البوليساريو تحت المجهر الدولي: هل يقترب شبح التصنيف الإرهابي؟

بقلم : الدكتور عبدالقادر الحافظ بريهما
يتصاعد في الآونة الأخيرة داخل عدد من العواصم الغربية نقاش متزايد حول طبيعة جبهة البوليساريو ودورها في منطقة الساحل والصحراء، في ظل التحولات الأمنية التي تعرفها هذه المنطقة الحساسة. فالتداخل المتزايد بين الحركات الارهابية وشبكات التهريب والجماعات المسلحة أصبح مصدر قلق حقيقي لصناع القرار الدوليين، خاصة مع اتساع رقعة عدم الاستقرار في الساحل. وفي هذا السياق بدأت بعض التحليلات السياسية والأمنية تطرح احتمال التعامل مع البوليساريو من زاوية أمنية وقانونية، وليس فقط كطرف في نزاع سياسي، وهو ما قد يفتح الباب أمام إعادة تقييم وضعها في عدد من المؤسسات الدولية والإقليمية.
ويستند هذا النقاش إلى مجموعة من المعطيات التي يثيرها باحثون ومتابعون للشأن الإقليمي، من بينها ما يوصف بثقل الملف الحقوقي داخل مخيمات تندوف. فهذه المخيمات التي ظلت لسنوات طويلة خارج أي رقابة دولية فعلية، أصبحت موضوع انتقادات متكررة بسبب غياب الإحصاء الرسمي للسكان، وحرمان المحتجزين من حرية التنقل والتعبير. كما تشير تقارير متعددة إلى وجود ممارسات اجتماعية قاسية داخل المخيمات، حيث يتم إبقاء بعض الفئات من العبيد والحراطين في أوضاع هشة ومهينة، وفرض أنماط من الأعمال الدونية أو الشاقة مثل الرعي والحدادة والغناء وأعمال السخرة…، في واقع يطرح تساؤلات عميقة حول الكرامة الإنسانية وحقوق السكان.
كما تثار تساؤلات متكررة حول شبهات تهريب المساعدات الإنسانية والمتاجرة بها، إلى جانب الحديث عن تورط عناصر مرتبطة بالحركة في عضوية حركات إرهابية تنشط بمنطقة الساحل والصحراء و شبكات تهريب السلاح والمخدرات التي تنشط في الصحراء الكبرى وشمال مالي. هذه الشبكات العابرة للحدود أصبحت أحد أبرز مصادر القلق الأمني في المنطقة، خاصة مع ارتباطها أحياناً بحركات انفصالية أو جماعات مسلحة إرهابية تستفيد من ضعف السيطرة الأمنية في الفضاء الصحراوي الشاسع. وهو ما يدفع بعض التحليلات إلى اعتبار أن استمرار هذه العلاقات يهدد بتحويل النزاع السياسي إلى مصدر اضطراب أمني إقليمي.
ولا يمكن فهم تطور هذا الملف دون العودة إلى جذوره التاريخية، حيث لعبت أطراف إقليمية دورا أساسيا في نشأة ودعم هذه الحركة. فقد تم استغلال البوليساريو في فترات مختلفة من طرف نظام القدافي، كما حظيت بدعم واضح من النظام العسكري لهواري بومدين، المعروف ببوخروبة. وقد كان الهدف في كثير من الأحيان توظيف هذه الحركة كورقة ضغط جيوسياسية من أجل زعزعة الاستقرار في شمال غرب إفريقيا ودول المغرب العربي، وهو ما جعل مسارها السياسي مرتبطا في كثير من الأحيان بحسابات إقليمية تتجاوز إرادة الصحراويين أنفسهم.
ومن القضايا التي تثير قلق المراقبين أيضاً ما يتم تداوله حول علاقات الحركة ببعض الأطراف الخارجية، ومن بينها إيران، حيث تشير تقارير إعلامية إلى وجود تعاون تقني وعسكري، بما في ذلك المساعدة في حفر الأنفاق أو التدريب على استعمال بعض التقنيات العسكرية الحديثة مثل الطائرات المسيرة. ورغم أن هذه المعطيات تظل محل نقاش في بعض الأوساط، فإنها تعزز المخاوف من توسع نفوذ قوى خارجية في منطقة المغرب العربي والساحل، بما قد يهدد التوازنات الإقليمية ويزيد من تعقيد النزاعات القائمة.
كما أن الخطاب الذي يتم تداوله أحياناً داخل بعض الأوساط المرتبطة بالحركة يثير بدوره الكثير من الانتقادات، خاصة عندما يتضمن أوصافا عنصرية مهينة وتحريضية تجاه شعوب المنطقة. فقد تم تسجيل حالات يتم فيها وصف المغاربة بعبارات قدحية مثل “الشلوحة”، أو الموريتانيين بأوصاف مشينة مثل ” لكريعات”، وهو خطاب يغذي الكراهية ويقوض أي إمكانية لبناء الثقة بين شعوب المنطقة. ويضاف إلى ذلك استهداف مدنيين في بعض العمليات العسكرية التي تصفها الحركة بضربات ضد “التخدقات” عسكرية، كما وقع في مناطق قريبة من المحبس قرب الزاك، وهي أحداث تثير مخاوف إنسانية وتزيد من تعقيد المشهد.
ويشير عدد من المتابعين أيضاً إلى أن قيادة البوليساريو الفاشلة العنصري تعاني من إشكالية تتعلق بغياب الاستقلالية الفعلية في اتخاذ القرار، بسبب ارتباطها الوثيق بمخابرات المؤسسة العسكرية في الجزائر. هذا الوضع يجعل الحركة تبدو في كثير من الأحيان خاضعة لحسابات خارجية، وهو ما يفسر حالة التردد أو التناقض التي تطبع مواقفها في المفاوضات الدولية، بما في ذلك المساعي الدبلوماسية الجارية في بعض العواصم مثل واشنطن. وفي ظل هذه المعطيات، يتجه المنتظم الدولي إلى تشديد موقفه تجاه هذه القيادة المارقة، مع تزايد الدعوات إلى معالجة هذا النزاع وفق مقاربات واقعية تضع حدا لمعاناة الصحراويين الحقيقيين وتجنب المنطقة مزيدا من التوتر وعدم الاستقرار.




