حين تغيب الحكومة، خريبكة ترفع صوتها: أين الوزراء؟ ولماذا أصبح الأمل معلقا على زيارة ملكية؟

محمد حليلو – خريبكة
في الوقت الذي تتسابق فيه زيارات المسؤولين إلى عدد من الأقاليم المغربية، يطرح سؤال ثقيل نفسه بإلحاح: لماذا تحولت خريبكة إلى محطة غائبة في أجندة الوزراء؟ وكيف يعقل أن إقليما بحجم وتاريخ خريبكة، بكل ما يمثله من ثقل اقتصادي ورمزية وطنية، لا يحظى حتى بزيارات بروتوكولية، فما بالك بتتبع ميداني حقيقي لمشاكله المتراكمة؟
خريبكة، التي تحتضن تظاهرات ذات إشعاع دولي مثل المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة ومهرجان عبيدات الرما، لم تستطع أن تجذب معها حضورا وزاريا يوازي قيمة هذه التظاهرات. المفارقة الصادمة أن بعض هذه المهرجانات ينظم تحت إشراف قطاعات حكومية، ومع ذلك يغيب وزراؤها عن الميدان، في مشهد يثير أكثر من علامة استفهام حول جدية المواكبة الرسمية.
الأمر لا يقف عند حدود الثقافة. فغياب وزير الصحة عن زيارة المستشفى الإقليمي الحسن الثاني بخريبكة، رغم ما يثار حوله من تحديات واختلالات، يعكس فجوة واضحة بين المركز والهامش. كيف يمكن الحديث عن إصلاح المنظومة الصحية دون الوقوف على أوضاع مستشفيات الأقاليم؟ وكيف تبنى السياسات العمومية دون معاينة الواقع عن قرب؟
أما في ما يتعلق بالمشاريع الكبرى، فالصورة أكثر قتامة. لا حضور رسمي عند انطلاق مشاريع استراتيجية كتحلية مياه البحر، ولا مواكبة لمشاريع الطاقات المتجددة، وعلى رأسها المزرعة الشمسية بخريبكة، التي كان من المفروض أن تشكل رافعة تنموية حقيقية. الغياب هنا لا يقرأ فقط كإهمال بروتوكولي، بل كمؤشر على ضعف الالتقائية بين المشاريع الوطنية وانتظارات الساكنة المحلية.
وفي ظل هذا الغياب، تتفاقم الأزمات اليومية: انقطاعات متكررة للماء الصالح للشرب، بنية تحتية تحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة، وغياب فضاءات الترفيه التي تليق بمدينة من هذا الحجم. أما القطاع الرياضي، فلا يزال يفتقر إلى مركب كبير يواكب طموحات الشباب، في وقت تصرف فيه استثمارات ضخمة في مدن أخرى.
الأخطر من ذلك كله، هو ما يتسلل بصمت إلى وجدان شباب الإقليم: فقدان الأمل. حين تتحول الهجرة إلى “خطة حياة” بدل أن تكون خيارا، فذلك يعني أن السياسات العمومية لم تنجح في خلق البدائل. شباب خريبكة اليوم لا يبحث عن الرفاه، بل عن فرصة، عن أفق، عن سبب للبقاء.
وفي خضم هذا الصمت الرسمي، بدأ صوت آخر يرتفع داخل الشارع الخريبكي: مطالب متزايدة بزيارة ملكية، أملا في لفت الانتباه إلى واقع الإقليم وإعطاء دفعة حقيقية لمشاريعه المتعثرة. هذا المطلب، في حد ذاته، يعكس حجم الإحباط الذي بلغه المواطن، حين لم يعد يرى في القنوات الحكومية المعتادة وسيلة كافية لإيصال صوته.
إن استمرار هذا التجاهل يطرح سؤال العدالة المجالية بحدة: هل خريبكة خارج خريطة الأولويات الحكومية؟ أم أن صوتها لا يصل إلى مراكز القرار؟ في كلتا الحالتين، الوضع لم يعد يحتمل مزيداً من الصمت.
خريبكة لا تحتاج إلى زيارات استعراضية، بل إلى حضور فعلي، إلى قرارات جريئة، وإلى إرادة سياسية تعيد لهذا الإقليم مكانته التي يستحقها. فالتنمية لا تقاس بالشعارات، بل بما يشعر به المواطن في تفاصيل حياته اليومية. وفي خريبكة، التفاصيل تحكي قصة إهمال لم يعد خافيا على أحد.



