بيان توضيحي بخصوص ما يتم تداوله حول الطريقة القادرية البودشيشية

بسمِ اللهِ الفرد الصمد، الذي تُحفَظُ عنده العهودُ، وتُصانُ الوصايا، وتستقيمُ على هديه مسالكُ الثابتين على العهد، ثبوت دلالة الأثر، فلا يلتبسُ على من اعتبر، ولا يخفى على من تدبّر،
والحمدُ للهِ الذي جعل برَّ الوالدين أصلًا جامعًا، تُعرف به المقامات، وتنتظم به المعاني، ويقوم عليه ميزانُ الوفاء،
والصلاةُ والسلامُ الأتمان الأكملان على سيدنا محمد، الذي أرسى معالم الأدب، وأقام للعهود حرمتها، وجعل للثبات شأنه ومكانته، من سار إلى الأصل فوقف، ولزم الباب فعرف، وأدّى الحقّ سرًّا وجهرًا،
وعلى آله وصحبه، ومن ذاق المعنى فاستقام عليه إلى يوم اليقين.
وبعد،
فإن مجلس مقدمي الطريقة القادرية البودشيشية، برعاية شيخها ومجدد نهجها، ذي السند الواصل المتصل الموصل إلى حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضيلة الدكتور مولاي منير القادري بودشيش، المجد العامل المجتهد تحت ظل رعاية حامي حمى الملة والدين، حافظ أمنها واستقرارها، مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله وأعز أمره؛
يعبر بفرح أكيد وعزم متجدد، للرأي العام الوطني، ولجميع المنتسبين والمحبين والمهتمين بشأن الطريقة القادرية البودشيشية، عن سروره بما تحقق، بفضل ومنة من الله سبحانه وتعالى، من أنشطة روحية وأعمال للبر والإحسان، امتثالا للأمر السامي المطاع لمولانا أمير المؤمنين، بشأن الاحتفاء بخمسة عشر قرنا على ميلاد جده المصطفى الأكرم، صلى الله عليه وسلم، ويؤكد عزمه على المضي قدمًا، ومواصلة العمل بجد وتفان عملا بقوله تعالى: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ [التوبة: 106]، عملًا خالصا لوجه الله تعالى، موجها لخدمة وطننا وثوابتنا الدينية والوطنية.
حيث التأم المريدون، داخل المغرب وخارجه، في ليال محلية وإقليمية وجهوية و دولية، خصصت لتلاوة القرآن والصلاة على النبي العدنان، ومدحه وتدارس سيرته العطرة، ليال تزامنت مع شهر رمضان الأبرك، أشرقت ببذل مجهودات مقدَّرة، تجند لها مريدات ومريدو الطريقة داخل المغرب وخارجه، فأقيم ما ناهز سبعين نشاطا روحيا وثقافيا توزع بين ليالي للسماع والمديح، وندوات علمية، وأنشطة للمريدات، تزامنت كذلك والاحتفال باليوم العالمي للمرأة (08 مارس)، حيث أشرفن في عدة مدن مغربية على تنظيم ندوات علمية وحفلات دينية أبرزت دور التصوف في حياة الأسرة المغربية، وأهمية البعد الروحي في المجتمع، وكذلك دور المرأة المغربية المتصوفة في محيطها القريب والبعيد. وقد صدحت مجالس المديح والسماع حبًا في سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وارتفعت الأكف بالدعاء أن يحفظ ملكنا، وبلادنا وأهله من كل سوء، وأن ييسر لهم مسالك خير والفلاح. كما تضافرت الجهود لتوفير الدعم المادي للأسر المعوزة، سيرا على نهج مولانا أمير المؤمنين، من خلال توزيع القفة الرمضانية، في أسمى صور التضامن والتآزر الوطني.
وتلاقت الأرواح قبل الأجساد، وتكاتفت في اعتكافات رمضانية متواصلة، لتلاوة سلك القرآن وختم سلك صحيح البخاري وكتاب الشفا ودلائل الخيرات وكتاب الذخيرة، ولزوم ذكر الله تعالى، والصلاة على النبي المختار صلى الله عليه وسلم، فرادى وجماعات، بمختلف الصيغ المأذونة، والتفقه في الدين، من خلال دروس علمية وعملية في فقه الإمام مالك، وعقيدة الإمام الأشعري، وسلوك الإمام الجنيد، قصد تزكية النفس وتخليتها، وحفظ البلاد والعباد ومولانا أمير المؤمنين دام له العز والتمكين.
وقد تجلت أنوار السر الرباني في هذه الجهود، فألبست حللها لفقراء الطريقة الصادقين، الثابتين على العهد، فغدوا كنجوم الليلة الظلماء، لما أظهروه من وعي وفهم عميق لمعاني هذا الدين وروحه وقيم الوطنية الصادقة، وتشبثهم برمز الأمة وقائدها، وارتباطهم بواصايا شيوخهم، قدس الله سرهم أجمعين، وبشيخهم المبارك فضيلة الدكتور مولاي منير القادري بودشيش، بصفته الشيخ الشرعي الموصى له للطريقة، وذلك استنادًا إلى الوصايا الموثقة لسيدي حمزة وسيدي جمال، قدس الله سرهما، وما استقر عليه العمل داخل الطريقة، كما باقي الطرق الصوفية، من انتقال المشيخة وفق السند المتصل والشرعية الروحية الثابتة، وعملا بما ورد في الرسالة الملكية السامية التي وجهها أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، إلى المجلس العلمي الأعلى بشأن إحياء ذكرى مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم والتي جاء فيها مايلي:
“سادسا: التذكير بما برّز فيه المغاربة من العناية بثانية أمانات الرسول الأعظم وهي التزكية، وذلك من خلال ما نبت في أرض المغرب عبر العصور من مؤسسات التربية الروحية المسماة بطرق التصوف، ومعلوم أن الجوهر الذي تقوم عليه تربيتها هو محبة الرسول الذي تنتهي إليه أسانيد هذه الطرق في الدخول على الله من باب الاقتداء به صلى الله عليه وسلم في إخلاص العبودية لله.”
ويعتز المجلس بالحرص المستمر على استحضار الرموز الدينية والوطنية في مختلف الأنشطة والمناسبات، سيرا على نهج مشايخنا، والذي يعبّر عن وعيٍ راسخ بجذور الهوية الجماعية، ويمنح الفعل العمومي بعدًا قيميًا يؤطره بالمعنى والانتماء. فحضور صورة جلالة الملك محمد السادس، أدام الله عزه، ورفع الراية الوطنية، بما تحمله من دلالات السيادة والوحدة، واستحضار الرموز الجامعة التي تؤسس للمرجعية الروحية للأمة، يشكّل امتدادًا حيًا لميثاق البيعة، ويجسد الارتباط المتين بين الثوابت الدينية والوطنية في الوجدان العام. إن هذا الاستحضار يتجاوز المظاهر الشكلية البروتوكولية، إلى كونه فعل رمزي عميق يعزز قيم الوفاء والاستمرارية، ويُرسّخ في النفوس معاني الثبات على الأصول، بما يضمن انسجام الأنشطة مع روح الأمة ومرتكزاتها الجامعة.
إن الثبات والصدق والإخلاص جعلوا من محنة شهر غشت المنصرم، وانتقال شيخ الطريقة الراحل الدكتور مولاي جمال الدين إلى جوار ربه، تتحول من حزن على فراق الشيخ وظهور أسباب الشقاق المفتعل، إلى منحة ربانية، أيقظت الهمم وشحذت العزائم، فانقلب العسر يسرًا بحمد الله، ومرت سحابة صيف وولت إلى غير رجعة. وإن المتتبع لأنشطة الطريقة طيلة هذه الفترة، يقف على حقيقة ساطعة، مفادها أن ما أُنجز بتوفيق من الله هو ملتقى عالمي روحي متواصل، ينهل من المدد المحمدي، لم يسبق له مثيل في أنشطة الطريقة في السنوات الماضية، وأظهر الطريقة على حقيقتها الناصعة، ودورها في إحياء القلوب وتزكية النفوس وخدمة الوطن والصالح العام. مما يستوجب من مجلس الطريقة تقديم أسمى عبارات الشكر والعرفان لجميع المنتسبين، رجالًا ونساءً، على ما بذلوه، و ما زالوا يبذلونه من جهود جعلها الله في ميزان حسناتهم.
كما يتقدم المجلس بالشكر الجزيل إلى مختلف السلطات العمومية: الأمن الوطني، الدرك الملكي، القوات المساعدة، الوقاية المدنية، ومصالح وزارة الداخلية، والجماعات المحلية، والقطاعات الحكومية الوصية، وكل جنود الخفاء، الذين أسهموا في إنجاح هذه الأنشطة، فالشكر موصول للجميع.كما نتقدم بالشكر الجزيل لرجال الصحافة والإعلام المهنيين، الذين تحلوا بالجدية ونقل الخبر بأمانة ومصداقية، والمساهمة في تعزيز القيم الوطنية والدينية والحفاظ على الهوية الأصيلة من التحريف أو التدليس،
ونسجل بأسف شديد، ما تم تداوله من مغالطات في بعض صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، التي تسيء للطريقة ورموزها، ويؤكد المجلس على ضرورة صون الطريقة من الأخبار المضللة والتشهير بشيخها وبالشرفاء، وبالمريدين الصادقين، مؤكدا عزمه على توقيف كل هذه المغالطات، وسلك المساطر القانونية اللازمة في هذا الشأن. خصوصا وأن بعض الجهات تجاوزت حدود الأخلاق، ونشرت الأكاذيب والأوهام الخبيثة التي يعرف الجميع زورها، ولذلك نوضح ما يلي:
أولا؛ تسجيل اسم الطريقة بفرنسا: إن تسجيل الاسم كعلامة تجارية بفرنسا هو اجتهاد من مريدي الطريقة هناك، في إطار تنظيم العمل وفق ما تقتضيه قوانين البلد، والهدف منه هو حماية اسم الطريقة من الاستغلال غير المشروع، خصوصًا بعد رصد محاولات لاستعماله في أنشطة غير مأذونة، ولا علاقة لهذا الإجراء القانوني بأي استغلال لاسم الطريقة في أنشطة مشبوهة كما يُروج له.
ثانيا؛ بخصوص معهد الفتح للعلوم الإسلامية والدراسات الصوفية بالزاوية الأم بمذاغ: يجب التأكيد على أنه مشروع علمي وتربوي، الهدف من تشييده هو تدريس العلوم الشرعية والتصوف السني، في إطار تعزيز الهوية الدينية المغربية. ويخضع هذا المشروع القيد الإنشاء لمراقبة تقنية وقانونية من قبل لجنة مختلطة. وتجدر الإشارة إلى أن القاعة الكبرى للمعهد قد تم استغلالها مؤقتا لأداء صلاة الجمعة في إطار استثنائي خلال إعادة بناء مسجد مجاور، قبل أن يعود الوضع إلى طبيعته مع افتتاح المسجد المجاور.
ثالثا؛ بخصوص الاتحاد العالمي للتصوف: إن ما يثار حول هذا الموضوع لا يعدو أن يكون تأويلات مغرضة، إذ لا تأثير له على استقلالية الطريقة ومنهجها، المرتبط بالثوابت الدينية والوطنية للمملكة المغربية وبإمارة المؤمنين الضامنة لها، وقد كان في أوانه وسياقه، تماشيا مع أدوار الدبلوماسية الروحية للطرق الصوفية.
رابعا؛ نسجل بكل أسف، محاولات بعض الجهات المزايدة على مريدي الطريقة، واستنكار افتخارهم واعتزازهم بصور مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، وجعلها في كل إعلانات أنشطتهم، حاضرة في كل محافلهم، وذلك نابع من محبتهم لجلالته نصره الله، ووفائهم وإخلاصهم لملكهم، إسوة بباقي أفراد الشعب المغربي. لذلك نستنكر كل المحاولات الدنيئة التي لا صلة لها لا بالتصوف ولا بالوطنية، ونعبر عن اعتزازنا وافتخارنا بملكنا، وضرورة جعل صور جلالته في كل الزوايا والمرافق التابعة للطريقة.
وختامًا، نؤكد أن مسيرة الخير متواصلة، فالطريقة القادرية البودشيشية، بإشراف شيخها الدكتور مولاي منير، مستمرة في برامجها التربوية حيث شهد الأسبوع المنصرم تنظيم سلسلة من الليالي الروحية المحورية بعدة مدن من جهات المملكة الشريفة، لختم الأذكار والسلك والدعاء بالشفاء ودوام الصحة والعافية وطول العمر لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيّده وحفظ البلاد والعباد.
إن أنشطة الطريقة القادرية البودشيشية تنظم سيرا على نهج التصوف السني المغربي الأصيل، غايتها إشاعة روح التعاون، وقيم الاحترام المتبادل، بعيد عن خطاب الكراهية وتلفيق الافترءات، مترفعةً مقاصدها عن سفاسف الأمور، كما وجب التأكيد على أن غاية مريدي ومريدات الطريقة في كل مبادراتهم وأنشطتهم خدمة الصالح العام وخدمة الوطن وثوابته الوطنية، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيّده.
إذ نؤكد أن التربية الإحسانية العرفانية للطرق الصوفية الأصيلة، يجب أن تحيي في النفوس روح وجوهر التدين المعتدل فهي وسيلة سعادة، لا سبب اضطراب، وعنوان حياة طيبة، تتجاوز المظاهر والتمظهرات، تربية تدعونا إلى استحضار عمق المسؤولية الملقاة على عاتقنا جميعاً في تحقيق مقاصد الدين، بتعاون مع جميع مكونات الوطن، وما يسعى إليه علماء المجلس العلمي الأعلى، في أفق بث الحياة الطيبة التي وعد الله بها عباده المؤمنين، حياة قوامها روح الإيمان التي تحيي القلوب، والعمل الصالح الذي يجعل من العطاء وقاية للنفس من شحها، ووسيلة ترقٍّ في مدارج الإيمان.
إنها تربية روحية وأخلاقية تساهم، في تضافر لمجهودات سائر مكونات المجتمع، في تنشئة شباب هم أمل الغد، وسواعد الوطن في ميادين التنمية والبناء، تدفعهم للبذل والعطاء، يؤدّون أمانتهم تجاه الوطن بإخلاصٍ ونكران ذات ومسؤوليةٍ صادقة، جنودًا أوفياء، مجنّدين خلف صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله،
وفي الختام نرفع أكف الضراعة للعلي القدير أن يحفظ مولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وأن يشد عضده بولي عهده الأمير مولاي الحسن، وبصنوه السعيد الأمير مولاي رشيد، وسائر الأسرة الملكية الشريفة. وأن يحفظ المملكة المغربية الشريفة من كل سوء ومكروه، ويديم عليها نعمة الأمن والأمان. إنه سميع مجيب.




