مجتمع

حوض المياه العادمة بالرحمة . بؤرة بيئية سوداء تهدد حياة الساكنة بين الحق الدستوري والواقع الميداني

 

متابعة  : الهادي بكور

 

 

يعيش سكان الرحمة 2 والمناطق المجاورة بإقليم النواصر، جهة الدار البيضاء سطات، على وقع مخاوف متصاعدة بسبب حوض المياه العادمة بالرحمة، الذي تحول إلى بؤرة سوداء تهدد صحة الساكنة وسلامتهم البيئية، وسط تساؤلات متزايدة حول الجهة التي تتحمل مسؤولية استمرار هذا الوضع.

 

الحوض، الذي لا تتوفر فيه شروط المعالجة البيئية السليمة، يستقبل المياه العادمة بشكل مباشر، ما يؤدي إلى انبعاث روائح كريهة وانتشار كثيف للحشرات والبعوض، إضافة إلى طيور تتكاثر في مثل هذه الأوساط الملوثة، وهو ما يجعل العيش بجواره معاناة يومية حقيقية بالنسبة للساكنة.

 

ولم يعد الضرر مقتصرا على محيط الحوض فقط، بل امتد إلى مناطق مجاورة تبعد عدة كيلومترات عن الرحمة 2، حيث يؤكد السكان أن الروائح والحشرات أصبحت جزءا من حياتهم اليومية، في ظل تخوفات متزايدة من ظهور أمراض ومضاعفات صحية مرتبطة بالتلوث البيئي.

 

كما تفاقم الوضع بسبب انتشار الكلاب الضالة بمحيط الحوض، وهو ما يضاعف المخاطر الصحية والأمنية، خاصة بالنسبة للأطفال والنساء الذين يستعملون المسالك المحاذية له بشكل يومي.

 

وتزداد حدة المعاناة بالنظر إلى الموقع الذي يوجد فيه الحوض، وسط تجمعات سكنية ذات كثافة مرتفعة بمنطقة ماهر، بالقرب من إقامة الناور وإقامة منزه الرحمة وإقامة الأمل. وتؤكد الساكنة أن الوضع يصبح أكثر صعوبة خلال فصل الصيف، حيث تشتد الروائح وتتحول النوافذ المغلقة إلى الوسيلة الوحيدة لتفادي الهواء الملوث.

 

والمثير للاستغراب أن هذه البؤرة البيئية توجد بمحاذاة فضاء القرب التابع للمديرية الجهوية لوزارة التربية الوطنية بجهة الدار البيضاء سطات، والمديرية الإقليمية لعمالتي عين الشق الحي الحسني وإقليم النواصر، وهو فضاء مخصص لممارسة الرياضة والأنشطة الشبابية، غير أن قربه من الحوض جعله فضاء يعاني بدوره من التلوث والروائح الكريهة.

 

ولا يقف الأمر عند حدود الفضاءات الرياضية، بل يشمل أيضا المؤسسات التعليمية ومراكز التكوين المهني المجاورة، ما يجعل آلاف التلاميذ والطلبة والمتدربين في تماس يومي مع هذه البؤرة، وسط تساؤلات حول تأثير ذلك على صحتهم الجسدية والنفسية وعلى ظروف التحصيل والتكوين.

 

وفي مقابل هذا الوضع، تؤكد الساكنة أنها تقدمت بعدة شكايات إلى الجهات المختصة، بما فيها عمالة إقليم النواصر، مطالبة بتدخل عاجل لوضع حد لمعاناتها، غير أن الوضع ما يزال قائما دون حلول ملموسة على أرض الواقع.

 

ويطرح هذا الملف أيضا مسؤولية المنتخبين والجماعة الترابية، خاصة أن القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات يمنح للمجلس الجماعي اختصاصات واضحة في مجال الوقاية الصحية ومحاربة التلوث، كما يخول لرئيس الجماعة، بصفته ضابطا للشرطة الإدارية، صلاحيات اتخاذ التدابير الضرورية لحماية الصحة والسلامة العمومية.

 

ويؤكد الإطار القانوني المغربي بشكل صريح حق المواطنين في بيئة سليمة، إذ ينص الفصل 31 من دستور 2011 على مسؤولية الدولة والمؤسسات العمومية في تعبئة الوسائل الكفيلة بضمان هذا الحق. كما يمنع القانون 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة كل أشكال التلوث التي تمس بصحة الإنسان أو تضر بالوسط البيئي.

 

من جهته، يفرض القانون 12.03 المتعلق بدراسات التأثير على البيئة إخضاع المنشآت ذات الأثر البيئي لتقييم مسبق، مع اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة، فيما يمنع القانون 28.00 المتعلق بتدبير النفايات كل أشكال التخزين أو التصريف غير المراقب للنفايات السائلة والصلبة لما لذلك من آثار خطيرة على الماء والتربة والهواء.

 

ويرى فاعلون جمعويون وحقوقيون أن هذا الملف يكشف اختلالا واضحا في التوازن بين التوسع العمراني السريع الذي تعرفه مدينة الرحمة ومتطلبات السلامة البيئية، معتبرين أن البنية التحتية البيئية لم تواكب النمو الديمغرافي والعمراني الذي تعرفه المنطقة.

 

ويطالب هؤلاء بتدخل عاجل ومسؤول، يقوم على حلول تقنية ومستدامة، من بينها إعادة تهيئة الحوض وفق المعايير البيئية المعتمدة، أو تغطيته بتقنيات حديثة تحد من انبعاث الروائح، أو نقله بشكل نهائي إلى خارج التجمعات السكنية، بعد إنجاز دراسة شاملة للتأثير البيئي والصحي.

 

ويبقى السؤال المطروح بإلحاح إذا كان الدستور والقانون يضمنان الحق في بيئة سليمة، فلماذا يستمر حوض المياه العادمة بالرحمة كبؤرة سوداء وسط الأحياء السكنية والمؤسسات التعليمية وفضاءات القرب؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الوضع بين الجهات الوصية والمنتخبين والمؤسسات المعنية، في ظل شكايات متكررة ومطالب متواصلة من الساكنة بالتدخل العاجل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى