أخبار وطنية

ما وراء مضيق هرمز : كيف يخطط مجتبى خامنئي لنشر الفوضى العابرة للقارات؟

 

بقلم : البراق شادي عبد السلام

 

يكتسي رصد التحولات العميقة في الخطاب السياسي الإيراني أهمية قصوى لفهم مآلات الصراع في المنطقة، خاصة مع بروز فاعلين جدد يعيدون صياغة قواعد الاشتباك بعد تحييد اكثر من تسعين بالمئة من قيادات الصف الأول و الثاني في مركز قيادة النظام. ومن هذا المنطلق، يشكل نص الرسالة اليتيمة المنسوبة لمجتبى خامنئي تحولا بنيويا في العقيدة العسكرية التي يتبناها نظام الولي الفقيه، عبر نقل الرهان من الصمود الاستراتيجي داخل الدوائر الحيوية التقليدية متمثلة في

المراكز المحصنة للنظام داخل إيران و أدواته الإقليمية في العواصم الأربع ( بغداد – دمشق – بيروت – صنعاء )

إلى مرحلة التخطيط الممنهج للفوضى. وهنا يظهر الحديث عن فتح الجبهات المبتكرة كإعلان عن ميلاد استراتيجية مواجهة الأمريكان في مجالات عابرة للقارات ، حيث تسعى طهران لاستغلال المناطق الرمادية والثغرات الأمنية في الجغرافيا الدولية لضرب مصالح أعداءها ، مع محاولة تحويل أدوات الابتكار التكنولوجي إلى وسائل لتقويض الاستقرار العابر للحدود، في سبيل ضمان استمرارية نفوذ إمبراطورية الشر في طهران التي تقتات على تصدير الأزمات و حالات اللايقين .

 

ويضع هذا التوجه الراديكالي الذي يبشر به المرشد الجديد المجتمع الدولي أمام مقاربة إيرانية تعتمد الاستنزاف غير المتماثل كأداة لفرض الهيمنة الإقليمية؛ وهي مقاربة تتجاوز التهديدات التقليدية في مضيق هرمز لتستهدف مفاصل حيوية في عمق المجالات التي يفتقر فيها الخصوم لخبرات المواجهة الهجينة. وقد تجلى هذا المسار في الرسالة الأولى المنسوبة لمجتبى خامنئي والتي بثها إعلام النظام الرسمي كتمهيد لشرعنة حضوره، قبل أن ينتقل الخطاب إلى مرحلة أكثر دموية في رسالته الثانية التي أطل بها بعد مقتل علي لاريجاني، الرسالة الأولى حملت وعيدا صريحا بفتح جبهات قتال مبتكرة في مناطق رخوة جغرافيا وأمنيا يصعب ضبطها وفق الحسابات العسكرية المعتادة. إن هذا التطور الدراماتيكي يوسع دائرة التهديد لتشمل فضاءات بعيدة عن بؤر الصراع التقليدية التي يديرها الحرس الثوري، محولا الجغرافيا الدولية إلى ساحة استنزاف مفتوحة تخدم أجندة البقاء والسيطرة المطلقة.

 

ويتجسد هذا التغلغل الدولي حسب تقارير أمنية دولية عبر تحريك وحدات عملياتية ونوعية فائقة السرية تابعة لـ فيلق القدس؛ حيث تبرز الوحدة 400 بقيادة حامد عبد اللهي لتنفيذ العمليات السوداء والاغتيالات العالمية، توازيها الوحدة 840 بقيادة يزدان مير التي تتولى التخطيط ضد الأهداف الغربية في أوروبا وسوريا. ولضمان ديمومة هذا النشاط، تعمل الوحدة 190 بقيادة بهنام شهرياري كشريان حياة لوجستي لتهريب السلاح، مدعومة بالمختبر الفني لـ الوحدة 340 المسؤول عن نقل تكنولوجيا المسيرات والصواريخ للوكلاء، بينما تضطلع الوحدة 1500 بمهام مكافحة التجسس وتوفير الغطاء المالي في مناطق بعيدة مثل أمريكا اللاتينية ، وتتوزع هذه الهيكلية جغرافيا لتشمل أقاليم بعيدة نظريا؛ إذ تنشط الوحدة 121 (فيلق أفريقيا) في شرق القارة ومنطقة الساحل، بينما تتوغل الوحدة 110 في شرق آسيا والمحيط الهادئ لبناء شراكات استخباراتية والالتفاف على العقوبات. ويتم هذا الانتشار بالتوازي مع الوحدات الإقليمية الكلاسيكية مثل الوحدة 2000 (لبنان)، ووحدة فلسطين، وفيلق رمضان (العراق)، وفيلق الأنصار (أفغانستان وباكستان).

 

وعلى صعيد الأمن القومي القاري الإفريقي، تشكل هذه الوحدات الخاصة تهديدا مباشرا للمصالح التنموية والمشاريع الكبرى المهيكلة في إفريقيا، حيث تسعى طهران عبر أذرعها التقنية واللوجستية إلى تقويض استدامة الأوراش السيادية الكبرى (كأنابيب الغاز العابرة، والموانئ الاستراتيجية، وممرات الطاقة) من خلال خلق بؤر توتر دائمة في “المناطق الرخوة”. فإستهداف هذه المفاصل التنموية يرمي إلى جعل القارة الأفريقية رهينة لابتزاز جيوسياسي، عبر تعطيل تدفق الاستثمارات الدولية وتحويل الجغرافيا الإفريقية من فضاء للنمو والاندفاع نحو السيادة الاقتصادية إلى ساحات للنزاع المستدام تخدم أجندة البقاء التي يخطط لها نظام الولي الفقيه في طهران .

 

ويتفاقم هذا الخطر عند رصد تقاطع أجندات هذه الوحدات مع طموحات الجهات الفاعلة غير الحكومية والحركات الانفصالية في الساحل الإفريقي، حيث يجد المشروع التخريبي الإيراني صدىً لدى القوى الساعية لزعزعة الاستقرار الإقليمي لخدمة الأجندات الميليشاوية. من خلال توظيف الخبرات التكنولوجية لـ الوحدة 340 في تدريب هؤلاء الفاعلين على استخدام المسيرات و أنظمة الصواريخ بهدف خلق بيئة هجينة تضعف هيبة الدول الوطنية وتفتح المجال أمام “الميليشيات الوظيفية” لفرض الأمر الواقع؛ مما يحيل طموحات التنمية القارية إلى ضحية لمقايضات أمنية تديرها طهران من خلف الستار لإحياء أوهام التمدد الصفوي على حساب استقرار الشعوب الإفريقية.

 

هي بنية سياسية تحت حكم الملالي لا تستطيع العيش في مناخات الاستقرار، بل تعتمد على استدامة التوتر كأداة وحيدة لإثبات الحضور، حيث توظف هذه الوحدات كأحجار شطرنج لتنفيذ مآربها دون كلفة مباشرة، مما يحول مشروع الولي الفقيه إلى غطاء لتوسيع خرائط الدمار. ويبرز حصر التحرك ضمن الدوائر الحيوية التقليدية، حيث يروج النظام لمفهوم وحدة الساحات عبر الوكلاء الإقليميين، كقيود يسعى لتجاوزها بعدما باتت تحت المجهر الاستخباراتي، كما أن تجارب حرب المضائق السابقة التي أثبتت حدود القوة التقليدية حيث يحاول الخطاب الجديد القفز فوق الجغرافيا المحروقة باتجاه مساحات غير مرصودة تضمن للنظام البقاء خارج دائرة الاستهداف المباشر.

 

ويُمثّل الإرث العملياتي لعماد مغنية وزير دفاع ميليشيا حزب الله و المهندس الاستراتيجي لحروب الظل ومؤسس المدرسة العملياتية الهجينة التي تعتبر المرجعية الأخطر التي يستند إليها الحرس الثوري اليوم في هندسة ‘الجبهات المبتكرة’. ففي التسعينيات، نجح مغنية في نقل الصراع إلى قلب أمريكا اللاتينية عبر تفجيري السفارة الإسرائيلية ومركز ‘آميا’، محولاً منطقة المثلث الحدودي (بين الأرجنتين والبرازيل وباراغواي) إلى ‘مختبر للخراب’ ومستودع لوجستي للتمويل الرمادي عبر تحالفات بنيوية مع شبكات الجريمة المنظمة. هذا النموذج الذي ارتكز على استغلال ‘الفراغ السيادي’ لتوفير الحصانة للخلايا النائمة، هو العقدة ذاتها التي تعمل أذرع الحرس الثوري، متمثلة في الوحدة 121 (فيلق أفريقيا) والوحدة 190 وحدة النقل اللوجستي ، على استنساخها اليوم في المثلثات الحدودية الإفريقية بالساحل الإفريقي وشرق القارة. فمن خلال استغلال الهشاشة الحدودية وتدفقات التجارة غير المشروعة في مناطق مثل (مالي – الجزائر -النيجر-بوركينا فاسو)، تسعى طهران لبناء ‘ثقوب سوداء’ لوجستية تضمن اختراق النسيج الأمني للدول الوطنية كمخيميات تندوف في الجزائر التي تشكل القاعدة الرئيسية لانتشار ميليشيا بوليساريو الإرهابية، بهدف رهن المشاريع التنموية القارية والممرات الاستراتيجية لأجندة إمبراطورية مجتبى. فهذا الانتقال من ‘الإرهاب العملياتي’ في أمريكا اللاتينية إلى التخريب السيادي العابر للقارات في إفريقيا، يهدف إلى تحويل الجغرافيا من فضاء للنمو الاقتصادي إلى ساحات استنزاف وجبهات مبتكرة تخدم طموحات مجتبى خامنئي في الخروج من المأزق الجيوسياسي الذي يعاني منه و العمل على التوسع والهيمنة بعيدا عن الرصد الدولي المباشر.

 

تُشكل المواجهة المحتدمة في رمال الخليج ومضائقه الاستراتيجية حلقة مفصلية ضمن صراع عالمي تقوده قوى الاستقرار ضد “محور الشر” المتمثل في النظام الإيراني وأذرعه الدموية. حيث يتجاوز هذا الصراع الأطر الجغرافية التقليدية، ليمتد إلى كل فضاء تحاول فيه طهران تصدير أزماتها الهيكلية عبر استهداف الملاحة الدولية ورهن مستقبل الشعوب لسياسات “الفوضى المنظمة “، حيث يفرض الواقع الجيوسياسي حقيقة مفادها أن الخطر الإيراني يتجاوز بمراحل إمكانيات التنظيمات الإرهابية التقليدية؛ فإذا كان العالم قد استنفر طاقاته لهزيمة تنظيمات مثل “داعش” و “القاعدة”رغم إمكانياتها الميدانية المحدودة، فإن التهديد الذي تمثله “دولة إيران” اليوم يعد أخطر لكونه يجمع بين عقيدة التطرف ومقدرات الدولة السيادية و إنتشار ميداني عابر للقارات، وهو ما يحوّل التهديد من مجرد عمليات معزولة إلى استراتيجية استنزاف شاملة تستغل الموارد السيادية لتمويل التخريب. وأمام هذا التحدي الوجودي، لم يعد من المقبول الاكتفاء بسياسات الاحتواء السلبي، بل بات من الملح إرساء قواعد اشتباك جديدة تتضمن ترسيم مناطق عزل بحرية وجوية صارمة داخل إيران تمتد لمسافة 150 كيلومترا عن خطوط الساحل الإيراني في الخليج، مع تخويل تحالف دولي لهزيمة نظام الولي الفقيه سلطة المراقبة والردع الفوري لأي خرق، ضمانا لأمن الممرات المائية الدولية.

 

كما تبرز الضرورة الاستراتيجية لتفعيل مقررات القرار الأممي 2718 ووضعها تحت طائلة “الفصل السابع” من ميثاق الأمم المتحدة. حيث إن الانتقال إلى مربع العمل الدولي القسري يمثل المسار الوحيد لقطع شرايين الدعم اللوجستي والمالي عن الميليشيات الوظيفية، وتفكيك بنية التمويل الرمادي، وتحصين الأوراش التنموية الكبرى من مخاطر الابتزاز، وفرض معادلة “الأمن في خدمة التنمية” كركيزة أساسية لوأد أطماع التمدد وحماية استقرار الشعوب. إن المعركة اليوم ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي معركة لفرض إرادة القانون على منطق الميليشيا، ولضمان ألا تظل ثروات المنطقة رهينة لأجندات الهيمنة الأيديولوجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى