مجتمع

فيضانات المغرب، بين الكارثة الطبيعية ومهرجان موازين وبناء الملاعب الرياضية

متابعة : عبد الوفي العلام

 

بعد الفيضانات الأخيرة بالقصر الكبير ومع بلوغ سد وادي المخازن الذي يعتبر سادس أكبر السدود في المغرب مستويات قياسية تجاوزت 160% في بعض التقارير الرسمية، أصبح تصريف المياه التلقائي عبر مفرغ الحمولات بمعدل يصل إلى 635 متر مكعب في الثانية السبب المباشر في تفاقم السيول في وادي اللوكوس، الذي يمر عبر المدينة.

ورغم أن المصادر الرسمية أكدت أن السد في وضعية سليمة ولا يوجد به خطر الانهيار، إلا أن التصريف الضروري للمياه لتجنب تجاوز الحدود القصوى أدى إلى غمر أحياء منخفضة في القصر الكبير، وإجلاء واسع النطاق بلغ أكثر من 150 ألف شخص في المناطق المتضررة شمالاً.

لكن هل هذه الكارثة مجرد حادث طبيعي عابر؟ بالتأكيد الجواب لا، لأن ظاهرة “توحل السدود”، التي تؤدي إلى تراكم الرواسب والطمي في قيعان الخزانات، تحولت إلى تهديد متزايد للأمن المائي في المغرب.

فوفق إحصائيات وزارة التجهيز والماء، فإن المغرب يفقد  سنوياً نحو 50 مليون متر مكعب من سعة التخزين بسبب التوحل، الناتج عن التعرية، وتدهور الغطاء النباتي، والاستغلال العشوائي للأراضي.

بعض السدود فقدت ما بين 12% و20% من سعتها الأصلية، مما يقلل من قدرتها على استيعاب ذروة الجريان خلال الأمطار الغزيرة، ويزيد من مخاطر الفيضانات السريعة.

فتكلفة عمليات إزالة التوحل تبلغ نحو 70 درهماً للمتر المكعب، بإجمالي سنوي يقدر بحوالي 700 مليون درهم أي 70 مليار سنتيم. ومع ذلك، يرى مراقبون متخصصون أن هذه التكلفة متواضعة مقارنة بميزانية الدولة لعام 2026 التي بلغت 712.55 مليار درهم.

في المقابل، خُصِّصت ميزانيات كبيرة لفعاليات ثقافية، مثل 2.5 مليار درهم لـ70 مهرجاناً، أو ارتفاع ميزانية مهرجان موازين وحده إلى 15 مليون درهم في بعض السنوات.

وهناك تقارير وتحليلات غير رسمية تشير إلى أن التكلفة الإجمالية لبناء الملاعب بحلول 2030 قد تصل إلى 120 مليار درهم أو أكثر، تشمل ملاعب ومراكز تدريب وبنية تحتية مرتبطة بهذه الملاعب.

من جانب آخر وُجَّهت أصابع الاتهام في هذه الكارثة للحكومة والسلطات المحلية تتجلى في غياب حكامة رشيدة في تدبير السدود، وضَعف الصيانة الوقائية، وتخطيط عمراني عشوائي في المناطق المنخفضة.

ناهيك عن الفساد المالي واختلاس المال العام، وهنا تكفي الإشارة إلى فضائحَ كبرى مثل اختلاس 115 مليار درهم من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، والتي كان يمكن أن تمول برامج صيانة البنية التحتية، وتحديث أنظمة الإنذار المبكر، وحماية المدن من الكوارث.

ختاما يمكن القول أن هذه الفيضانات هي، بمثابة جرس إنذار صارخ، للإهتمام بالسدود وصيانتها وتطويرها، لحماية السكان من الجفاف والفيضانات، والتي تحولت بسبب الإهمال التراكمي وسوء التدبير إلى مصدر تهديد وجودي لبعض المدن المغربية.

يتطلب الأمر اليوم استراتيجية استباقية شاملة في صيانة دورية للسدود، ومكافحة التوحل بتقنيات حديثة، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام نحو الحماية الحقيقية، وتفعيل محاسبة صارمة لاستعادة الثقة في المؤسسات. فالتنمية لا تبنى بالخطابات السياسية، بل بالإجراءات الفعلية على الأرض لحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم قبل بناء الملاعب وإقامة المهرجانات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى