مجتمع

تحرك أميركي لإدراج بوليساريو في قوائم الإرهاب: الأبعاد الجيوسياسية وانعكاساتها الإقليمية

 

بقلم : البراق شادي عبد السلام

 

يؤسس مشروع قانون تصنيف ميليشيا البوليساريو منظمة إرهابية لعام 2026 لمرحلة جديدة في عقيدة الأمن القومي الأمريكي تجاه شمال إفريقيا. ويأتي هذا التحرك التشريعي بقيادة السيناتور الجمهوري تيد كروز، العضو البارز في لجنة العلاقات الخارجية وصاحب الرؤية المتشددة تجاه التمدد الإيراني عبر أذرعه الإقليمية، وبدعم من السيناتور توم كوتون، الخبير الاستراتيجي في شؤون الأمن القومي والقوات المسلحة، والسيناتور ريك سكوت، المدافع عن مصالح الأمن القومي في المحيط الأطلسي. وتستند هذه المبادرة إلى تقارير استخباراتية ترصد تغلغل الأذرع الإيرانية في المنطقة عبر تزويد الميليشيا بتقنيات الطائرات المسيرة وتدريبات عسكرية متقدمة بإشراف من الحرس الثوري وحزب الله. وبناء على هذه المعطيات، يسعى المشروع لفرض واقع قانوني ملزم لوزارة الخارجية على نقل الملف إلى قوائم الإرهاب الدولي، مع ما يترتب على ذلك من عقوبات مالية وحظر سفر مشدد يطال قيادات التنظيم ويستهدف تجفيف منابع الدعم المرتبط بالأجندة الإيرانية الإقليمية .

 

إضافة إلى ذلك، تتقاطع هذه المبادرة في جوهرها مع مشروع قانون مماثل طُرح في مجلس النواب منذ يونيو 2025 من قبل النائب الجمهوري جو ويلسون (عضو لجنة الشؤون الخارجية ولجنة القوات المسلحة)، والنائب الديمقراطي جيمي بانيتا (عضو لجنة القوات المسلحة)، وهو المشروع الذي يشهد زخما متصاعدا بانضمام النائب الجمهوري دون بيكون (عضو لجنة القوات المسلحة) مؤخرا؛ وبهذا الانضمام ارتفع عدد الموقعين إلى تسعة نواب من كلا الحزبين، مما يعكس تحالفا تشريعيا صلبا يضم أسماء وازنة مثل ماريو دياز بالارت (رئيس لجنة المخصصات الفرعية للعمليات الخارجية)، وجيفرسون فان درو (عضو لجنة الشؤون الخارجية ولجنة القضاء)، وراندي ويبر (عضو لجنة الشؤون الخارجية ولجنة العلوم والفضاء)، ولانس غودين (عضو لجنة القضاء ولجنة الرقابة والمساءلة)، وبات هاريغان (عضو لجنة القوات المسلحة)، إضافة إلى زاك نان (عضو لجنة الخدمات المالية). فهذا التوسع في قاعدة التأييد يجسد وجود توافق استراتيجي عابر للأحزاب الأمريكية حيال ضرورة تبديل التصنيف القانوني والسياسي لـ ميليشيا البوليساريو؛ وانطلاقا من هذا التوافق الثنائي، تشترك المسودتان في التحذير من تحول مخيمات تندوف إلى بؤرة نفوذ للقوى المعادية للمصالح الأمريكية، وهو ما دفع المشرعين إلى مطالبة الإدارة الأمريكية بتقديم تقارير دورية تقيس بدقة مدى تأثير الأنشطة العسكرية لـ الميليشيا الإرهابية على استقرار الحلفاء التقليديين في المنطقة.

 

تأسيسا على ما سبق، تجسد هذه الدينامية التشريعية المتسارعة تكريسا لواقع إقليمي جديد، يستمد شرعيته من الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه وتنامي الشراكة الاستراتيجية النوعية بين الرباط وواشنطن، وهي الشراكة التي بلغت ذروتها في التعاون العسكري الوثيق ومناورات الأسد الأفريقي الكبرى. ونتيجة لهذا التحول، لم يعد ملف الصحراء مجرد نزاع حدودي تقليدي، بل صار قضية مركزية في منظومة الأمن القومي الأمريكي ومكافحة التغلغل الإيراني؛ الأمر الذي يعزز مكانة المملكة المغربية كحليف عسكري أساسي خارج الناتو، وكركيزة لا غنى عنها في صياغة التوازنات الأمنية ومواجهة التهديدات الهجينة من قبل الميليشيات المسلحة في القارة الإفريقية.

 

و يؤكد مشروع القانون تقنيا على مبدأ الربط العضوي بالوكلاء، حيث يسعى لنقل ميليشيا البوليساريو من خانة النزاعات السياسية إلى قوائم الإرهاب الدولي عبر إثبات تورطها في تحالفات ميدانية مع الحرس الثوري الإيراني. وتتجاوز مفاعيل هذا التشريع مجرد فرض العقوبات المالية وتجميد الأصول، لتصل إلى إرساء نظام رقابة صارم يمنع تحويل المساعدات الإنسانية لأغراض عسكرية، مما يؤدي بالضرورة إلى تجفيف منابع التمويل الدولي للجبهة ورفع الغطاء السياسي عنها. وبذلك، يعمل القانون كأداة ضغط استراتيجية تهدف إلى عزل الميليشيا دوليا وقوننة دعم مبادرة الحكم الذاتي كخيار وحيد يضمن الاستقرار الإقليمي ويقطع الطريق أمام الطموحات الإيرانية في شمال أفريقيا.

 

ويرتكز مشروع القانون على استراتيجية التطويق المزدوج عبر دمج تصنيفي منظمة إرهابية أجنبية (FTO) و كيان إرهابي عالمي مصنف بشكل خاص (SDGT)، وهو ذات المسار القانوني الصارم الذي سلكته واشنطن لتحجيم كيانات مثل حزب الله اللبناني وميليشيا الحوثي. وتكمن قوة هذا الارتطام القانوني في التكامل بين المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية، التي تنزع الشرعية الدولية وتجرم أي شكل من أشكال الدعم المادي للميليشيا —على غرار ما تم تطبيقه تاريخيا ضد تنظيم القاعدة— وبين الأمر التنفيذي رقم 13224 الذي يشل الحركة المالية عبر تجميد الأصول ومنع المعاملات. وتتجلى فاعلية هذا المسار في سوابق شهيرة مثل استهداف شركة قاسم رميتي وشركاه للصرافة التي امتدت شبكتها من لبنان إلى غرب إفريقيا وأوروبا. هذا التوصيف القانوني المزدوج يهدف إلى تحويل أي تعامل مع الميليشيا إلى مخاطرة عالية تضع البنوك الجزائرية والمؤسسات المالية الإقليمية تحت مجهر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)؛ إذ إن أي تسهيل لتحويلات مالية أو توفير غطاء بنكي لأنشطة الميليشيا سيؤدي تلقائيا إلى عزل هذه المصارف عن نظام سويفت العالمي وحرمانها من التعامل بالدولار. وبذلك، يتحول التشريع إلى أداة ضغط استراتيجية تجبر النظام المصرفي في المنطقة على الامتثال الصارم للضوابط الأمريكية، مما يؤدي فعليا إلى خنق الميليشيا وعزلها كليا عن الدورة الاقتصادية الدولية.

 

وتكتسب هذه الدينامية صبغتها الاستراتيجية من خلال تفعيل مقتضيات قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات (CAATSA)، الذي استخدمته واشنطن بصرامة ضد الحرس الثوري الإيراني وفروعه، وضد ميليشيا عصائب أهل الحق وحركة النجباء في العراق بسبب علاقتهم الوثيقة بفيلق القدس. وبموجب هذا الربط، يصبح تورط إيران في تزويد الميليشيا بالمسيرات أو التدريب دليلا يوجب تفعيل العقوبات التلقائية بموجب المادة 105 من قانون كاتسا، مما يحصن الواقع الإقليمي الذي كرسه الاعتراف بمغربية الصحراء. إن هذا التحول يضع الميليشيا في ذات الكفة مع الوكلاء الإقليميين لإيران، ويعزز محورية الشراكة العسكرية مع المملكة المغربية كضمانة للأمن القومي وفق مقتضيات قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA).

 

أما بخصوص المسار التشريعي المرتقب، فمن المتوقع أن يمر مشروع القانون عبر سلسلة من المحطات الإجرائية الحاسمة؛ تبدأ بمناقشات تفصيلية داخل لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ لإقرار النسخة الأولية، تليها مرحلة التنسيق مع مجلس النواب لتوحيد الرؤى حول القيود المالية وبند الربط الإيراني. وبمجرد نضوج المسودة، سيتم عرضها للتصويت العام في كلا المجلسين، حيث يلعب التوافق الحزبي دور المحرك لتمرير القانون بأغلبية مريحة، مما يحصنه ضد أي فيتو رئاسي محتمل. وفي مرحلة الحسم، يدرج نص القانون غالبا ضمن حزمة قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA) أو قوانين مخصصات وزارة الخارجية، مما يمنحه صفة النفاذ الإلزامي التي تجبر الإدارة الأمريكية على تفعيل التصنيفات في جداول زمنية محددة.

 

في نفس السياق يكتسب هذا التشريع فاعلية استثنائية بالنظر إلى وضعية المملكة المغربية كحليف أساسي خارج الناتو ؛ إذ يكرس القانون الأمريكي هذا الوضع كإطار ملزم لحماية مصالح الأمن القومي للحلفاء الاستراتيجيين ضد التهديدات غير المتماثلة التي تمثلها الميليشيات المسلحة والفاعلون من غير الدول. وانطلاقا من هذه الأرضية القانونية، يتجاوز مشروع القانون كونه أداة للعقوبات، ليصبح جزءا من منظومة دفاعية وتنسيق استخباراتي عالي المستوى يهدف إلى تحصين المنطقة ضد حروب الوكالة، وضمان التفوق الاستراتيجي للحليف المغربي في مواجهة مساعي التغلغل الإيراني؛ الأمر الذي يعيد صياغة مفهوم الردع المشترك في منطقة شمال إفريقيا والمحيط الأطلسي وفق مقتضيات قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA).

 

على ضوء ما سبق يتوافق هذا القانون بشكل عضوي مع جهود المملكة المغربية لتحصين الاستقرار والأمن الإقليمي عبر مدخل التنمية الشاملة؛ إذ يوفر التشريع الأمريكي إطارا سياسيا يدعم المبادرات التنموية المغربية في إفريقيا، والتي يمكن اعتبارها دفتر تحملات إقليمي تقدمه الرباط لمختلف العواصم من أجل الانخراط في ازدهار القارة. وتظهر المبادرات الملكية الرائدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله ،مثل المشروع الهيكلي لأنبوب الغاز الإفريقي – الأطلسي الذي يخدم أكثر من 400 مليون إفريقي، ومسلسل الرباط للدول الإفريقية الأطلسية، جدية وإرادة المملكة في خدمة القضايا الإفريقية من منطلق تضامني صادق. كما تشكل المبادرة الملكية لتسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي رافعة للإندماج القاري، حيث ستتحول الصحراء المغربية بموجب هذا الدعم القانوني والسياسي إلى جسر لوجيستيكي وعملاق تنموي يخدم مصالح شعوب الدول الإفريقية الحبيسة، ويمنح اقتصاديات المنطقة فرصة واعدة لتحقيق التكامل الاقتصادي وقطع الطريق أمام الجماعات الانفصالية وعصابات العنف والتمرد من خلال خلق بدائل تنموية مستدامة تسحب البساط من تحت أطروحات عدم الاستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى