أتباع أوزين والكاميرا.. حين يعجز البعض عن تحمل الصحافة

ليس مطلوبا من السياسي أن يحب الصحافة، ولا من أنصاره أن يعجبوا بكل ما تنشره المنابر الإعلامية. لكن المطلوب، في دولة المؤسسات والقانون، أن يفهم الجميع أن الصحافي ليس خصما تجوز مواجهته بالقوة، وأن الكاميرا لا تُسكت بالأيدي.
واقعة الاعتداء على الصحافية فاطمة الزهراء رجمي وطاقم «شوف تيفي» بسوق الأحد بواد إفرن تضعنا أمام صورة مقلقة عن الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الخلاف مع الإعلام إلى محاولة لمنعه من أداء عمله.
فالمعطيات المتداولة حول الحادث تتحدث عن تعرض الصحافية للاعتداء والمضايقات والاستيلاء على هاتفها، وتنسب هذه التصرفات إلى أشخاص قُدموا باعتبارهم من أتباع القيادي الحزبي محمد أوزين.
وإذا كانت المسؤوليات الفردية تبقى مما ينبغي أن تحدده الجهات المختصة، فإن السلوك المنسوب إلى هؤلاء يستحق إدانة واضحة لا لبس فيها.
ما الذي يمكن أن يبرر انتزاع هاتف صحافية؟
وما الذي يجعل البعض يعتقد أن قربه من هذا السياسي أو ذاك يمنحه سلطة تقرير ما الذي تصوره الكاميرا وما الذي لا تصوره؟
لا يوجد جواب مقبول.
فالسياسي الذي يختار العمل في الفضاء العام يعرف أنه سيكون موضوع متابعة وانتقاد وأسئلة صحافية، كما أن أنصاره ومحيطه مطالبون باستيعاب الأمر نفسه. ومن لا تعجبه تغطية إعلامية يمكنه الرد عليها، وتفنيدها، وطلب التصحيح، بل واللجوء إلى القضاء عند الاقتضاء. أما مواجهة الصحافي بالترهيب أو العنف فليست جوابا سياسيا ولا إعلاميا.
والأكثر خطورة في واقعة فاطمة الزهراء رجمي أنها تتعلق بصحافية كانت في الميدان تمارس مهنتها. فالاعتداء على صحافية ومحاولة انتزاع أدوات عملها يحملان رسالة تتجاوز شخصها: لا تصوروا ما لا يعجبنا.
وهذه تحديدا هي الرسالة التي يجب رفضها.
لا يمكن القبول بأن يتحول أتباع أي مسؤول سياسي إلى حراس على الكاميرات، ولا أن يصبح الميدان فضاء يقرر فيه الأقوى جسديا ما الذي يصل إلى الرأي العام.
وإذا ثبت أن الأشخاص المتورطين في الاعتداء هم بالفعل من أتباع أوزين أو المحسوبين على محيطه، فإن الأمر يفرض أيضا موقفا واضحا من القيادة السياسية المعنية. فالإدانة الصريحة للعنف ضد الصحافيين ينبغي ألا تخضع للحسابات ولا للخصومات مع المنابر الإعلامية.
اليوم، الاسم هو فاطمة الزهراء رجمي والمنبر هو «شوف تيفي». وغدا قد يكون صحافيا آخر ومنبرا آخر.
ولهذا فإن التضامن معها ليس اصطفافا إلى جانب مؤسسة إعلامية ضد طرف سياسي، وإنما دفاع عن قاعدة بسيطة: الصحافي لا يُضرب لأنه يصور، ولا يُهان لأنه يسأل، ولا يُنتزع هاتفه لأنه يوثق.
كل التضامن مع الصحافية فاطمة الزهراء رجمي ومع زملائها في «شوف تيفي»، وكل الإدانة لأي شخص ثبت تورطه في الاعتداء عليهم.
فالسياسة التي تخشى الكاميرا عليها أن تراجع خطابها، لا أن تحاول إسكات الكاميرا. والصحافة التي تنزل إلى الميدان يجب أن تجد أمامها حقها في العمل والقانون الذي يحميها، لا أيدي من يعتقدون أن القرب من السياسة يمنحهم حق الاعتداء.



