حرب المخابرات المغربية على الذئاب المنفردة: مقاربة متجددة في مكافحة الإرهاب

بقلم : البراق شادي عبد السلام
تتجاوز إستراتيجية المديرية العامة للأمن الوطني وحماية التراب الوطني، تحت إدارة السيد عبد اللطيف الحموشي في مكافحة ظاهرة الذئاب المنفردة، أبعاد العمل الأمني التقليدي، لتستحيل عقيدة استباقية صارمة تضع استقرار المملكة المغربية فوق كل اعتبار، مبنية على فلسفة “الأمن الوقائي الهجومي” الذي يستبق العدو المفترض في عقر فضاءاته الرمزية والواقعية. وفي هذا السياق، تأتي هذه الديناميكية تجسيدا لـ التطبيق الدقيق والرصين للرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، والتي تعبر عنها المقاربة المغربية الشاملة لمكافحة التطرف والإرهاب؛ وهي مقاربة ملكية حكيمة جعلت من أمن المواطن وسلامة التراب الوطني أولوية سيادية لا تقبل المساومة.
تأسيسًا على ذلك، إنها حرب مفتوحة تعتمد على الرصد التكتيكي وتتسلل إلى أعماق النوايا الإجرامية عبر التحييد الإستباقي للمخططات التخريبية وهي لا تزال في طورها الجنيني الأول، مما يعكس تمكنا بنيويا من تدوير “دورة الاستخبارات الكلاسيكية والسيبرانية” في مراحلها الأكثر تعقيدا. ومن هذا المنطلق، فإن هذا التتبع الدقيق لـ المؤشرات السلوكية والمسارات الرقمية للمتشبعين بـ الفكر المتطرف العنيف — والذي يرتكز على أدوات التنميط الاستخباراتي الحديث والتحليل الميكرو-عملياتي للبيانات الضخمة — يقطع الطريق على العناصر التي تحاول التخفي خلف قناع العمل الانفرادي، مما يسهم في جعل كل محاولة إجرامية مشروعا مكشوفا ينتهي بـ الإحباط العملياتي قبل مرحلة التنفيذ المادي، الأمر الذي يرسخ سيادة الدولة كبيئة طاردة لكل نزعة تهدد النظام العام.
وعلى الصعيد الدولي، لم تعد ظاهرة “الذئاب المنفردة” مجرد سلوكيات معزولة، بل تحولت بالتدريج إلى نمط تشغيلي هجين يعيد صياغة خريطة التهديدات الأمنية الدولية خارج الأنماط الهرمية التقليدية، مما فرض تحديا استخباراتيا معقدا على الأجهزة العالمية التي اعتادت مواجهة الهياكل التنظيمية الصلبة. فنتيجة لـ انحسار الملاذات الجغرافية الآمنة للتنظيمات الإرهابية الكبرى كـ “داعش” و”القاعدة”، عمدت هذه الكيانات إلى اعتماد استراتيجية اللامركزية العملياتية وعقيدة “الجهاد الفردي” عبر تفويض العمليات للأفراد محليا؛ حيث أضحى الفضاء الافتراضي وشبكات الإنترنت المظلم بمثابة منصات لـ التجنيد الرقمي، والتوجيه العقائدي، والتدريب على الأسلحة والمتفجرات عن بُعد، دون حاجة لتواصل مادي مباشر. بيد أن خطورة هذا التحول عالميا تتجلى في صعوبة التنبؤ الأمني الاستباقي، نظرا لغياب الروابط التنظيمية الهيكلية واعتماد الفواعل الفردية على تكتيكات “التمويه العملياتي المكثف” (Operational Obfuscation) لكسر رادار المراقبة. وفي هذا الإطار، تكشف المؤشرات الدولية لعام 2026 أن هذه الفواعل الفردية باتت تعتمد تكتيكات الهجمات منخفضة التكلفة وعالية الأثر كـ “الدهس، والطعن، وإطلاق النار العشوائي”، وهو ما جعل الأمن العالمي يواجه حرباً لاتماثلية مفتوحة مع أعداء غير مرئيين.
وبالموازاة مع هذا التحول وعوضا عن الزخم الميداني الذي فقدته الجماعات المتطرفة، انتقل الخطر نحو أشكال تراهن على أفراد منعزلين ضمن الخلايا الميكروية بغية الهروب من الرقابة الأمنية الصارمة، حيث تخلت هذه المجموعات عن قنوات الاتصال التقليدية لصالح تطبيقات مشفرة من النظير إلى النظير (P2P) لتفادي الالتقاط الإشاراتي. وهنا بالتحديد، تبريز احترافية المكتب المركزي للأبحاث القضائية كذراع تنفيذية قوية، تنهض بمهام تفكيك الخلايا ورصد المخططات، مستندة في ذلك إلى التنسيق الاستخباراتي المتبادل والتكامل العضوي في إطار التعاون الدائم بين المؤسسات السيادية الذي يقوده العقل الإستراتيجي المغربي ببراعة، والذي يجمع المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لحماية التراب الوطني، وجهاز الدرك الملكي بمختلف وحداته المتخصصة المعروفة بكفاءتها واحترافيتها، والمديرية العامة للتوثيق والمستندات، والقوات المسلحة الملكية بكل أفرعها البرية والجوية والبحرية الضابط الأول لحوزة الوطن ولمنعة التراب الوطني المقدس، في إطار دمج عملياتي متطور يربط بين مصادر الاستعلام البشري (HUMINT) والاستعلام الإشاراتي والفني (SIGINT)، قصد ضمان تغطية أمنية شاملة تمتد من الفضاء الرقمي إلى الحدود الترابية.
ومن شأن هذه المنظومة المتناغمة أن تمنح الأجهزة الأمنية قدرة على تحليل المخاطر وتعري محدودية التطور الفكري للمتطرفين، وبالتالي تفكيك مشاريعهم الأحادية قبل انتقالها من العالم الافتراضي إلى حيز التنفيذ، من خلال اختراق شبكاتهم الافتراضية وشل قدرتها على اتخاذ القرار عبر تعطيل دورة التخطيط لديهم. وتنفيذا لهذه التوجهات، لا تكتفي المقاربة المغربية بالجانب الزجري فحسب، بل تتكامل مع دينامية وطنية شاملة تستحضر المقاربة الحقوقية كجزء لا يتجزأ من العمل الأمني، فضلا عن كونها تتوزع بين إعادة هيكلة الحقل الديني، وتحصين المجتمع عبر التنمية، ومراجعة الأفكار داخل المؤسسات السجنية عبر برامج إعادة التأهيل ومحاربة التطرف، وهو ما يحمي استقرار الدول الوطنية ويمنح المغرب تموقعه كمرجع عالمي في كبح جماح التهديدات العابرة للحدود.
وجدير بالذكر أن هذه اليقظة الأمنية لم تكن لتتحقق لولا الفهم العميق للتحول البنيوي الذي طرأ على عقيدة التمويل والتحرك لدى هذه الفواعل اللامركزية؛ إذ كشفت التحريات الميدانية الحديثة للمكتب المركزي للأبحاث القضائية عن جنوح “الذئاب المنفردة” نحو تبني تكتيكات “الفيء والاستحلال” كآلية لـ التمويل الذاتي المستقل، وذلك بهدف الفكاك من الرقابة الصارمة المفروضة على القنوات الماليّة الدولية، وهو التحول الذي جابهته الأجهزة المغربية بتطوير أدوات الاستعلام المالي الجنائي (FININT) لتتبع ورصد قنوات السيولة النقدية غير النمطية. ويتضح هذا النمط بوضوح في نجاح الأجهزة الأمنية في التحييد القبلي لخلية تخريبية تتكون من 6 عناصر متطرفة جرى توقيفهم في عمليات متفرقة يومي 5 و6 أبريل 2026، شملت مدن القنيطرة، والدار البيضاء، وسيدي الطيبي، ومنطقة دار الكداري بإقليم سيدي قاسم.
وبناء على التحقيقات القضائية والمعاينات الميدانية المدعومة بالمراقبة اللصيقة، وتقاطع المعطيات التقنية المستقاة من عمليات التتبع الفني والميداني المتزامن، فقد انخرط عناصر الخلية في عمليات سطو وسرقة ممنهجة استهدفت ضيعات لتربية المواشي، ثم عمدوا إلى تصريف عائداتها في الأسواق المحلية لتمويل مخططاتهم؛ الأسلوب الذي أسفر عن ضبط ومصادرة مخطوطات وكتب ذات طبيعة متطرفة، وأسلحة بيضاء متنوعة، وأقنعة وقفازات، ومبالغ مالية مشبوهة، بالإضافة إلى وسائل نقل استخدمت لتسهيل التحركات اللوجستية، مما أكد قدرة العقل الاستخباراتي المغربي على قطع الشرايين اللوجستية البديلة وتجفيفها قبل وصول المخطط إلى مرحلة الصدمة أو التنفيذ العملياتي الفعلي.
إضافة إلى ذلك، لا تقتصر هذه الديناميات على السرقات المحلية، بل تتداخل مع الجريمة المنظمة العابرة للحدود كشبكات تهريب الأسلحة الحربية المرتبطة ببؤر التوتر في الساحل وصحراء مالي، والتي جرى إحباطها على الحدود الشرقية للمملكة بعد رصد استخباراتي مطول — ارتكز على الاختراق العميق لخطوط الإمداد وزرع مصادر بشرية نوعية في مناطق التماس — حيث ضبطت أسلحة مخبأة رفقة جرائد ورقية مالية حديثة الصدور تعود لعام 2024، الأمر الذي أثبت ارتباطها اللوجستي بالتهديدات الإقليمية، لاسيما بعد صدور شريط فيديو مسجل لقيادي بارز في تنظيم “داعش” بالساحل يهدد فيه المملكة رسميا. من جهة أخرى، يتكامل هذا الرصد مع عمليات تفكيك مستمرة تفضح النمط العملياتي المتغير؛ كتحييد خلية موالية لـ “داعش” تنشط بين مدينتي تطوان وشفشاون في يوليو 2025 استغلت التضاريس الجبلية لـ التمويه والتخفي والتحضير لعمليات فردية نوعية، وتفكيك خلية الحوز بضواحي مراكش (يونيو 2019) التي ضمّت 4 مسلحين نسج زعيمها علاقات بالخارج لصناعة عبوات ناسفة واستهداف منشآت حيوية.
وفي المقابل، يتوازى هذا النمط المادي مع تحول الفضاء السيبراني ومواقع التواصل الاجتماعي إلى غرف قيادة وسيطرة بديلة لـ الاستقرار والاستقطاب الفكري، والتوجيه العقائدي، والتنسيق اللوجستي عابر الحدود، على غرار الخلية الثنائية التي جرى تفكيكها بتنسيق أمني رفيع بين الرباط ومدريد في مارس 2026 بين طنجة ومايوركا الإسبانية، والتي كشفت عن تكتيك استخباراتي مضاد يلاحق الأنماط الهجينة لـ “العمليات المشتركة عن بعد”. ولكبح هذا التمدد الرقمي، تبنت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني مقاربة الرصد السيبراني المندمج والمستمر (Cyber Intelligence)، والتي أسفرت منذ عام 2016 عن توقيف ومتابعة أكثر من 700 شخص جرى رصد أنشطتهم وتفاعلاتهم المتطرفة قبل انتقالها إلى طور التنفيذ المادي. وفي هذا الصدد، حسمت النيابة العامة النقاش البنيوي والحقوقي القائم حول الترويج الافتراضي، بالاعتماد بصفة شبه دائمة على الفصل 218-2 من القانون الجنائي المتعلق بـ الإشادة بالإرهاب، وذلك بهدف تغليب البعد الزجري والوقائي الحاسم وصيانة الأمن القومي الاستباقي للمملكة.
إن إستدامة معادلة “صفر تأثير إرهابي” التي تبأواها المغرب وتفوقه في مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2025، لا يمكن عزلها عن القراءة الدقيقة وآليات الإنذار المبكر للمحيط الإقليمي الملتهب في منطقة الساحل والصحراء، والتي غدت منذ عام 2025 البؤرة الرئيسية للإرهاب عالميا بمسؤوليتها عن أكثر من نصف الوفيات المرتبطة بالعنف السياسي؛ حيث وثق المؤشر في النصف الأول من عام 2025 وحدها حوالي 4,030 حالة وفاة إرهابية في الساحل من أصل 7,610 وفيات سجلت عالميا، في ظل تنامي النشاط العملياتي لأكثر من 64 تنظيما مسلحا، مما حوّل تلك المنطقة إلى بيئة اختبار مفتوحة للجريمة اللامركزية العابرة للحدود. ويعزى هذا الانفجار الأمني بالأساس إلى عوامل بنيوية متقاطعة؛ أبرزها انهيار نماذج الحوكمة التقليدية وتوالي الانقلابات العسكرية بين عامي 2020 و2024، والفراغ الأمني الناتج عن انسحاب القوات الدولية، إلى جانب تحالف جماعات متطرفة مع عصابات الجريمة العابرة للحدود لتوسيع تمويلها عبر الاتجار بالبشر والسلاح والمخدرات، فضلا عن الفشل التنسيقي التام لمجموعة دول الساحل الخمس بسبب شح التمويل على الرغم من المساعدات الدولية الضخمة.
ونتيجة لهذه النجاحات الميدانية والتشريعية المترابطة، تحولت الحرب المفتوحة والصارمة التي يقودها السيد عبد اللطيف الحموشي ضد ظاهرة الذئاب المنفردة إلى مدرسة أمنية متكاملة الأركان، تعيد صياغة مفهوم الردع الاستراتيجي على الصعيدين الإقليمي والدولي. فلم تعد هذه المواجهة تقتصر على البعد المراقبة التقليدية، بل استقرت كعقيدة هجومية تنفذ إلى عمق النوايا التخريبية قبل تجسدها المادي، عبر ملاحقة الأنماط الغير مهيكلة للفواعل الفردية في فضاءات التخفي الرقمية والمعاقل الواقعية المعزولة عبر تطبيق “هندسة التدخل الإستباقي” للأمن القومي التي تجهض المخطط في مهده الفكري قبل نضوج وسائله. إذ إن تفكيك هذه المشاريع الأحادية في طورها الجنيني الأول عكس كفاءة استثنائية في هذه الهندسة السيادية، وحوّل القدرة الاستخباراتية المغربية إلى رافعة استراتيجية صاغت بها المملكة أبعادا متجددة لـ الدبلوماسية الأمنية عابرة القارات، مكرسة تموقُع الرباط كمرجع دولي لا غنى عنه في صياغة السلم العالمي.
ويتجلى العمق الجيوسياسي لهذه اليقظة المغربية في التقدير والائتمان الكوني الذي تحظى به الأجهزة السيادية للمملكة؛ وهو ما توّج بالإجماع الدولي على اختيار المغرب لاحتضان الجمعية العامة لمنظمة الشرطة الجنائية الدولية “الإنتربول” بمدينة مراكش، كاعتراف صريح بكفاءة المقاربة الوطنية وتفوق المنظومة المخابراتية في إدارة وتبادل البيانات والمعلومات الجنائية شديدة الحساسية. كما يتماهى هذا الاعتراف مع المأسسة الدبلوماسية الوقائية المتمثلة في “منصة مراكش لمكافحة الإرهاب”، والتي غدت إطارا كونيا سنويا يجمع قادة الأمن والمخابرات عبر العالم لتجفيف قنوات المخططات اللامركزية وتفكيك الارتباطات المشبوهة.
وتأسيسا على هذا البناء المحكم، يبرهن هذا العطاء العملياتي والدبلوماسي أن المغرب قد غادر تماما مربع التنسيق النمطي، ليتحول إلى مركز ثقل دولي مبادر ومصدِّر للحلول الأمنية المبتكرة في مواجهة الحروب اللاتماثلية من خلال صياغة ميزان دقيق يربط بين “الاستخبارات الصلبة” والأمن المجتمعي الشامل. إنها، إذن، الحصيلة الكبرى للتنزيل الدقيق للرؤية الملكية المتبصرة التي جعلت من سلامة الوطن والمواطن ثابتا فوق كل اعتبار؛ عبر رؤية استراتيجية فريدة لم تكتفِ بالردع الجنائي واليقظة الميدانية، بل زاوجت باحترافية بين “القوة الصارمة” والوقاية عبر “القوة الناعمة”، متمثلة في تحصين الحقل الديني روحيا، وإعادة التأهيل الفكري والحقوقي والنفسي داخل المؤسسات السجنية، وتجفيف المنابع السوسيو إقتصادية للهشاشة عبر التنمية المندمجة ، هذا التناغم البنيوي الفريد هو ما يجعل من حرب المملكة على الذئاب المنفردة نموذجا مرجعيا ملهما في التوفيق بين متطلبات الأمن الصارم وصيانة حقوق الإنسان، مرسخا مكانة المملكة المغربية كحجر زاوية وصمام أمان ثابت إستراتيجي للاستقرار والسلم الإقليمي و القاري والدولي.



