مجتمع

إجتماعات مدريد: نضج الرؤية الملكية في تكريس السيادة المغربية و تبديد أوهام الانفصال

 

بقلم : البراق شادي عبد السلام

 

” المغرب ليس لديه أي عقدة، لا في التفاوض المباشر، ولا عن طريق الوساطة الأممية مع أي كان. ولكن يجب التأكيد هنا، على أن سيادة المغرب، على كامل أراضيه ثابتة، وغير قابلة للتصرف أو المساومة ؛ غير أن اختيار المغرب للتعاون، مع جميع الأطراف، بصدق وحسن نية، لا ينبغي فهمه على أنه ضعف، أو اتخاذه كدافع لطلب المزيد من التنازلات ، فمبادرة الحكم الذاتي، هي أقصى ما يمكن أن يقدمه المغرب، في إطار التفاوض، من أجل إيجاد حل نهائي، لهذا النزاع الإقليمي. ” الخطاب الملكي السامي 6 نونبر 2014 .

 

بهذه الكلمات حدد قائد الأمة جلالة الملك محمد السادس مسار الحل السياسي للنزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية قبل إثني عشر سنة في رؤية إستشرافية متبصرة ترتكز على مبادئ راسخة في وضوح الرؤية و ثبات الموقف ، حيث تجسد اجتماعات مدريد اليوم الترجمة الميدانية لهذه الرؤية الملكية، حين تلتقي الإرادة الدولية مع الثوابت المغربية في إطار القرار الأممي 2797. إذ يقدم هذا القرار التفسير القانوني والسياسي الوحيد لمسار التسوية، عبر حصر الحل في إطار التفاوض الجاد حول مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وبناء على هذا المعطى، تشكل إجتماعات مدريد منصة لتكريس الواقعية السياسية، مما يجعل من المقترح المغربي محطة الوصول النهائية التي تحظى بدعم القوى الكبرى والقانون الدولي و القرارات الأممية.حيث أن هذا التناغم بين الرؤية الملكية المستنيرة و منطوق القرارات الأممية والتحركات الدبلوماسية الأخيرة لأصدقائنا الأمريكيين في مدريد ينهي حقبة التأويلات المغرضة و التسويف الممنهج ، ويضع باقي الأطراف و المجتمع الدولي أمام حقيقة ثابتة واضحة راسخة تجعل من الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية المخرج الوحيد والمستدام لهذا النزاع الإقليمي .

 

و على هذا الأساس تقود الولايات المتحدة الأمريكية اجتماعات مدريد بصفتها الضامن الدولي لتنفيذ القرار 2797، حيث تعمل على تحويل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية من مقترح سياسي إلى وثيقة تقنية نهائية للتفاوض. حيث يرتكز التحرك الأمريكي على الاعتراف الثابت بسيادة المغرب على كامل الأقاليم الجنوبية من الحدود الموريتانية شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا و السيادة المغربية من طنجة إلى الݣويرة، مما يجعل دور واشنطن في هذه اللقاءات يتركز حول ممارسة ضغط واقعي على بقية الأطراف للقبول بالأمر الواقع وتجاوز طروحات الماضي. وبناء على هذا التوجه، تسعى الإدارة الأمريكية إلى إغلاق هذا الملف بصفة نهائية عبر وضع خارطة طريق واضحة تجعل من الحكم الذاتي المسار الوحيد والمقبول دوليا، معتبرة أن استقرار المنطقة يمر بالضرورة عبر تكريس الموقف المغربي.

 

حيث يتجاوز هذا الدعم مجرد التأييد السياسي ليصبح قوة دفع إجرائية تهدف إلى تصفية النزاع الإقليمي المفتعل وفق رؤية شاملة. تجلى هذا بوضوح في اجتماعات مدريد من خلال تقديم المغرب لوثيقة مفصلة، تشرح بدقة آليات ممارسة الحكم الذاتي، وهي الوثيقة التي اعتمدتها واشنطن كأرضية وحيدة للنقاش السياسي. حيث يضع هذا الانتقال من “إدارة الأزمة” إلى “مواكبة التنفيذ” جميع الأطراف، خاصة الجزائر والبوليساريو، أمام خيار واحد يتمثل في الانخراط الجاد في هذا المسار الأممي الجديد. حيث أن تلازم الرعاية الأمريكية مع مخرجات القرار 2797 ينهي زمن المناورات، ويؤكد أن السيادة المغربية فوق ترابها الوطني أصبحت الركيزة الأساسية لبناء منظومة الأمن والسلم المستدام في شمال إفريقيا والساحل.

 

في نفس السياق طرحت المملكة المغربية خلال اجتماعات مدريد مقاربة إجرائية شاملة قوامها مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بصفتها الإطار التعاقدي الوحيد لإنهاء النزاع الإقليمي. ويستمد هذا الطرح مشروعيته من المرجعية القانونية التي كرسها القرار الأممي 2797 ، والذي نقل الملف من حيز النظريات المتجاوزة إلى فضاء الواقعية السياسية والتوافق الدولي. حيث تتضمن الرؤية المغربية آليات مؤسساتية دقيقة لتفعيل الحكم الذاتي في ظل السيادة الوطنية الكاملة، مما ينسجم مع معايير القانون الدولي المتعلقة بمفهوم “تقرير المصير ” عبر صيغ الاندماج السياسي الكامل المقرون بالفعل الديمقراطي لا عبر خدمة الأجندات التقسيمية و المخططات التوسعية الأقليمية. وبناء على هذا المسار، تضع الدبلوماسية المغربية من خلال ممارسة ديبلوماسية رصينة المجتمع الدولي أمام استحقاق تاريخي لتكريس المبادرة المغربية كمرتكز وحيد للتسوية الشاملة، معتبرة أن مخرجات اجتماعات مدريد تمثل نقطة إنطلاق لأجل بلوغ محطة الوصول النهائية المتمثلة في حكم ذاتي تحت السيادة المغربية. لأن هذا التوصيف القانوني للنزاع الإقليمي ، والمدعوم بالقرار 2797، يغلق باب التأويلات ويؤكد أن الحل المستدام يمر حتما عبر الاعتراف بالواقع الميداني والسياسي الذي تضمنه المبادرة المغربية.

 

وتشارك الجزائر في اجتماعات مدريد تحت ضغط المقتضيات القانونية التي فرضها القرار الاممي 2797، والذي يكرس وضعها كطرف اساسي ومباشر في النزاع الاقليمي. حيث يصطدم الخطاب الجزائري التقليدي بالتحول الجوهري في عقيدة مجلس الامن، فقد تجاوزت المقاربات الدولية الاخيرة منطق الاستفتاء نحو تكريس الحل السياسي الواقعي والمستدام. وبناء على هذا السياق، تواجه الدبلوماسية الجزائرية عزلة اقليمية متزايدة نتيجة تبدل مواقف القوى الفاعلة التي باتت ترى في المبادرة المغربية صمام امان للمنطقة. وتتفاقم هذه العزلة في ظل تحديات داخلية اقتصادية واجتماعية ملحة تدفع صانع القرار للبحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه ويخفف حدة الاستنزاف الناتج عن استمرارية النزاع المفتعل. وتزيد الضبابية التي تطبع علاقات الجزائر مع محيطها الاقليمي من ارتباك موقفها، مما يجعل مشاركتها في مدريد محاولة لتدبير انحسار اطروحتها امام الزخم السيادي المغربي المتصاعد. حيث يفرض الواقع الدولي الجديد على الجزائر مواجهة حقيقة تآكل خياراتها السياسية، فقد اصبح التمسك بالشعارات القديمة يشكل عبئا ديبلوماسيا يستنزف رصيدها في المحافل الدولية. وتضع الزامية الانخراط في مسار الموائد المستديرة الجزائر امام حتمية مراجعة جذرية لمواقفها، خاصة مع الاجماع الدولي الذي يعتبر الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية المحطة النهائية والوحيدة لضمان الامن الاقليمي وتجاوز حالة الشلل التي تسببت فيها الرهانات الانفصالية المتجاوزة.

 

في نفس السياق من المنتظر أن تكون المواقف الموريتانية في اجتماعات مدريد مبنية على مقاربات براغماتية تتناغم مع مقتضيات القرار الاممي 2797 في إطار حيادها الإيجابي الفاعل، حيث من المؤمل أن تسعى نواكشوط الى تعزيز دورها كفاعل اقليمي يؤمن بالاستقرار و الأمن الإقليمي كأولوية قصوى. حيث يجب ان يرتكز الموقف الموريتاني على دعم جهود الامم المتحدة الرامية الى ايجاد حل سياسي نهائي ينهي حالة الجمود، معتبرة ان امن حدودها الشمالية وانسيابية روابطها التجارية مع المغرب يشكلان عمودا فقريا لاقتصادها الوطني. وبناء على هذا التوجه، تبتعد الدبلوماسية الموريتانية عن المواقف الرمادية لتنخرط في مسار الواقعية السياسية الذي يفرضه التوافق الدولي حول مبادرة الحكم الذاتي. وتجد موريتانيا في المبادرة الملكية الاطلسية لدول الساحل ومسلسل الرباط للدول الافريقية الاطلسية فضاء استراتيجيا يحقق طموحاتها في التنمية والاندماج القاري. حيث سيؤدي هذا الانخراط الموريتاني الواضح الى عزل الاطروحات الانفصالية ديبلوماسيا، مع تحويل منطقة التماس الحدودية بين المملكة المغربية و موريتانيا الى قطب نمو يربط اوروبا بالعمق الافريقي. ويسهم هذا التحول في ترسيخ دعائم الامن المشترك، مما يجعل من استكمال انبوب الغاز المغربي النيجيري وتحقيق التكامل الطاقي و الربط الطرقي السريع واقعا قريبا يعود بالنفع على شعوب المنطقة. ويؤكد هذا المسار ان سيادة المغرب على صحرائه تمثل الركيزة الاساسية والوحيدة لازدهار الفضاء الاطلسي الافريقي وتجاوز ارث النزاع المفتعل بتداعياته المؤلمة على شعوب المنطقة .

 

تواجه جبهة البوليساريو في اجتماعات مدريد حالة من الانحصار السياسي والشرعي نتيجة التحولات الجذرية التي فرضها القرار الاممي 2797. ويصطدم الخطاب الانفصالي التقليدي بجدار الواقعية الدولية، حيث اصبحت مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الاطار الوحيد المقبول للتداول فوق طاولة المفاوضات. وبناء على هذا المعطى، تعيش قيادة الميليشيا حالة من التيه الايدولوجي والسياسي بعد انكشاف زيف شعاراتها وتآكل اطروحتها امام الزخم السيادي المغربي. ويتزامن هذا التخبط مع فشل ذريع في تطوير اي موقف عسكري ميداني قادر على فرض شروط او تغيير موازين القوى، مما جعل من لغة التصعيد مجرد صدى لمناورات فاشلة لا تجد لها مكانا في الحسابات الدولية الدقيقة. ويؤدي هذا العجز الى تفاقم الوضعية المأساوية التي يعيشها المحتجزون في المخيمات، والذين باتوا يواجهون مستقبلا غامضا في ظل اصرار القيادة على استثمار معاناتهم لخدمة اجندات اقليمية منتهية الصلاحية. فاستمرار التمسك بالحلول غير القابلة للتطبيق يشكل عائقا امام السلم الاقليمي، وهو ما يفسر الضغوط الدولية الممارسة في مدريد لدفع الجبهة نحو الانخراط في تنزيل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كخيار نهائي . ويؤكد هذا السياق ان زمن المناورات قد انتهى، وان الطريق نحو المستقبل يمر حتما عبر الاعتراف بالسيادة المغربية كضمانة وحيدة للاستقرار والازدهار في المنطقة.

 

في حين يتحرك المبعوث الشخصي للامين العام للامم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، في اجتماعات مدريد ضمن الولاية المحددة بوضوح في القرار الاممي 2797، حيث يسعى الى تفعيل آلية الموائد المستديرة كإطار وحيد للمسار السياسي. حيث يرتكز دور الوساطة الاممية حاليا على ترجمة مفهوم الواقعية والتوافق الى خطوات اجرائية، مما يجعله يبتعد عن الحلول غير القابلة للتطبيق التي استبعدها مجلس الامن بوضوح. وبناء على هذا السياق، يركز دي ميستورا على استثمار الزخم الدولي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي، معتبرا اياها القاعدة الصلبة التي يمكن من خلالها بناء تسوية نهائية لهذا النزاع الاقليمي. ويظهر جليا ان الحسم الامريكي بخصوص مغربية الصحراء اصبح يحدد بوضوح مسارات تحرك الوسيط الاممي، حيث توفر واشنطن المظلة السياسية والضمانات الدولية التي تحول مجهودات دي ميستورا من مجرد مساع حميدة الى خارطة طريق للتنفيذ. ويتجاوز دور الوسيط الاممي في هذه المرحلة مجرد تقريب وجهات النظر ليصبح مهندسا لعملية الانتقال نحو الحل الدائم، مستندا الى لغة القرار 2797 التي تنبذ الجمود وتدعو الى الانخراط الجاد. ويفرض هذا التوجه الاممي، المسنود بالقوة الدبلوماسية الامريكية، على الاطراف الاخرى مواجهة الحقيقة السياسية التي تضع السيادة المغربية كمرتكز ثابت لاي حل، مما يجعل من دور الوساطة في مدريد ميسرا تقنيا لتنزيل الرؤية الدولية الرامية الى اغلاق هذا الملف وفق معايير الامن والاستقرار الاقليمي ، حيث أن هذا التحول في مقاربة دي ميستورا يعكس قناعة اممية بأن الوقت حان لتجاوز المقاربات الرمادية والاعتراف بالمبادرة المغربية كافق وحيد يضمن حقوق الجميع تحت سقف السيادة الوطنية.

 

تؤكد المعطيات السياسية والميدانية التي تبلورت في اجتماعات مدريد ان قضية الصحراء المغربية تعيش فصولها الاخيرة، بعد عقود من الصراع المرير والتضحيات الجسام التي قدمها الشعب المغربي والعرش العلوي المجيد. وتجسد هذه اللحظة التاريخية نتاج تلاحم مقدس بين العرش والشعب، حيث يظل العرش العلوي المعبر الاول والاخير عن تطلعات الامة و نضالاتها التاريخية لأجل الوحدة، مجسدا في قول جلالة الملك محمد السادس نصره الله : “فالصحراء ليست قضية الصحراويين وحدهم. الصحراء قضية كل المغاربة […] الصحراء قضية وجود وليست مسألة حدود” إنتهى الإقتباس. وبناء على هذا المسار، يمثل الانتقال الى مرحلة التنزيل السياسي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية اعلانا رسميا عن نهاية حقبة النزاع المفتعل، وانتصارا لمنطق الحق التاريخي والشرعية الدولية التي كرستها القرارات الأممية.

 

إن هذا الانتصار الدبلوماسي و السياسي يستمد قوته من اليقين الصميمي للمغرب، ملكا وشعبا، بعدالة قضيته الوطنية، وهو اليقين الذي شكل المحرك الاساس للصمود امام المناورات المتجاوزة و المؤامرات العابرة للحدود طوال خمسين سنة من هذا النزاع. ويضع تلازم الحسم الدبلوماسي مع الرؤية الملكية المتبصرة المنطقة امام حتمية عهد جديد، ينهي محاولات تقسيم المغرب و تبديد مقدراته ويفتح آفاق البناء والتكامل الاقتصادي العابر للقارات. ويظل هذا الثبات المغربي، المسنود بالاجماع الدولي الصريح على السيادة المغربية من طنجة الى الكويرة، الضمانة الوحيدة لتحويل الفضاء الاطلسي والافريقي الى قطب امني مستقر. وبذلك، يسجل التاريخ ان ارادة المملكة المغربية الشريفة نجحت في تحويل قضيته الوجودية إلى واقع سيادي معترف به و غير قابل للمساومة، مؤكدة ان مستقبل الصحراء المغربية قد حسم بشكل نهائي كجزء أصيل من كيان المملكة المغربية الشريفة المتتمدة في التاريخ و الزمان و المكان، بمباركة قوى السلام العالمية التي رأت في المبادرة المغربية الجادة المخرج القانوني والسياسي الوحيد والمستدام .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى