حين تتحول الكفاءة إلى هدف: لماذا تتعرض النخب السياسية الجادة لحملات التشهير والابتزاز؟

في الوقت الذي تتطلع فيه الدولة إلى تعزيز حضور الكفاءات الوطنية في مختلف مواقع المسؤولية، تبرز على الساحة ممارسات دخيلة على العمل السياسي تقوم على التشهير والابتزاز واستهداف الشخصيات التي راكمت رصيدا من المصداقية والثقة لدى المواطنين. وهي ظاهرة أصبحت تطرح أكثر من علامة استفهام حول الجهات التي تستفيد من إضعاف النخب الجادة ومحاولة التشويش على أدائها.
فكلما برز مسؤول أو منتخب أو فاعل سياسي يتميز بالكفاءة والنزاهة والقرب من المواطنين، إلا ووجد نفسه في مواجهة حملات منظمة تحاول النيل من سمعته أو التشكيك في مصداقيته، ليس عبر مناقشة أفكاره أو تقييم حصيلته، وإنما من خلال أساليب تعتمد الإشاعة والتشهير وتضليل الرأي العام.
وفي إقليمي برشيد وسطات، كما في عدد من الأقاليم الأخرى، أفرزت الدينامية السياسية خلال السنوات الأخيرة مجموعة من الكفاءات التي اختارت الانخراط في تدبير الشأن العام بمنطق المسؤولية والعمل الميداني. غير أن هذا الحضور لم يرق لبعض الأطراف التي اعتادت الاستفادة من مناخ الفوضى أو من غياب المحاسبة، فكان الرد عبر حملات تستهدف الأشخاص بدل البرامج والمشاريع.
إن المبتزين لا ينزعجون من الفشل بقدر ما ينزعجون من النجاح، لأن نجاح الكفاءات يكشف محدودية منطقهم ويهدد المصالح التي بنوها على الابتزاز والضغط والتشويش. لذلك يصبح السياسي أو المسؤول النزيه هدفا مباشرا لكل من يرى في الشفافية خطرا على امتيازاته أو في ربط المسؤولية بالمحاسبة تهديدا لمصالحه الخاصة.
ولا جدال في أن النقد حق دستوري ومبدأ أساسي في الممارسة الديمقراطية السليمة، بل إنه ضرورة لتقويم الأداء العمومي وتحسينه. غير أن هناك فرقا واضحا بين النقد المسؤول المبني على الوقائع والحجج، وبين حملات التشهير التي تستهدف الأشخاص دون أدلة أو معطيات موضوعية. فالأولى تساهم في تطوير الحياة العامة، بينما الثانية تؤدي إلى نشر الاحتقان وإضعاف الثقة في المؤسسات.
وقد أكدت الخطب والتوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، في مناسبات عديدة، على ضرورة تمكين الكفاءات الوطنية من تحمل المسؤولية وفق معايير الاستحقاق والجدارة، مع ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. وهي رؤية استراتيجية تهدف إلى بناء مؤسسات قوية تعتمد على الكفاءة والنزاهة وخدمة المواطن.
ومن هذا المنطلق، فإن حماية الكفاءات الوطنية لا تعني إعفاءها من المساءلة أو النقد، وإنما تعني ضمان ممارستها لمهامها في بيئة سليمة تحترم القانون وتحارب كل أشكال الابتزاز والتشهير والإساءة الممنهجة. كما أن من واجب الدولة ومؤسساتها المختصة تفعيل القوانين الجاري بها العمل لمتابعة كل من يثبت تورطه في جرائم الابتزاز أو نشر الأخبار الزائفة أو المساس بسمعة الأشخاص والمؤسسات.
إن مواجهة هذه السلوكيات لم تعد مجرد خيار، بل أصبحت ضرورة لحماية المسار الديمقراطي وتشجيع الكفاءات على الاستمرار في خدمة الصالح العام. فالتنمية لا يمكن أن تتحقق في مناخ تسوده الإشاعات وحملات التشويه، بل تحتاج إلى منافسة شريفة قائمة على البرامج والإنجازات واحترام أخلاقيات الاختلاف.
ويبقى الرهان الأكبر اليوم هو بناء ثقافة سياسية جديدة تجعل من الكفاءة معيارا للتقييم، ومن النزاهة أساسا للثقة، ومن القانون مرجعا لحسم الخلافات، بعيدا عن منطق الابتزاز والتشهير الذي لا يخدم سوى أعداء التنمية والإصلاح. فالأوطان تبنى بسواعد الكفاءات المخلصة، وتزدهر بالمبادرات الجادة، ولا يمكن أن تتقدم في ظل محاولات مستمرة لاستهداف كل من اختار طريق العمل والمسؤولية وخدمة الوطن والمواطن.



