مجتمع

الدولة الاجتماعية: من التنصيص الدستوري إلى التفعيل العملي.

 

محمد أيوب حربيلي: باحث في القانون الدستوري

 

تُعد الدولة الاجتماعية مفهوما متأصلا في الدراسات الدستورية والسياسية المعاصرة، يقوم على الاعتراف بأن الدولة لا تقتصر وظيفتها على صون الأمن وتنظيم السلطة، بل تمتد لتشمل الكفالة الفعلية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لمواطنيها، إن هذه الحقوق تختلف عن الحقوق المدنية والسياسية في كونها تستوجب تدخلا إيجابيا من الدولة من خلال سياسات عمومية مستدامة وموارد مالية كافية، وقد سلك المغرب في السنوات الأخيرة مسار توطيد أسس الدولة الاجتماعية، انطلاقا من تكريسها دستوريا في وثيقة 2011، وصولا إلى ترجمتها في مشاريع إصلاحية هيكلية.

وفي هذا الإطار أرسى دستور المملكة المغربية الصادر في فاتح يوليوز 2011 منظومة متكاملة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، جعلها في صلب المشروع المجتمعي للدولة، إذ نصّت ديباجته صراحة على مواصلة المغرب إرساء دعائم مجتمع متضامن يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة، وامتدادا لهذا التأسيس جاء الفصل 31 من الدستور مفصلا للحقوق الاجتماعية الواجب العمل على توفيرها، حيث نص على أن تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية علي تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنين والمواطنات، على قدم المساواة، من الحق في العلاج والعناية الصحية، والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتعليم العصري الميسّر الولوج والجيد، فضلا عن السكن اللائق، إن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تتسم بالتدرج، أي أن تفعيلها يسير وفق ما تتيحه الطاقة الاقتصادية للدولة.

بالرجوع إلى الخطب الملكية السامية نجدها تحرص على تلازم تحقيق التنمية الاقتصادية بالنهوض بالمجال الاجتماعي، وتحسين ظروف عيش المواطنين، وفي هذا السياق تمت الدعوة لتعميم التغطية الاجتماعية لجميع المغاربة وهو مشروع وطني كبير وغير مسبوق، ويرتكز هذا المشروع على أربعة مكونات أساسية يُفضي كل منها إلى تكريس بُعد من أبعاد الدولة الاجتماعية:

أولا: تعميم التغطية الصحية الاجبارية، في أجل أقصاه نهاية 2022، لصالح 22 مليون مستفيد إضافي، من التأمين الأساسي على المرض، سواء ما يتعلق بمصاريف التطبيب والدواء، أو الاستشفاء والعلاج.

ثانيا: تعميم التعويضات العائلية، لتشمل ما يقارب سبعة ملايين طفل في سن الدراسة، تستفيد منها ثلاثة ملايين أسرة.

ثالثا: توسيع الانخراط في نظام التقاعد، لحوالي خمسة ملايين من المغاربة، الذين يمارسون عملا، ولا يستفيدون من معاش

رابعا: تعميم الاستفادة من التأمين على التعويض على فقدان الشغل، بالنسبة للمغاربة الذين يتوفرون على عمل قار.

وتتقاطع هذه المكونات الأربعة مع ركائز السياسة الاجتماعية القائمة على تعميم الحماية الاجتماعية بوصفها حقا مكتسبا، وتوفير رعاية صحية جيدة تصون كرامة الإنسان، وبناء مدرسة عمومية منصفة.

غير أن تفعيل هذه الأوراش الاجتماعية الكبرى يُثير في الآن ذاته إشكالية جوهرية تتعلق بالتوفيق بين الطموح الاجتماعي واستدامة المالية العمومية، ذلك أن تفعيل الحقوق الاجتماعية وإن كان التزاما دستوريا راسخا، فإنه يستلزم بالضرورة هوامش مالية كافية وموارد مُعبَّأة بصفة مستدامة، مما يجعل نجاح الأوراش الإصلاحية رهينا بالحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية.

ولمواجهة هذا الرهان، يستوجب تمويل مشاريع الدولة الاجتماعية اعتماد مجموعة من الإصلاحات الهيكلية القادرة على توفير موارد إضافية مستدامة، تشمل الإصلاح الضريبي الرامي إلى توسيع الوعاء الضريبي وتحسين جودة الاستخلاص، وإصلاح منظومة الدعم بالانتقال من الدعم العام غير المستهدَف إلى الدعم المباشر للأسر المستحقة، فضلا عن ترشيد النفقات العمومية وتوجيه الفائض نحو البرامج الاجتماعية ذات الأثر المباشر.

إن المغرب قطع أشواطا مهمة في مسار بناء الدولة الاجتماعية، انطلاقا من تكريس دستوري متين في الفصل 31 ومقتضيات الديباجة، مرورا بأوراش إصلاحية طموحة على رأسها مشروع تعميم الحماية الاجتماعية، ويبقى النجاح في هذا المسار منوطا بالتكامل بين الإرادة السياسية والقدرة التدبيرية، إذ أن الدولة الاجتماعية تُبنى بالسياسات العمومية الفعالة والموارد المعبأة بصفة مستدامة، وتحويل الحقوق من التزام دستوري إلى واقع ملموس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى