مجتمع

المغرب ساند ثورتها لكن الجزائر اختارت أن ترد بخصومة لا تنتهي!

 

يبدو أن بعض الدول تعاني من مشكلة غريبة مع الذاكرة ، تتذكر جيدا ما تريد الاحتفاظ به ، وتصاب بفقدان مؤقت للذاكرة عندما يتعلق الأمر بفضل الآخرين عليها ، ولعل العلاقات المغربية الجزائرية تقدم واحدة من أكثر المفارقات السياسية إثارة للاستغراب في تاريخ المنطقة المغاربية.

ففي الوقت الذي كانت فيه الجزائر تخوض معركتها ضد الاستعمار الفرنسي، لم يكن المغرب يتفرج من وراء الحدود ، لقد احتضن المقاومين الجزائريين، وفتح أرضه أمام قيادات الثورة ومقاتليها، وقدم الدعم السياسي والدبلوماسي والمادي ، واحتضنت أراضيه قواعد خلفية لجيش التحرير الوطني الجزائري، كان المغرب آنذاك يعتبر تحرير الجزائر جزءا من معركة تحرير المغرب الكبير، ولم يكن ينتظر شهادة تقدير مقابل موقفه.

 

كان الملك محمد الخامس يرى أن استقلال الجزائر ليس مجرد شأن جزائري، بل قضية مغاربية مشتركة، وأن تحرر شعوب المنطقة لا يكتمل ببقاء الاستعمار في جزء منها، كانت تلك مرحلة آمن فيها المغاربة بأن الحدود لا ينبغي أن تكون أكبر من الأخوة، وأن التضامن لا يحتاج إلى تأشيرة عبور.

 

لكن يبدو أن للذاكرة السياسية الجزائرية حكاية أخرى، فبعد الاستقلال، سرعان ما دخل البلدان في خلافات حدودية وسياسية، ثم جاءت حرب الرمال سنة 1963 لتكشف أن حلم الوحدة المغاربية بدأ يتلقى أولى طعناته، ومع مرور السنوات، تحول الخلاف إلى خصومة مزمنة، وأصبحت قضية الصحراء عنوانا رئيسيا في العلاقات بين البلدين.

 

وهنا تبدأ المفارقة الحقيقية ، المغرب الذي ساند الثورة الجزائرية ضد الاستعمار، يجد نفسه اليوم أمام دولة جعلت من دعم جبهة البوليساريو ومواجهة الموقف المغربي في قضية الصحراء محورا ثابتا في سياستها الخارجية.

 

يا لها من مفارقة! بالأمس كانت الحدود المغربية ملاذا للثوار الجزائريين، واليوم أصبحت الحدود نفسها مغلقة منذ عقود، وأصبحت الدبلوماسية مشغولة بتبادل الاتهامات، وكأن التاريخ قرر أن يمنح البلدين درسا طويلا في كيفية إضاعة الفرص.

 

لا أحد يطلب من الجزائر أن تتبنى الموقف المغربي لمجرد أن المغرب ساند ثورتها، فالسياسة ليست دفتر ديون عاطفية، ولا العلاقات الدولية تقوم على رد الجميل وحده، لكن من حقنا أن نتساءل: كيف تحولت فكرة التضامن المغاربي التي جمعت الشعبين في مواجهة الاستعمار إلى خصومة سياسية تستنزف إمكانات البلدين وتعطل مشروع اتحاد مغاربي كان يمكن أن يكون قوة اقتصادية وسياسية حقيقية؟

 

ثم ما الذي ستجنيه الجزائر من استمرار هذا التوتر؟ هل ستنخفض البطالة الجزائرية إذا تعثر المغرب؟ وهل ستتحسن الخدمات الاجتماعية هناك إذا بقي ملف الصحراء مفتوحا؟ وهل ستصبح حياة المواطن الجزائري أفضل كلما ازداد الخلاف مع جاره المغربي؟

 

إن الشعوب لا تأكل البيانات الدبلوماسية، ولا تسدد فواتيرها بقرارات مجلس الأمن، ولا تجد فرص العمل في خطابات الخصومة، كان الأجدر بالبلدين أن يتنافسا في التنمية والصناعة والتعليم والبحث العلمي، لا في عدد البيانات والاتهامات والمواقف المتبادلة.

 

أما الحديث عن تقرير المصير والشرعية الدولية، فيظل حقا في النقاش السياسي والدبلوماسي، لكن من المشروع أيضا مساءلة حجم الانخراط الجزائري في هذا النزاع، وكلفته على المنطقة، ومدى مساهمته في تقريب الحل أو إطالة أمد الأزمة.

 

ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن مشروع اتحاد المغرب العربي، الذي ولد سنة 1989 وسط آمال كبيرة ، تحول إلى مؤسسة أشبه بموظف أحيل على التقاعد دون أن يغادر مكتبه رسميا ، خمس دول، وسوق مشتركة مؤجلة، وحدود مغلقة، وأحلام وحدوية تنتظر أن يستيقظ السياسيون من خصوماتهم الطويلة.

 

لسنا مطالبين بأن ننسى التاريخ، ولا بأن نحول مواقف الأمس إلى صكوك سياسية دائمة، لكننا مطالبون بأن نتساءل عن مستقبل المنطقة ، فالمغرب لا يحتاج إلى جزائر ضعيفة ، والجزائر لا تحتاج إلى مغرب متعثر ، وحدهما منطق الخصومة وحسابات النفوذ يستفيدان من استمرار هذا الوضع.

 

يا جزائر، لم يكن المغرب ينتظر منك أن تردي الجميل بالتصفيق، ولا أن تتنازلي عن قناعاتك السياسية ، لكنه كان يأمل على الأقل ألا يتحول التضامن الذي جمع الشعبين في زمن الاستعمار إلى خصومة دائمة بعد الاستقلال.

 

فالتاريخ لا يطالب أحدا بدفع ثمن الماضي، لكنه لا يمنح أحدا حق تزويره أو نسيان دروسه.

 

وإذا كان الاستعمار قد نجح في رسم الحدود بين البلدين ، فليس من الحكمة أن ينجح السياسيون بعد أكثر من ستة عقود من الاستقلال في تحويل تلك الحدود إلى جدار يفصل بين شعبين كانا يحلمان ذات يوم بمغرب كبير يتسع للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى