اليسار المغربي بين ذاكرة النضال ورهانات المستقبل: هل يقود الاتحاد الاشتراكي مشروعاً جديداً للديمقراطية؟

متابعة : عبدالهادي بكور
يشكل اليسار المغربي أحد أهم المكونات السياسية التي بصمت تاريخ المغرب المعاصر، ليس فقط باعتباره تياراً حزبياً، بل كحركة فكرية ونضالية ساهمت في الدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. فمنذ عقود، ارتبطت مسيرة اليسار بمعارك الإصلاح السياسي وتوسيع هامش الحريات وترسيخ ثقافة المشاركة، ما جعله فاعلاً أساسياً في بناء المشهد السياسي الوطني.
ومع التحولات التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، برزت تحديات جديدة فرضت نفسها على مختلف الأحزاب السياسية، وفي مقدمتها الأحزاب ذات المرجعية اليسارية. فالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، وتطور انتظارات المواطنين، وتراجع نسب المشاركة السياسية، كلها عوامل دفعت إلى إعادة طرح السؤال حول قدرة اليسار على تجديد خطابه واستعادة موقعه داخل الحياة العامة.
وفي هذا السياق، يظل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أحد أبرز رموز التجربة اليسارية المغربية. فقد راكم الحزب تجربة سياسية غنية جعلته يحتل مكانة خاصة في الذاكرة السياسية الوطنية، سواء من خلال مساهمته في النضال الديمقراطي أو عبر مشاركته في تدبير الشأن العام. كما ارتبط اسمه بمحطات مفصلية في تاريخ المغرب الحديث، أبرزها تجربة التناوب التوافقي التي قادها المجاهد الراحل عبد الرحمن اليوسفي، والتي اعتبرت آنذاك خطوة مهمة في مسار الإصلاح السياسي وتعزيز الثقة بين الدولة والقوى الديمقراطية.
غير أن التحولات التي عرفها الحقل السياسي المغربي لم تكن في صالح اليسار عموماً. فقد أدى تعدد التنظيمات والانقسامات المتتالية إلى إضعاف حضوره الانتخابي والسياسي، الأمر الذي جعل مطلب توحيد اليسار يتكرر في مختلف المحطات السياسية. فالكثير من المتتبعين يرون أن تشتت القوى اليسارية أدى إلى تبديد رصيد تاريخي مهم كان من الممكن أن يشكل قوة اقتراحية مؤثرة داخل المؤسسات المنتخبة وفي النقاش العمومي.
واليوم، ومع اقتراب استحقاقات سياسية جديدة، يعود الحديث بقوة عن ضرورة بناء جبهة ديمقراطية تقدمية قادرة على استعادة ثقة المواطنين. ويطرح هذا الواقع تساؤلات عديدة حول الدور الذي يمكن أن يلعبه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في قيادة هذا المسار، خاصة أنه ما يزال يتوفر على امتداد تنظيمي وخبرة سياسية ورصيد نضالي يجعله مؤهلاً للمساهمة في إعادة ترتيب البيت اليساري.
لكن نجاح أي مشروع وحدوي لا يمكن أن يتحقق بمجرد التقارب التنظيمي بين الأحزاب، بل يحتاج إلى بلورة رؤية سياسية مشتركة تستجيب للتحديات الراهنة. فالمواطن المغربي أصبح أكثر اهتماماً بالحلول العملية المتعلقة بالتشغيل والتعليم والصحة والسكن والعدالة المجالية، وأقل اهتماماً بالخلافات الإيديولوجية التي ميزت مراحل سابقة من العمل الحزبي.
إن الرهان الحقيقي أمام اليسار المغربي اليوم لا يكمن فقط في استعادة موقعه الانتخابي، بل في قدرته على تجديد مشروعه المجتمعي وإعادة بناء جسور الثقة مع المواطنين، وخاصة الشباب. كما أن استحضار الذاكرة النضالية لليسار يجب أن يكون منطلقاً لاستشراف المستقبل، لا مجرد استعادة لصفحات من الماضي مهما كانت أهميتها.
ويبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: هل ينجح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في لعب دور القاطرة التي تجمع مختلف الحساسيات اليسارية والديمقراطية حول مشروع سياسي متجدد، أم أن رهانات المستقبل ستظل رهينة بتوازنات المشهد الحزبي وتحديات الواقع السياسي؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل اليسار المغربي، بل ستساهم أيضاً في رسم ملامح المرحلة المقبلة من المسار الديمقراطي بالمغرب.




