لماذا خسر المغرب أمام فرنسا؟

فتيحة عزيب : أخصائية كلينيكية
في مواجهة أعادت إلى الأذهان نصف نهائي قطر 2022، سقط المنتخب المغربي أمام فرنسا بنتيجة 2-0 في ربع نهائي كأس العالم 2026، بهدفين سجلهما كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي. ورغم الروح القتالية التي أظهرها أسود الأطلس، إلا أن عدة عوامل متراكمة رسمت ملامح الهزيمة، أبرزها إدارة الحمل البدني، والانسجام الجماعي، والإصابات المؤثرة، واضطرار عدد من اللاعبين إلى اللعب خارج مراكزهم الأساسية.
من الناحية النفسية الرياضية، يُعد التحضير المكثف الذي اعتمده المدرب محمد الوهبي (الذي تولى المهمة في مارس 2026) نموذجاً لـ«الإرهاق التراكمي» (Cumulative Fatigue). فالبرنامج الودي الذي شمل ثلاث مباريات في فترة زمنية ضيقة (بوروندي، مدغشقر، النرويج) أدى إلى تراكم الحمل البدني والذهني، خاصة مع التنقلات الطويلة وقلة فترات التعافي. وتُظهر الدراسات في علم نفس الرياضة أن هذا النوع من الإرهاق يقلل من «الانتباه الانتقائي» و«سرعة اتخاذ القرار» لدى اللاعبين، مما يفسر تراجع الحدة والانفجارية في الشوط الثاني.
كما فاقمت سلسلة الإصابات (نايف أكرد، عبد الصمد الزلزولي، إسماعيل الصيباري وغيرهم) من حالة «عدم اليقين» (Uncertainty) لدى المجموعة، وهو عامل نفسي يزيد من التوتر ويقلل من الثقة الجماعية. ونتيجة هذه الغيابات، اضطر العديد من اللاعبين إلى اللعب في مراكز غير مألوفة، مما أثر سلباً على «الانسجام التلقائي» (Implicit Coordination) بين الخطوط. في علم نفس الرياضة، يُعرف هذا بـ«فقدان التماسك الجماعي» (Loss of Team Cohesion)، وهو أمر يتطلب وقتاً أطول لإعادة بنائه، خاصة تحت قيادة مدرب جديد.
أما المنتخب الفرنسي، فقد استفاد من «التجربة الجماعية المشتركة» (Shared Team History) التي تعزز الثقة الجماعية (Collective Efficacy) والتفاهم التلقائي. ومع الاستعداد العلمي المنظم في مركز كليرفونتين منذ 29 ماي، والاكتفاء بمباراتين وديتين، نجح الفرنسيون في الحفاظ على «الطاقة النفسية» (Mental Energy) والتركيز تحت الضغط، وهو ما يُعرف بـ«المرونة النفسية» (Psychological Resilience). وقد تجلى تفوقهم في حفظ أفضل للكرة تحت الضغط، وسرعة التحولات، والقدرة على التسارع في المناطق الحساسة، وصلابة بدنية مدعومة بثبات ذهني.
إن هذه المواجهة لا تنتقص من قيمة المشوار الذي قدمه أسود الأطلس في هذا المونديال، حيث أكدوا مرة أخرى أنهم أصبحوا رقماً صعباً على الساحة العالمية. غير أنها تكشف بوضوح أهمية التوازن الدقيق بين الجانب البدني والنفسي في الاستعداد: بين كثافة المباريات الودية، وإدارة الحمل البدني بدقة علمية، والحرص على سلامة اللاعبين، واستقرار التشكيلة في مراكزها الطبيعية.
ويبقى المدرب محمد الوهبي متفائلاً رغم الخروج، إذ أكد قائلاً:
«إذا أردنا الوصول إلى مونديال 2030 بأفضل جاهزية، فعلينا أن نبدأ التحضير من الآن، للمنافسة بقوة على لقب كأس إفريقيا.»
من منظور أكاديمي، تمثل هذه التجربة فرصة ذهبية لتطبيق مبادئ علم النفس الرياضي في بناء «ثقافة تعافٍ نفسي-بدني» متكاملة، وتعزيز «المرونة النفسية» لدى اللاعبين، وتطوير انسجام جماعي أقوى. فالإمكانيات كبيرة، والمستقبل مفتوح بإذن الله، خاصة مع استضافة المغرب لبطولة 2030





