مجتمع

حينما تُوظف مؤسسة رسمية في صراعات الزوايا : تساؤلات حول حياد وزارة الأوقاف

 

بقلم : ياسين العسري

 

 

في الوقت الذي ينتظر فيه المهتمون والمتابعون من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن تكون حامية للثوابت الدينية والرمزية للمؤسسات الصوفية الوطنية، تفاجأ مريدو الطريقة القادرية البودشيشية بسلسلة من الممارسات التي تثير الاستغراب وتطرح أكثر من علامة استفهام حول “حياد” الإدارة تجاه الطريقة القادرية البودشيشية.

 

إن ما تنشره المواقع الرسمية للوزارة من معلومات تتبنى نسب “مشيخة الطريقة” للأخ الأصغر معاد، يعد انحيازا غير مفهوم، يتجاهل الحقيقة المؤسساتية والشرعية التي يجمع عليها مريدو الطريقة في المغرب وخارجه؛ وهي أن الدكتور مولاي منير القادري بودشيش هو الشيخ الموصى له، والمشرف على مجالس زوايا الطريقة بالمملكة والخارج، والحامل لواء استمراريتها بمرجعية واضحة وثابتة.

 

لا تتوقف الإشكالية عند حد “المغالطات الرقمية”، بل تمتد لتصبح ممارسة ميدانية في بعض الأقاليم؛ حيث يتم تداول شهادات وتصرفات من قبل مندوبيات جهوية وإقليمية توحي بدعم صريح لمدعي المشيخة، بدءا من تصريحات المندوبين، وصولا إلى تعبئة القيمين الدينيين لحضور أنشطة لا تمثل الخيار الشرعي للزاوية، ناهيك عن الحديث عن استنزاف لميزانيات الوزارة من خلال صرف مكافآت لأطراف تُوظف لغرض وحيد هو التشويش على الأنشطة الروحية بالزاوية الأم بمذاغ.

 

إن هذا الوضع يضع السيد أحمد التوفيق، وزير الأوقاف، أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية. فهل نحن بصدد “حرب معلنة” على الشرعية داخل الزاوية؟ أم أن الوزارة أصبحت ساحة لتصفية حسابات ضيقة، حيث يغيب الوعي و الحياد الإداري عن ممارسات المندوبين الذين تجمعهم مع معاد علاقات مشبوهة وغامضة ؟

 

إن التلويح المستمر بـ “الظهير” المزعوم ومحاولات ربطها بالسياسة الوزارية لفرض واقع شاذ، يضرب في الصميم مبدأ “الاستقلالية الروحية” التي طالما تميزت بها الزوايا المغربية. وإذا كان الوزير يرى في هذه التحركات تدبيرا طبيعيا ، فإنه يتحمل مسؤولية تبعات تهديد لأحد أكبر الصروح الروحية بالمغرب؛ أما إن كان مغيبا عما يحدث، فإن “المصيبة أعظم”، حيث يتردد أن دواليب الوزارة في بعض المناطق باتت رهينة لتقديرات مسؤولين محليين تربطهم ولاءات خاصة مع مدعي المشيخة و يغلبون الأجندات الخاصة على المصلحة العامة.

 

إن هذا التجاوز لا يضرب فقط مبدأ الاستقلالية، بل يتعارض صراحة مع الروح التوجيهية السامية التي تؤطر الشأن الديني في المملكة. فالرسالة الملكية الموجهة للمجلس العلمي الأعلى، والتي تُعد دستورا ناظما للعمل الديني، تشدد دائما على ضرورة صيانة المؤسسات العلمية والروحية وتقدير أهلها وحفظ حرمتها. إن التزكية المؤسساتية التي تحظى بها الطرق الصوفية باعتبارها جزءا من الأمن الروحي للمغرب تستوجب من وزارة الأوقاف أن تكون حارسا أمينا على هذه التزكية لا طرفا في تقويضها. فالتناقض بين ما تقرره التوجيهات الملكية السامية من حماية للزوايا والجوهر الذي تقوم عليه تربيتها من محبة للرسول الذي تنتهي اليها أسانيدها، وبين ما يمارسه بعض المسؤولين ميدانيا من محاولة لفرض قيادات تفتقر للشرعية القاعدية والروحية، يطرح تساؤلا جوهريا حول مدى التزام الإدارة بمرجعية السند الموصول كما أقره أمير المؤمنين وربطه بالواقع الشرعي القائم والمستقر، لا الانصياع لتقديرات إدارية جانبية ونزوات شخصية قد تخلق فتنة داخل النسيج الصوفي المتماسك.

 

إن الالتحام الحضاري الذي أبداه مريدو ومريدات الطريقة القادرية البودشيشية، وتمسكهم بالشيخ الدكتور مولاي منير القادري بودشيش، هو رسالة واضحة بأن الزوايا ليست “ضيعات” إدارية يمكن تغيير معالمها بقرار مكتبي أو تغريدة رسمية. إن حماية المؤسسة الدينية تقتضي الترفع عن الانحياز لأمور انتقال السند، والالتزام بالشرعية التي أقرها شيوخ الطريقة المنتقلون ومريدوها الاوفياء داخل هذه الزاوية العريقة.

 

ختاما ، إن ما يحدث اليوم يتطلب وقفة تقييمية جادة؛ فالمؤسسة الرسمية أُنشئت لترعى الشأن الديني في عموم البلاد، لا لتكون طرفا مشوشا او داعما لمدعي “المشيخة” أو لتصفية حسابات شخصية، لاسيما حينما يكون هناك إجماع وازن ومستقر على شرعية الدكتور مولاي منير القادري بودشيش. فالتاريخ لا يكتبه الموظفون، بل يكتبه الصادقون الثابتون على العهد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى