مجتمع

” ليلة القدر: الليلة المباركة، فضائل وفرص”

 

جمعها: د. يوسف الحزيمري

 

اختصت ليلة القدر بخصائص إيمانية وعلامات كونية وردت في النصوص الشرعية، وهي ليلة مباركة فضلها الله على سائر الليالي، وقد شُغل العلماء بذكر تلك الخصائص والفضائل، وكذا علاماتها الكونية، فذكروا لها من الخصائص ما قد يكون كثيراً في العد والحصر.

وليلة القدر قيل في معناها أنها “ليلة الحكم” مأخوذة من التقدير، فتقدر فيها الأشياء؛ أي: يقضي الله تعالى فيها قضاء السنة كلها؛ وهو مصدر من قولهم: قَدَرَ الله عليّ هذا الأمر، فهو يَقْدُر قَدْرا

وقيل: “ليلة العظمة والشرف وعظم الشأن”؛ من قولك: رجل له قدر؛ يقال: قدرت فلانا؛ أي: عظمته؛ قال الله عز وجل: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}»؛ أي: ما عظموه حق تعظيمه، وهذا تأويل الزهري.

وقيل: لأن كل عمل صالح يوجد فيها من المؤمن يكون ذا قدر وقيمة عند الله تعالى؛ لأنه مقبول.

وقيل: سميت بذلك لأن من لم يكن ذا قدر وخطر يصير في هذه الليلة ذا قدر وخطر إذا أحياها.

وقال الخليل بن أحمد: سميت بذلك لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة، من قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ} [الرعد: 26]، وقوله: {وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ} [الطلاق: 7]

• نزول القرآن الكريم فيها: بدأت فيها رحلة نزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. قال تعالى: {إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} [الدخان: 3] وقال المفسرُون: (فِي ‌لَيْلَةٍ ‌مُبَارَكَةٍ) هي ليلة القدر. وقال عز من قائل: {إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ} [القدر: 1] ، قال الزجاج: «نزل القرآن كله إلى السماء الدنيا في ليلة القَدْرِ، ثم نزل به جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة».

• أنها ليلة مباركة: {إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ } [الدخان: 3] قال أبو بكر الطرطوشي: «سماها مُبَارَكَةٍ، وإنما البركة من ‌خصائص ‌ليلة ‌القدر؛ من أنها خير من ألف شهر، فهذا هو الخير والبركة والمغفرة»

قال الماتريدي في التأويلات:«وقوله: (فِي ‌لَيْلَةٍ ‌مُبَارَكَةٍ) هي ليلة القدر، سماها: مباركة، وقد سمى المطر والماء المنزل من السماء مباركا؛ كقوله – تعالى -: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا)، وكذلك الأرزاق المنزلة من السماء والمستخرجة من الأرض مباركة بقوله: (بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)، والمبارك هو الذي عنده يدرك كل الخيرات، والبركة: هي اسم كل خير يكون أبدًا على الزيادة والنماء، فسمى تلك الليلة: مباركة؛ لما جعل فيها من الخيرات والبركات»

وسميت: ‌ليلة ‌مباركة؛ لأنه تنزل فيها البركات والرحمة من اللَّه – تعالى – على خلقه.

أو سميت: مباركة؛ لكثرة ما يعمل فيها من العبادات.

• أنها خير من ألف شهر: {لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ} [القدر: 3] ، فالعمل الصالح فيها، من صلاة وقراءة وقرآن، يعادل في أجره عبادة أكثر من ثلاثة وثمانون عاماً وأربعة أشهر، فيستحب إحياؤها، وكثرة الدعاء فيها بما ورد عاماً، قال مقاتل: «العمل فيها خير من العمل في ألف شهر فيما سواها ليس فيها ليلة القدر».

• تنزل الملائكة والروح فيها: {تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ} [القدر: 4]، قال أبو هريرة: الملائكة ليلة القدر في الأرض أكثر من عدد الحصا. ينزل فيها جبريل عليه السلام (الروح) مع الملائكة بالرحمة والبركة.

وفي حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كانت ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلُّون ويسلِّمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز وجل.»

• أنها ليلة الأمن والسلام: {سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ}[القدر: 5]، فهي ليلة خالية من الشرور والأذى، ويسودها السلام حتى مطلع الفجر.

قال ابن القيم رحمه الله: سَلامٌ هِيَ أي: ليلة القدر سلام.

وفي معنى السلام قولان: أحدهما: أنه لا يحدث فيها داءٌ ولا يُرسَل فيها شيطان، قاله مجاهد.

والثاني: أن معنى السلام: الخير والبركة، قاله قتادة. وكان بعض العلماء يقول: الوقف على «سلام» على معنى تنزَّل الملائكة بالسلام.

• أن فيها مغفرة الذنوب: من قامها إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». متفق عليه.

قال الإمام النووي رحمه الله: «وَقِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِمَنْ وَافَقَهَا وَعَرَفَهَا سَبَبٌ لِلْغُفْرَانِ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ غَيْرَهَا»

قال ابن العربي: «وإن قام الشّهر كله فقد نالها، وأن اتَّفقَ أنّ يقوم منه ليلة فصادفها فقد نَالَها.»

وقال “التستري”: ليلة القدر قدرت فيها الرحمة على عباده.

• أن فيها كتابة الأقدار: قال تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}؛ وقال: {مِّن كُلِّ أَمۡرٖ} [القدر: 4]، أي يفصل ويبرم، يُقدّر فيها الله تعالى مقادير الخلائق وآجالهم وأرزاقهم للعام القادم.

عن مجاهد: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} ‌في ‌ليلة ‌القدر. كل شيء يكون إلى السنة، إلا الموت والحياة والشقاوة والسعادة، فقد فرغ من الأمر، يفرق فيها المعاش والمصائب والأمور كلها.» وعنه أيضا: يقضى ‌في ‌ليلة ‌القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدّم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء فأما كتاب السعادة والشقاء فهو ثابت لا يغير»

وختامًا، ليلة القدر هي ليلة عظيمة مباركة، وهي فرصة للمسلمين ليتقربوا إلى الله تعالى بالعبادة والطاعة، ويغتنموا فضلها في مغفرة الذنوب، فلنكن من أهلها، ولنحرص على إحيائها بالعبادة والطاعة، ولنطلب من الله تعالى أن يجعلنا من المقبولين فيها، وأن يغفر لنا ذنوبنا ويكتبنا من السعداء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى