الدرك الملكي: قاطرة التحول نحو “الأمن الشامل” لمواجهة المخاطر المتعددة الأبعاد.

بقلم : البراق شادي عبد السلام
بين إرث تاريخي شُيّد على مبدأ إحترام أعلى معايير الصرامة المهنية، ومستقبل رقمي يقوده ‘الأمن الذكي’؛ يبرز جهاز الدرك الملكي كمهندس لاستراتيجية التأمين الشامل لمونديال 2030 إلى جانب القوى الأمنية الرديفة. في رحلة انتقال من الضبط الميداني التقليدي إلى الريادة التقنية العالمية، تكرس من خلالها المملكة المغربية نموذجا سياديا يضع سلامة الإنسان وجودة التنظيم في قلب التنمية المستدامة و خدمة المصالح العليا للوطن و في هذا السياق إحتضنت العاصمة الرباط يوم الأربعاء 07 يناير 2026، فعاليات الملتقى العلمي الدولي حول موضوع “أمن الفعاليات الرياضية الكبرى: التحديات الأمنية والقانونية في ظل التحولات الرقمية”، في لحظة مهمة تتجاوز حدود النقاش الأكاديمي الصرف لتلامس جوهر معاني السيادة الوطنية والريادة القارية. ويأتي هذا المحفل العلمي، الذي عرف مشاركة واسعة ضمت أزيد من 300 مشارك من 15 دولة، من بينهم وزراء ومسؤولون سامون وخبراء دوليون يمثلون مؤسسات ومنظمات دولية وإقليمية؛ كالاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، والاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف)، ومكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، والمنظمة الدولية للشرطة الجنائية (إنتربول)، والمكتب الأوروبي للشرطة (يوروبول)، ومجلس أوروبا، والاتحاد الإفريقي، فضلًا عن خبراء من تجارب دولية رائدة كمونديال قطر 2022 وأولمبياد باريس 2024؛ ليؤكد أن المملكة المغربية انتقلت من مرحلة استضافة التظاهرات إلى مرحلة صناعة المعايير الأمنية والتنظيمية العالمية.

يمثل هذا الملتقى ترجمة مباشرة للرؤية الملكية المتبصرة التي تضع الأمن في قلب معادلة التنمية، حيث يبرز جهاز الدرك الملكي كقاطرة لهذا التحول، من خلال المزاوجة بين إرثه المهني العريق واعتماده على أحدث تقنيات “الأمن الذكي”. ففي عالم تتشابك فيه التحديات الميدانية مع التعقيدات السيبرانية، تضع المملكة عبر هذا الحوار الدولي خارطة طريق استباقية لتأمين استحقاقات كبرى ككأس أمم إفريقيا 2025 ومونديال 2030، موجهةً رسالة واضحة للعالم مفادها أن المملكة المغربية باتت تشكل اليوم نموذجًا عالميًا للنجاعة الأمنية التي تضمن سلامة الإنسان وتكرس احترافية ومهنية والتزام المؤسسات السيادية بصياغة مقاربة أمنية للتعامل الذكي مع التهديدات والمخاطر المرتقبة.

وعلى هذا الأساس، وفي ظل النجاح المبهر لتنظيم فعاليات مسابقة “الكان” 2025، تتصدر المملكة المغربية المشهد الدولي كمنصة محورية لاحتضان الفعاليات الرياضية الكبرى، محولة جغرافيتها إلى ملتقى عالمي يجمع بين التنافسية والتميز التنظيمي. يستند هذا الطموح الوطني إلى رؤية ملكية سامية تضع الأمن في قلب التنمية، وتؤسس لنموذج مغربي يتجاوز الأطر التقليدية نحو آفاق الريادة الدولية، حيث تبرز في هذا المسار مؤسسة الدرك الملكي كركيزة صلبة، تترجم بصدق ومسؤولية والتزام الرؤية الملكية المتبصرة إلى واقع ملموس يضمن سلامة الإنسان وجودة التنظيم.
يرتكز العمل الميداني لجهاز الدرك الملكي على مقاربة استباقية وقائية، تجعل من التنسيق المؤسساتي مع مختلف الفاعلين في منظومة العدالة ضمانة أساسية لسيادة دولة الحق والقانون. وتدمج المؤسسة وسائل متطورة تشمل المراقبة الجوية والبرية وتقنيات الرصد الرقمي، موظفة الطائرات المسيرة والفرق المتخصصة في المخاطر الكيميائية والبيولوجية لضبط الفضاءات العامة. تمثل هذه الخبرة المتراكمة استجابة ذكية لتعقيدات الجريمة المنظمة والرقمية، وتكريسًا لمفهوم الأمن الشامل في مواجهة التحديات العابرة للحدود.

يشكل تأمين كأس أمم إفريقيا 2025 محطة استراتيجية لاختبار القدرات العملياتية وتأكيد جاهزية المملكة لإنجاح الاستحقاقات الكبرى، حيث تتجه الجهود نحو بناء منظومة أمنية متكاملة تربط بين اليقظة البشرية والتفوق التقني لتوفير بيئة آمنة تليق بسمعة المغرب القارية والدولية. وتظل هذه المنجزات الأمنية قاطرة تعزز الثقة العالمية في المؤسسات السيادية الوطنية، وتفتح الطريق أمام استضافة مونديال 2030 بروح تتسم بالاحترافية العالية والسيادة التقنية.

يتجاوز مفهوم الأمن الرياضي في الفلسفة الأمنية لجهاز الدرك الملكي حدود الضبط الميداني ليشمل السيادة الرقمية كدرع واقٍ في مواجهة الجرائم السيبرانية المعقدة. ويبرز هذا التوجه في اعتماد تقنيات الرصد الرقمي المتقدمة وتحليل البيانات الكبيرة للتنبؤ بالمخاطر وتدبير الحشود بذكاء تقني رفيع. تمثل هذه الوسائل المتطورة، من طائرات مسيرة وأنظمة استشعار، الركيزة الحيوية لمنظومة أمنية متكاملة تضمن انسيابية التظاهرات الكبرى وتحمي الفضاءات الرقمية والفيزيائية على حد سواء، مما يعكس تحولًا جذريًا نحو “الأمن الذكي” الذي يواكب تطلعات المملكة الاستراتيجية. ويشكل الاستثمار في رأس المال البشري وتطوير المهارات التقنية للكوادر الأمنية الضمانة الحقيقية لاستدامة هذه المنجزات، حيث تتقاطع هذه الرؤية مع النقاشات الدولية الراهنة حول دور التكنولوجيا في صياغة مقاربات شاملة ومسؤولة.

تجسد الجاهزية الكاملة والشاملة لتأمين كأس أمم إفريقيا 2025، وبناء خارطة طريق نحو مونديال 2030، إرادة وطنية صلبة لتحويل التحديات الأمنية إلى فرص للتميز الريادي. فالتنسيق الوثيق بين الخبرة الميدانية للدرك الملكي والابتكار التكنولوجي يضع المغرب في طليعة القوى الإقليمية القادرة على إدارة الأحداث العالمية باحترافية استثنائية. ويظل هذا المسار التنموي، المسنود بالتوجيهات الملكية السامية، تأكيدا على أن أمن المملكة وسلامة مواطنيها يمثلان الثابت الاستراتيجي الذي يحرك عجلة الابتكار والريادة في مغرب المستقبل.

تجسد مؤسسة الدرك الملكي نموذجا متطورا في الحكامة الأمنية، حيث استعرض السيد الجنرال إدريس أمجرار رئيس المصلحة المركزية للتفتيش والمراقبة بالدرك الملكي في مداخلته المرجعية في الملتقى العلمي الدولي لأمن الفعاليات الرياضية التراكم المعرفي والخبرات الميدانية التي اكتسبها الجهاز في حماية الأشخاص والممتلكات وصون النظام العام عبر عقود من الالتزام المهني بصون المقدسات وخدمة المصالح العليا للوطن بروح التضحية ونكران الذات و الوفاء و الإخلاص للشعار المقدس الله – الوطن – الملك و قد واكب الجهاز هذه التجربة بتحديث شامل لمنظوماته الوقائية، عبر دمج آليات المراقبة البرية والجوية مع أنظمة الرصد الرقمي والتقنيات التكنولوجية الحديثة، بما يتلاءم مع الخصوصيات الجغرافية والترابية لمناطق نفوذه، وضمان الاستجابة السريعة لمختلف التحديات الأمنية ، حيث أكد السيد الجنرال أنه في سياق تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى، يتبنى الجهاز مقاربة استباقية شاملة تتجاوز حدود الملاعب لتشمل تأمين المطارات، وخفر الوفود، وحماية أماكن الإقامة ومواقع التدريب. كما تولي المؤسسة أهمية قصوى لتدبير تنقلات الحشود الجماهيرية باعتبارها امتدادا للحالة الأمنية العامة، مع الحرص المستمر على تطوير الكفاءات البشرية والتقنية عبر برامج التعاون الوطنية والدولية، لتعزيز القدرات في مجال البحث والتحري ومواجهة الجريمة المنظمة بكل أشكالها.
فالأمن الرياضي في الفلسفة الأمنية لجهاز الدرك الملكي يتعدى في مفهومه الحديث مجرد السيطرة المادية على المداخل والمخارج، لينتقل إلى فضاء “سيكولوجية الحشود” وإدارة الانفعالات الجماهيرية بمرونة وحزم، حيث يعتمد الجهاز في هذا الصدد على وحدات متخصصة في التواصل الميداني والتدخل السريع، قادرة على تفكيك بؤر التوتر بذكاء وضمان انسيابية الحركة داخل المنشآت الرياضية دون المساس بجمالية الاحتفالية. وهذا التوازن الدقيق بين صرامة القانون ومرونة التدبير يمثل جوهر السياسة الأمنية المغربية، التي تسعى لتوفير تجربة آمنة للمشجعين، تحول دون انزلاق الشغف الرياضي نحو الانفلات، وتضمن بقاء التظاهرة ضمن إطار الروح الرياضية والتنافس الشريف.
وفق المقاربة التي يتبناها جهاز الدرك الملكي، معززًا بوحداته البرية والجوية والبحرية، يشكل الأمن الرياضي حلقة وصل مركزية في سلسلة اللوجستيك الدولي، حيث ترتبط سلامة الملاعب بسلامة المسارات، والمطارات، ومناطق المشجعين (Fan Zones). وهنا يبرز دور الدرك الملكي كمهندس لهذا التكامل وحلقة وصل للتواصل والتنسيق الميداني، من خلال بسط الرقابة على المحاور الطرقية الكبرى وتأمين تدفقات الزوار الأجانب والوفود الرسمية بيقظة تامة. فهذا الانتشار الاستراتيجي، بتنسيق مع باقي الأجهزة الأمنية الرديفة، يضمن عدم وجود ثغرات في الحزام الأمني للمملكة، محولًا التراب الوطني إلى منطقة آمنة بالكامل؛ إذ إن هذا الترابط الوثيق بين الأمن الترابي والأمن الرياضي هو ما يمنح المغرب الأفضلية في ملفات الاستضافة الدولية، حيث تصبح المملكة المغربية بأكملها ملعبًا آمنًا، وليس فقط المنشأة الرياضية.
ويضطلع جهاز الدرك الملكي بدور استراتيجي حيوي في تحليل المعطيات الأمنية وتدبير “الذكاء المعلوماتي”، حيث تعمل مراكزه المتطورة بشريًا وتقنيًا على معالجة تدفقات هائلة من البيانات اللحظية المستقاة من الميدان ومنصات الرصد الرقمي. يتيح هذا التحليل الدقيق تحويل الأرقام والمعطيات إلى “رؤية استشرافية” تمكن القادة الميدانيين من اتخاذ قرارات حاسمة بناءً على مؤشرات علمية دقيقة، سواء في تدبير الحشود أو في تحييد المخاطر السيبرانية والميدانية قبل تبلورها. فهذه القدرة التحليلية الفائقة تمنح الجهاز تفوقًا استراتيجيًا في فهم ديناميات الفضاءات الرياضية، وتضمن استجابة فورية تتسم بالدقة والفعالية لضمان انسيابية التظاهرات الرياضية وحماية سلامة المرتفقين.
اليوم، في ظل تنامي التهديدات غير التقليدية والحروب الذكية اللاتماثلية، أصبحت الحكامة الأمنية تتطلب جاهزية قصوى لمواجهة سيناريوهات معقدة، وهو ما تترجمه فرق الدرك الملكي المتخصصة في المخاطر الكيميائية والبيولوجية والنووية (CBRN). إن إدراج هذه التخصصات الدقيقة في خطط تأمين التظاهرات الرياضية يعكس استيعابًا عميقًا للتحولات الأمنية العالمية، ويضع المغرب في مصاف الدول التي تمتلك “مناعة أمنية” شاملة. فالجاهزية القصوى للتعامل مع الطوارئ الكبرى، وتوفير وحدات استجابة سريعة مدربة على أعلى المستويات، يبعث برسائل ثقة للمنظمات الدولية (مثل الفيفا والكاف)، مفادها أن المملكة لا تكتفي بتأمين الحاضر، بل تضع خططا دفاعية صلبة لمواجهة كافة الاحتمالات المستقبلية بذكاء متبصر وهدوء استراتيجي.
وموازاة مع هذا الزخم التقني، تبرز مجموعة الأمن والتدخل للدرك الملكي (GSI-GR) كذراع ضاربة وعنصر حسم في معادلة الردع العملياتي؛ حيث تشكل هذه الوحدات النخبوية، سواء على المستوى المركزي أو من خلال وحداتها الجهوية، صمام الأمان لمواجهة التهديدات عالية الخطورة التي قد تستهدف أمن التظاهرات الكبرى. إن إشراك هذه القوات الخاصة، بتدريباتها المتقدمة على مكافحة الإرهاب وتحرير الرهائن وتدبير الأزمات المعقدة، يمنح المنظومة الأمنية المغربية “درعاً فولاذياً” قادراً على التدخل الجراحي الدقيق في زمن قياسي، مع توليها بمهنية عالية مهام حماية الشخصيات الهامة وخفر الوفود الدولية، لضمان أعلى مستويات السلامة لضيوف المملكة.
ويتكامل هذا الدور النخبوي مع الحضور الوازن لـ الفيالق المتنقلة للدرك الملكي، التي تعتبر العمود الفقري لضبط النظام العام وتأمين المساحات الشاسعة والمحاور الطرقية الكبرى المؤدية للمنشآت الرياضية؛ إذ تساهم هذه الفيالق، بمرونتها العالية وقدرتها على الانتشار السريع، في صياغة طوق أمني متطور يمزج بين السيطرة الميدانية الصارمة وبين انسيابية الحركة الجماهيرية، بما يضمن تحويل كافة الفضاءات المحيطة بالحدث إلى بيئة محصنة تنعم بالسكينة والنظام تحت إشراف قيادة ميدانية تضع التميز التنظيمي والسيادة الأمنية فوق كل اعتبار.
إن جهاز الدرك الملكي، الحامل لتراث عريق من العمل الميداني الفعال في تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى بالمغرب منذ خمسينيات القرن الماضي، مرورا بمشاركته الفاعلة في عهد الجنرال حسني بنسليمان في تأمين الأحداث الرياضية الكبرى كبطولة أفريقيا لألعاب القوى (1979)، وألعاب البحر الأبيض المتوسط (1983)، وكأس أمم أفريقيا لكرة القدم (1988)، والبطولة العربية لألعاب القوى (1981)، وبطولة العالم للعدو الريفي (1998)، والألعاب الفرانكوفونية (1989) ؛ يقوم اليوم بصياغة توجه استراتيجي جديد يقوده الفريق الأول السيد محمد حرمو و باقي الضباط السامون في القيادة العليا للدرك الملكي والقيادات الجهوية والإقليمية و الوحدات المتخصصة ، يزاوج بين الأصالة المهنية والابتكار التكنولوجي والذكاء الأمني و الحكامة المهنية يروم بالأساس العمل على التنزيل الدقيق للرؤية الملكية المستنيرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية وفق المقاربة الأمنية المغربية الشاملة ، فمنذ عقود والجهاز يراكم الخبرات في تدبير الحشود وحماية المنشآت وتأمين الشخصيات الهامة وخفر الوفود، لينتقل اليوم من دور الحماية الميدانية إلى مرتبة المهندس الأمني الذي يقود التحول الرقمي في منظومة الحماية والسلامة. هذا الرصيد التاريخي الحافل بالنجاحات يشكل اليوم الضمانة الأخلاقية والمهنية للتوجه الحالي، حيث تصبح التكنولوجيا امتدادا طبيعيا لليقظة والمسؤولية والالتزام والصرامة المهنية التي طالما ميزت تدخلات الدرك الملكي عبر الأجيال.





