى الفريقين منصةَ الصحافة وقامت بتخريبِ تجهيزاتِها، وتبادلت مع الجماهير المنافسة إلقاءَ القنينات، كما رشقت عناصر القوات العمومية بالحجارة، وفي حي الفتح القريب من الملعب، تعرضت نحو عشر سيارات للتخريب، وأُضرمت النار في دراجة نارية تعود لأحد أعوان السلطة، وهو ما أودى بمائةٍ وستةٍ وثلاثين شخصاً إلى قبضةِ الأمن، مع الاحتفاظ بحدثين اثنين، بعدما استدعى الأمر تدخلاً أمنياً واسعاً لتفريق التجمعات وإعادة الأمور إلى نصابها، وهو ما يطرح السؤالَ المحيّرَ الذي يُراود العقلَ المدنيّ: كيف لذاتِ المكانِ وذاتِ الناسِ أن يُقدّموا وجهينِ متناقضينِ إلى هذا الحدّ؟

في علم النفس الرياضي، لا نتحدّث عن “جماهيرَ جيدة” و”جماهيرَ سيئة”، بل عن بشرٍ يتأثرون بسياقاتهم الاجتماعية تأثيراً عميقاً، فالهويةُ التي نحملها ليست جبلَ طوبقالَ ثابتاً، بل هي سحابةٌ تتشكّل بحسب الرياح المحيطة بها، ومن هنا يأتي دورُ نظرية الهوية الاجتماعية التي وضعها عالمُ النفس الاجتماعي البريطاني هنري طاجفيل في سبعينيات القرن الماضي، والتي تُفسر كيف يُعيد المرءُ تعريفَ ذاتِه حسب المجموعة التي ينتمي إليها، ففي كأس أمم أفريقيا، كانت الهويةُ المُفعلةُ هي الهوية الوطنية المغربية، حيث كان المشجّعُ “مغربياً” يُمثّل بلدَه أمام العالم، فالعدوُّ كان خارجياً والهدفُ كان رفعَ راية الوطن، وفي مثل هذا السياق، يصبح التسامحُ والحفاظُ على النظامِ تعبيراً عن التفوق المجموعي، والعنفُ خيانةً للصورةِ التي يريد المرءُ أن يراها العالمُ في بلاده، أما في “الكلاسيكو” بين الجيش الملكي والرجاء الرياضي، فقد انقلبت المعادلةُ رأساً على عقب، إذ أصبح المشجّعُ “جيشاوياً” أو “رجوياً” بامتياز، فالعدوُّ ليس بعدوٍّ أفريقيّ قادمٍ من الخارج، بل هو الجارُ الذي يسكنُ في نفسِ المدينةِ ويشاركُكَ نفسَ الشوارع، والهدفُ هنا ليس تمثيلَ الوطنِ أمام العالم، بل الدفاعَ عن شرفٍ محليٍّ يبدو للنفسِ أشدَّ إلحاحاً من أيِّ اعتبارٍ وطني، ويتحوّلُ “الآخر” من خصمٍ رياضيٍّ إلى تهديدٍ وجوديٍّ يجبُ سحقُه.

لكن كيف يتحولُ الإنسانُ المسالمُ إلى مشاركٍ في أعمالِ شغبٍ عنيفة؟ هنا يأتي دورُ نظرية التحلل من المسؤولية التي قدّمها عالما النفس الاجتماعي الأمريكيان ليون فيستنجر وجيمس بينجر في أواخر الخمسينيات، والتي تُفسر كيف يفقدُ الفردُ إحساسَه بالذاتِ والمسؤوليةِ داخل الجموع الكثيفة، ففي ملعبٍ ممتلئٍ بعشراتِ الآلاف، تُخفي الكثافةُ البشريةُ هويتَه، والحماسُ الجماعيُّ يُضعفُ رقابتَه الذاتية، فيتحولُ المرءُ من كائنٍ مسؤولٍ إلى جزءٍ من كتلةٍ عاطفيةٍ متحركة، وفي كأس أفريقيا، كانت الكاميراتُ الدوليةُ والضيوفُ الأجانبُ وسمعةُ المغربِ في المحافلِ القارية بمثابةِ رادعٍ نفسيٍّ يُحافظُ على السلوكِ ضمنَ حدودِ اللياقة، فالجماهيرُ كانت تُدركُ أن العالمَ يراقبُ، وأن كلَّ تصرفٍ يعكسُ صورةَ بلدِها، بينما في مباراة الكلاسيكو، اقتصرَ المراقبُ على الجماعةِ الداخلية، والجماعةُ الداخليةُ في مثل هذه السياقاتِ لا تُكافئُ على التسامح، بل تُكافئُ على “الشجاعة” المزعومة، وتُعاقبُ التراجعَ باتهامِ صاحبِه بالخيانة، فتصبحُ العنفُ مكافأةً اجتماعيةً، والسلامُ ضعفاً مُستحقاً للإقصاء.

ولكن الجمهورَ وحده لا يُفسّرُ الاستثارةَ العاطفيةَ المفرطة، وهنا يبرز دورُ نظرية التأثير الاجتماعي التي طورها عالمُ النفس الاجتماعي الأمريكي روبرت زايونس في ستينيات القرن الماضي، والتي تُثبتُ أن وجودَ جمهورٍ حاشدٍ يُضاعفُ من الاستثارةِ العاطفيةِ للفرد، ففي كأس أفريقيا، كانت الاستثارةُ العاطفيةُ موجهةً نحوَ الفخرِ الوطني والتسامحِ والضيافة، فالجمهورُ الغفيرُ كان يُضاعفُ من هذه المشاعرِ الإيجابيةِ ويُحوّلُها إلى سلوكٍ حضاريٍّ ملحوظ، أما في الكلاسيكو، فكانت الاستثارةُ العاطفيةُ موجهةً نحوَ العداءِ التاريخي والدفاعِ عن الشرفِ المحلي، فنفسُ الجمهورِ الغفيرِ هنا يُضاعفُ من المشاعرِ السلبيةِ ويُحوّلُها إلى عنفٍ جماعيٍّ منظم.

ومع ذلك، فإن التنافسَ الرياضيَّ وحده لا يُنتجُ العنفَ بالضرورة، بل يعتمدُ على طبيعةِ التنافسِ واتجاهِه، وهنا تأتي نظرية التنافس العدائي التي أثبتها عالمُ النفس الاجتماعي الأمريكي موزافر شيريف في منتصف القرن العشرين من خلال تجاربه الشهيرة في مخيم “رابرز كايف”، والتي أثبتَ فيها أن التنافسَ على مواردَ محدودةٍ يُنتجُ عداءً جماعياً حتى بين مجموعاتٍ كانت سلميةً في الأصل، ففي كأس أفريقيا، كان التنافسُ موجهاً للخارج، إذ كان المنتخبُ المغربيُّ يتنافسُ مع الفرقِ الأفريقيةِ الأخرى، فالعدوانيةُ موجهةٌ للخارجِ وتُترجمُ إلى تسامحٍ داخليٍّ بين المغاربة أنفسِهم، بينما في الكلاسيكو المحلي، فالتنافسُ موجهٌ للداخل، إذ يتنافسُ الجيشُ والرجاءُ على نفسِ المواردِ المحليةِ من لقبٍ وجماهيرَ وسمعة، فالعدوانيةُ موجهةٌ للداخلِ وتُترجمُ إلى عنفٍ جماعيٍّ بين فصيلتينِ من نفسِ المجتمع.

ولا يمكنُ إغفالُ عاملِ الزمنِ والتاريخِ في فهمِ هذه الظاهرة، إذ يأتي هنا دورُ نظرية الذاكرة الجماعية التي وضعها عالمُ الاجتماع الفرنسي موريس هالواكس في أوائل القرن العشرين، والتي تُفترضُ أن المجتمعاتِ تُخزّنُ ذكرياتٍ مشتركةً تُشكّلُ وعيَها الجماعيَّ وتُوجّهُ سلوكَ أفرادِها، فالشغبُ في مباراةِ الجيش والرجاء لم يكن حدثاً معزولاً، إذ يحفلُ السجلُّ التاريخيُّ لمبارياتِ “الكلاسيكو” بالصراعاتِ والاحتكاكات، وهذه الذاكرةُ الجماعيةُ ليست مجردَ معلوماتٍ مخزنة، بل هي برمجةٌ نفسيةٌ تُعدُّ الأفرادَ لتوقعِ العنفِ والاستعدادِ له، وعندما يتوقعُ المرءُ العنفَ، يُصبحُ أكثرَ استعداداً للمشاركةِ فيه، في ظاهرةِ التوقعِ الذاتيِّ المحقق، بينما في كأس أفريقيا، كانت الذاكرةُ الجماعيةُ جديدةً وإيجابية، إذ لم يكن هناك تاريخٌ عدائيٌّ مع الفرقِ الأجنبيةِ يُغذي الكراهية، بل كان هناك حلمٌ وطنيٌّ بتنظيمٍ رائعٍ يُضاهي المستوياتِ العالمية.

وفي النهاية، لا بدَّ من النظرِ إلى المكافأةِ والعقابِ الاجتماعيينِ كمحركينِ أساسيينِ للسلوك، وهنا تبرز نظرية التبادل الاجتماعي التي وضعها عالمُ الاجتماع الأمريكي جورج هومانز في خمسينيات القرن الماضي، والتي تُفترضُ أن البشرَ يُقدّمونَ ويستلمونَ مكافآتَ وعقوباتٍ اجتماعيةً، ويُحسبونَ حسابَ المصلحةِ في كلِّ تفاعلٍ، ففي كأس أفريقيا، كانت المكافأةُ هي الفخرُ الوطنيُّ والاعترافُ الدوليُّ، وكان العقابُ هو العارُ الذي يلحقُ بالسمعةِ المغربيةِ أمام العالم، بينما في الكلاسيكو المحلي، انقلبتْ المكافأةُ والعقابُ، فالمكافأةُ هنا هي “البطوليةُ الجماهيريةُ” المزعومة، والعقابُ هو الاتهامُ بالجبنِ والخيانةِ من قبلِ الجماعةِ المحيطة، والإنسانُ، في النهاية، كائنٌ اجتماعيٌّ يتأثرُ بهذه المعادلاتِ بشكلٍ لا شعوري.

ختاماً، ليس ثمةَ “جماهيرَ عنيفةً بالفطرة” و”جماهيرَ مسالمةً بالطبع”، بل هناك سياقاتٌ تُنتجُ العنفَ، وسياقاتٌ تُنتجُ التسامحَ، فنفسُ المشجعِ الذي حملَ زبالتَه في يناير قد يُلقي بها في أبريل، ليس نفاقاً، بل لأن السياقَ الاجتماعيَّ أعادَ تشكيلَ هويتِه ودوافعِه وسلوكِه، كما يقولُ علمُ النفس الرياضي: “ليس هناك ‘جماهير عنيفة’ و’جماهير مسالمة’ — هناك سياقات تُنتج العنف وسياقات تُنتج التسامح”، والتحديُ الحقيقيُّ ليس في إدانةِ الجماهير، بل في تصميمِ سياقاتٍ رياضيةٍ تجعلُ من التسامحِ مكافأةً اجتماعيةً في الداخلِ كما في الخارج، فالملعبُ الواحدُ يستحقُّ وجهاً واحداً، لا وجهينِ متناقضين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى