مجتمع

مع انطلاق المونديال… هل ما زال البعض ينتظر الإشارة؟

 

بقلم : الدكتور جمال العزيز

 

مع انطلاق منافسات المونديال، تدخل شعوب العالم في شهر استثنائي من الشغف والإثارة والأحلام الجماعية. تتوحد المشاعر حول المستطيل الأخضر، وتتحول المباريات إلى لحظات نادرة يتقاسم فيها الملايين الأمل والرغبة في الإنتصار. والمغرب، كغيره من الدول الشغوفة بكرة القدم، يعيش هذه الأجواء بكل تفاصيلها، حيث تنشغل المقاهي والبيوت ومنصات التواصل الإجتماعي بمتابعة النتائج وتحليل الأداء وانتظار المفاجآت.

 

غير أن خلف هذا المشهد الرياضي، تتحرك في العمق ،تحديات تتعلق بمستقبل السياسة ومكانة النخب وطبيعة المرحلة المقبلة. فبينما ينشغل المواطنون بالمونديال، بدأت بعض الأوساط السياسية تعيش على إيقاع مختلف، عنوانه انتظار ما قد تحمله الأيام القادمة من مؤشرات أو إشارات يعتقد البعض أنها قد تحدد اتجاه الرياح السياسية المقبلة.

 

والمثير للإنتباه أن جزءا من الفاعلين ما زالوا يعتقدون أن النجاح السياسي مرتبط بقدرتهم على قراءة الإشارات أكثر من ارتباطه بقدرتهم على قراءة المجتمع. فهناك من يترقب، وهناك من يراقب، وهناك من يمني النفس بإشارة من هنا أو هناك ليغير موقعه أو يبدل تموقعه أو يرتدي جلبابا سياسيا جديدا يعتقد أنه أكثر ملاءمة للمرحلة المقبلة. وكأن السياسة مجرد لعبة مواقع، وكأن الناخب المغربي لم يعد يميز بين القناعة و التلون.

 

إن المغرب الذي نعيشه اليوم ليس هو مغرب الأمس، والمغرب الذي يتشكل أمامنا لن يكون هو مغرب اليوم. لقد دخلت المملكة مرحلة جديدة عنوانها المشاريع الكبرى، والرؤية الإستراتيجية بعيدة المدى، والإستثمار في المستقبل. فالدولة تبدو اليوم أكثر تركيزا على تنزيل الأوراش الكبرى، وتعزيز مكانة المملكة إقليميا ودوليا، وترسيخ أسس الدولة الإجتماعية، وتأمين الأمن المائي والغذائي والطاقي، وتوسيع دائرة الشراكات الإستراتيجية، والإستعداد لمونديال 2030 باعتباره فرصة تاريخية لإعادة تموقع المغرب ضمن القوى الصاعدة.

 

في هذا السياق، يصبح انتظار الإشارات نوعا من سوء فهم المرحلة؛ لأن الدولة منشغلة بصناعة شروط النجاح الجماعي للمغرب، وأصبح الرهان الحقيقي مرتبط بمعرفة من يمتلك القدرة على مواكبة التحولات الجيوسياسية والإقتصادية العالمية.

 

لقد تغير المغاربة، أصبحوا واعين وأكثر قدرة على الوصول إلى المعلومة، وأكثر حساسية تجاه الخطابات الجوفاء. المواطن يبحث عن الصدقية، وعن الكفاءة، وعن الرؤية، وعن الأثر. ولذلك فإن من يعتقد أن تغيير اللون السياسي أو الإنتقال من موقع إلى آخر، قد يكتشف أن المجتمع سبق الجميع إلى مرحلة جديدة من الوعي السياسي.

 

إن الإنتخابات المقبلة تبرز منافسة بين رؤى متعددة. رؤية الترقب ورؤية التبخيس ورؤية أخرى تؤمن بأن السياسة الحقيقية تبدأ من المبادرة والإنجاز و التواصل الأفقي مع المواطنين بجميع فئاتهم. فالشباب اليوم ينتظرون مكانتهم داخل اقتصاد المستقبل. والنساء يبحثن عن المشاركة الفعلية في صناعة القرار. والطبقة المتوسطة تبحث عن الأمان الإقتصادي والإجتماعي .

إن المغرب يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لبناء تعاقد سياسي جديد يقوم على الثقة والكفاءة والنتائج. تعاقد يجعل من المواطن شريكا حقيقيا في صناعة القرار، ومن الشباب قوة اقتراحية، ومن الإبتكار والاقتصاد الرقمي والإستدامة محاور أساسية في البرامج السياسية. كما يجعل من التظاهرات القارية والدولية مشاريع وطنية للتنمية.

 

وعندما تنتهي مباريات المونديال ويبدأ الإستجمام بفصل الصيف ،يصبح الزمن السياسي لهيبا حارا على حالمي المواقع “وغادي ضربوهم تلفة جبروت.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى