مجتمع

من التشجيع المتبادل إلى الاستقطاب الرياضي: مقاربة نفسية اجتماعية لتحوّل العلاقة الكروية بين المغاربة والجزائريين

 

فتيحة عزيب : أخصائية إكلينيكية

 

لم تكن العلاقة بين الجماهير المغربية والجزائرية في المجال الرياضي، ولا سيما في كرة القدم، تتخذ دائماً الصورة المتوترة التي تبدو عليها اليوم. فقد ساد، خلال مراحل تاريخية سابقة، قدرٌ معتبر من التعاطف المتبادل بين الجمهورين، بحيث كان نجاح أحد المنتخبين الوطنيين يُستقبل في البلد الآخر بنوع من التأييد أو الارتياح، انطلاقاً من شعورٍ بالانتماء المغاربي المشترك، ومن تمثّلٍ رمزي مفاده أن حضور أي منتخب من المنطقة في المنافسات القارية أو الدولية يشكّل، بدرجة ما، حضوراً رمزياً للمجال المغاربي بأسره.

 

غير أنّ المتابع للمشهد الرياضي والإعلامي في السنوات الأخيرة يلحظ تحوّلاً واضحاً في طبيعة هذه العلاقة. فقد تراجع منطق التشجيع المتبادل والتعاطف الرمزي، ليحلّ محلّه مناخٌ من التوتر والاستقطاب والعداء الرمزي، تجلّى في الخطاب الإعلامي، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، كما امتدّ إلى الفضاءات اليومية، من قبيل المقاهي والأماكن العمومية خلال متابعة المباريات الدولية.

 

والسؤال الذي يفرض نفسه، في هذا السياق، ليس سؤال الأسبقية: من بدأ أولاً؟ بل سؤال الآليات: كيف انتقلت العلاقة من منطق التضامن الرياضي إلى منطق الاستقطاب الجماهيري؟

 

من منظور علم النفس الاجتماعي، يمكن مقاربة هذه الظاهرة في ضوء نظرية الهوية الاجتماعية التي صاغها هنري تاجفيل، والتي تفيد بأن الأفراد يميلون إلى تعريف ذواتهم من خلال انتماءاتهم الجماعية، ويسعون إلى تعزيز الصورة الإيجابية للمجموعة التي ينتمون إليها. وفي بعض الحالات، لا يتحقق هذا التعزيز فقط عبر تمجيد الذات الجماعية، بل أيضاً عبر التقليل من شأن المجموعة المقابلة أو نزع القيمة الرمزية عن إنجازاتها. وعندما تتداخل الاعتبارات السياسية والتاريخية مع المجال الرياضي، تغدو المنافسة الكروية أكثر من مجرد مواجهة رياضية، لتتحول إلى فضاءٍ لإعادة إنتاج التمايزات الجماعية وإثبات التفوق الرمزي بين الهويات المتقابلة.

 

ويمكن كذلك الاستعانة بمفهوم الاستقطاب الجماعي لفهم هذا التحول. فحين يتعرض الأفراد، بصورة متكررة، إلى رسائل متشابهة داخل بيئة إعلامية أو رقمية متجانسة، فإن مواقفهم لا تظل ثابتة، بل تميل إلى التصلب والتطرف التدريجي. وبذلك لا يعود الهدف مقتصراً على دعم المنتخب الوطني وتشجيعه، بل يتحول الاهتمام شيئاً فشيئاً إلى تتبع إخفاقات المنتخب الآخر، أو التقليل من قيمة منجزاته، أو تأويل نجاحاته بمنطق الشك والعداء.

 

ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال الدور المركزي الذي تضطلع به وسائل الإعلام في تشكيل هذا المناخ. فقد شهدت المنطقة المغاربية، خلال السنوات الأخيرة، صعود خطابات إعلامية أكثر حدّة، ساهمت في نقل الخلافات السياسية والتاريخية إلى المجال الرياضي، بما أفضى إلى إعادة تأطير المنافسة الكروية ضمن ثنائية الخصومة والاصطفاف. ومع التكرار المستمر للرسائل العدائية، يصبح المتلقي أكثر قابلية لتبني تمثلات سلبية عن الطرف الآخر، لا سيما في ظل غياب مصادر بديلة للمعلومة، أو تراجع حضور الأصوات المعتدلة القادرة على إنتاج خطاب موازن.

 

غير أنّ من أبرز الأخطاء المنهجية في تناول هذه الظاهرة الاعتقاد بأن أثر الدعاية أو الخطاب العدائي يقتصر دائماً على الطرف الآخر وحده. فالدراسات النفسية المرتبطة بالتأثير الإعلامي تشير إلى أنّ الجماعات المستهدفة بخطاب عدائي قد تنتهي، مع مرور الوقت، إلى تبني أنماط سلوكية وخطابية مماثلة، بوصفها استجابة دفاعية أو ردّ فعل على الاستفزاز المتكرر. وهكذا ينشأ نمط دائري من التأثير المتبادل، يعتقد فيه كل طرف أنه لا يفعل سوى الرد على إساءات الطرف الآخر، في حين يشارك، من حيث لا يشعر، في إعادة إنتاج البنية نفسها التي تغذي الصراع وتمنحه الاستمرارية.

 

وفي ضوء ذلك، يصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت بعض الخطابات الإعلامية قد نجحت فعلاً في تكريس صورة سلبية عن المغرب لدى جزء من الجمهور الجزائري؛ وقد تكون الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب. غير أنّ السؤال الأكثر أهمية، من منظور نقدي وتأملي، هو: هل أفضى هذا المسار بدوره إلى تشكّل صورة سلبية مقابلة عن الجزائر لدى جزء من الجمهور المغربي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل نكون بصدد مواجهة الظاهرة وتفكيكها، أم أننا انخرطنا، بصورة واعية أو غير واعية، في المنطق نفسه الذي أنتجها؟

 

إنّ التحدي الحقيقي، إذن، لا يتمثل في تحديد الجهة التي بدأت دورة العداء، بقدر ما يكمن في فهم الآليات النفسية والاجتماعية التي تجعل المجتمعات قابلة للانخراط فيها وإعادة إنتاجها. فالرياضة، في بعدها التاريخي والإنساني، لطالما مثّلت إحدى أبرز وسائل التقارب بين الشعوب، بما تتيحه من إمكانات للتعارف والتفاعل الرمزي الإيجابي. غير أنّها، حين تتحول إلى مجالٍ لإسقاط التوترات السياسية والهوياتية، تفقد جانباً أساسياً من رسالتها، وتغدو أداةً لتكريس الانقسام بدل تجاوزه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى