*الإتحاد الإشتراكي يخسر نفوذه السياسي تدريجيا خصوصا في الأقاليم الجنوبية*

متابعة : سيدي عثمان فتوح
لأكثر من نصف قرن كان الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يعتبر أحد الأقطاب الكبرى في الخريطة السياسية المغربية. اليوم، الصورة مختلفة. الحزب الذي قاد تجربة “التناوب التوافقي” سنة 1998 يواجه تراجعا واضحا في الوزن الانتخابي والتنظيمي، ويبدو هذا التراجع أكثر حدة في الأقاليم الجنوبية التي كانت يوما ما من بين فضاءات نفوذه الرمزي.
أرقام تتحدث: من الصدارة إلى الهامش
في الانتخابات الجماعية والجهوية ل 8 شتنبر 2021، حصل الاتحاد الاشتراكي على 2,415 مقعدا جماعيا و 48 مقعدا جهويا في جهات الصحراء. مقارنة بالأحزاب المتصدرة في نفس الجهات، يظهر الفارق كبيرا: التجمع الوطني للأحرار حصل على 9,995 مقعدا جماعيا و 196 جهويا، وحزب الاستقلال على 5,600 مقعد جماعي و 144 جهويا.
هذا التموقع جعل الحزب في المرتبة الثالثة محليا، بعيدا عن القدرة على قيادة مجالس منتخبة أو التأثير في التوازنات الجهوية.
على المستوى الوطني، وضعية الحزب لم تتغير كثيرا. في الولاية الحالية يتوفر على 35 نائبا برلمانيا و 23 مستشارا، ويسجل ضمن الأحزاب الأقل تضررا من “الترحال السياسي” بحالة استقالة واحدة فقط. لكن البقاء في المعارضة مع ضعف التمثيل الترابي يصعب مهمة العودة.
أسباب التراجع في الجنوب
*أزمة التنظيم وتجديد النخب*
منذ مؤتمره الأخير يعيش الاتحاد تحديات داخلية مرتبطة بإعادة بناء قواعده. في الأقاليم الجنوبية برزت شكاوى من إقصاء الأطر الشابة الصحراوية من دواوين الوزراء ومن التمثيل في الهياكل الوطنية، بل وسجلت حالات إبعاد لمسؤولين جهويين في الشبيبة الاتحادية. وفي سوس حدثت استقالات جماعية سنة 2019 وهجرة 21 عضوا نحو حزب الاستقلال.
*طبيعة اللعبة السياسية المحلية*
الممارسة الحزبية في العيون والداخلة والسمارة تتحرك كثيرا خارج منطق البرامج. يغلب عليها الطابع القبلي والعائلي، حيث يصبح الانتماء الحزبي “غطاء شكليا” لتعزيز النفوذ المحلي. في هذا السياق، تجد الأحزاب ذات الامتداد المالي والتنظيمي الأكبر أفضلية واضحة.
*غياب مشروع جاذب للشباب*
الانتقادات التي وجهت للأحزاب اليسارية طويلا تتعلق بعدم استيعاب جزء مهم من العائدين ومن الأطر المحلية رغم تقاطع المرجعيات. وهذا خلق فراغا استفادت منه تشكيلات أخرى.
محاولات الاستدراك: الرهان على الوحدة الترابية والتنمية
الاتحاد الاشتراكي لم ينسحب من الجنوب. بالعكس، ختم مؤتمراته الإقليمية من مدينة الداخلة، وقدم ذلك كـ “رسالة سياسية قوية” باعتبارها بوابة المغرب نحو إفريقيا ورمز الوحدة الترابية. الكاتب الأول إدريس لشكر أكد خلالها على مصداقية مقترح الحكم الذاتي كحل جاد للنزاع.
في البرلمان، الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية ثمّن الاعتراف الأممي بمغربية الصحراء ودعا إلى “تسريع التنمية والاستثمار في الأقاليم الجنوبية”. النائبة حياة لعرايش ربطت ذلك بالنموذج التنموي الجديد لسنة 2015 ورصد 77 مليار درهم لتأهيل البنيات التحتية ودعم المقاولات المحلية.
كما فتح الحزب نقاشا حول استقطاب العائدين، باعتباره محاولة “لتوسيع القاعدة التنظيمية وضخ دماء جديدة في هياكله” واحتواء جزء من المأزق السياسي الذي يواجهه. هذه المبادرة فتحت أسئلة أكثر مما قدمت أجوبة، لكنها تعكس وعيا بأن ملف العائدين ما يزال ورقة رمزية وسياسية.
ماذا بعد؟
الاتحاد الاشتراكي يستعد للمؤتمر الوطني الثاني عشر والمصادقة على أوراق سياسية واقتصادية واجتماعية لتوجيه عمله في الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026 والجماعية والجهوية لسنة 2027. الرهان معلن: “خوض غمار التغيير الديمقراطي الحقيقي وتجديد المشروع المجتمعي” بما يترجم انتظارات الشباب في الكرامة والتنمية والعدالة المجالية.
لكن الطريق صعب. استعادة النفوذ في الجنوب لن تتم بالخطاب الرمزي وحده. تحتاج إلى:
*هيكلة تنظيمية حقيقية* تمنح الأطر المحلية مكانة في القرار.
*خطاب تنموي ملموس* يربط بين النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية والقضايا اليومية للساكنة.
*قطع مع منطق الزبونية* الذي حول الأحزاب إلى أدوات لتدبير التوازنات القبلية.
تراجع الاتحاد الاشتراكي في الأقاليم الجنوبية ليس حدثا مفاجئا، بل هو نتيجة تراكمات تنظيمية وسياسية واجتماعية. الحزب لا يزال يملك رصيدا تاريخيا وشرعية نضالية، ويحاول توظيف ورقة الوحدة الترابية والتنمية للعودة. لكن المنافسة اليوم أشرس، والناخب الجنوبي أكثر براغماتية.
السؤال الذي سيجيب عنه صندوق 2026 و 2027 هو: هل سينجح الاتحاد في تحويل هذا “الاستدراك” إلى حضور فعلي في الميدان، أم سيستمر التراجع التدريجي ليتحول إلى هامشية دائمة؟




