مجتمع

بين الأصالة العلمية و التزييف الرقمي: معركة الحكامة في ترميم تراث مكناس

 

بقلم : البراق شادي عبد السلام

 

1. مكناس: التوثيق الفوتوغرافي كخزان للذاكرة والسيادة

تعد مدينة مكناس العاصمة الاسماعيلية العريقة مخزنا بصريا فريدا لحفظ تقاطع السياسة الإستعمارية مع التوثيق الفوتوغرافي والبحث الاثنوغرافي في النصف الاول من القرن العشرين، حيث تشكل الصورة الفوتوغرافية التاريخية خزان الذاكرة الجماعية التي تحمي تفاصيل الهوية الحضرية من الضياع والنسيان ، فهذه الوثائق البصرية تجسد سجل التحولات العميقة التي طرأت على المجال والانسان، مما يجعل التعامل معها يتطلب دقة معرفية تتجاوز حدود المشاهدة العابرة نحو الفهم العميق للسياقات الزمانية والمكانية التي انتجت فيها تلك اللقطات. حيث أن هذه العدسة التاريخية لم تكن ترصد الحجر والبشر كجمادات فوتوغرافية، بل سجلت صيرورة التراكم الحضاري الذي جعل من الاسوار و الأبواب و القصور و الأزقة و السقايات شواهد حية على هندسة معمارية سلطانية فريدة، وبناء على ذلك، تكتسي المادة الأرشيفية قيمة رمزية تتجاوز البعد التوثيقي لتصبح ركيزة اساسية في اعادة بناء المخيال الجماعي حول المدينة السلطانية، بعيدا عن القراءات السطحية التي تختزل التاريخ في لقطات صماء خلفها الراحلون. ويتجلى البعد السياسي هنا في تحويل الكاميرا من أداة فنية إلى “عين سلطوية” تخدم إستراتيجية “المعرفة قبل السيطرة” التي نهجتها الحماية الفرنسية لجرد مقدرات المدينة وضبط توازناتها السوسيولوجية. فكل لقطة كانت تحمل في جوهرها قرارا إداريا يسعى لشرعنة الوجود الاستعماري عبر إبراز “البعثة الحضارية” وترسيخ مفهوم “الأبارتايد الحضري” الذي عزل المدينة العتيقة في قالب تراثي جامد خدمة لمصالح المركز الإمبريالي في حمرية او المدينة الجديدة .

 

2. تحديات التلوين الآلي ومخاطر التزييف في الفضاء الرقمي :

 

وإرتباطا بهذا السياق، يبرز في الوقت الراهن تحول تقني معاصر يشهده التعامل مع هذا الأرشيف البصري الثمين، حيث تظهر ظاهرة التلوين الآلي في الفضاء الرقمي كواجهة لتقريب التاريخ من الأجيال الصاعدة، غير أن هذا التطور يطرح تحديات جسيمة ترتبط بالأمانة العلمية في مواجهة جاذبية التكنولوجيا. إن تحويل الصورة من صيغتها الأحادية اللون إلى نسخ ملونة يعتمد في جوهره على تقديرات احتمالية وتصورات ذهنية حديثة، مما ينقل المادة الأرشيفية من حيز الوثيقة الشاهدة إلى حيز المادة الترفيهية التي قد تطمس الخصائص المادية للفيلم الأصلي وتحجب السياق التقني والزمني للصورة. ويتعاظم هذا الخطر مع الاعتماد المتزايد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تعمل في ظل غياب تام للحكامة الرقمية والمعايير المنظمة للتعامل مع الذاكرة البصرية الوطنية؛ إذ تتحول هذه الأدوات في يد غير المتخصصين إلى وسيلة للعبث بالهوية التاريخية، حيث تفرض البرمجيات ألوانا “افتراضية” تفتقر إلى أي سند مادي أو أثري، مما يهدد بتحويل الأرشيف الإسماعيلي بخصوصيته الفريدة، والذي يعد جزءا لا يتجزأ من أرشيف الدولة العلوية المجيدة وامتدادا لشرعيتها التاريخية في بناء الدولة والمجال، إلى مادة بصرية مشوهة فاقدة لصدقيتها الزمنية، وخالية من هيبتها السيادية التي توثق عظمة البناء المعماري والسياسي للدولة المغربية عبر العصور. وبناء على ما تقدم، ترصد المتابعة الرقمية لواقع الصفحات و المجموعات المهتمة بتراث و حضارة مدينة مكناس انزلاقا خطيرا يقوده بعض الناشطين عبر استخدام برمجيات التلوين الآلي التي بلغت حد التزييف الصريح للمادة التاريخية. إن ما تشهده الساحة الرقمية يمثل استمرارا لمسلسل التشويه الذي طال العديد من الصور في العقد السابق، حيث تجرأ هؤلاء الهواة على إضافة لمسات مائية دخيلة وطبع أسماء صفحاتهم الشخصية و مجموعاتهم على وثائق أرشيفية لا يملكون حقوقها الأدبية أو العلمية ، حيث أن هذا السلوك يمثل اعتداء سافرا على الأمانة التوثيقية و تراث الأجداد ، وهو الأمر الذي لم يتجرأ عليه حتى المصورون وملتقطو الصور الأصليون الذين احترموا قدسية اللحظة، بينما يعمد مسيرو هذه الصفحات و المجموعات اليوم إلى إسقاط ألوان إفتراضية مشوهة لا تراعي واقع الأصبغة والمواد التاريخية، مما ينتج محتوى بصريا هجينا يبتعد عن الصدقية الزمنية المطلوبة ويطمس معالم الإرث الحضاري الحقيقي للمدينة. حيث يكرس هذا المشهد حالة من غياب المهنية والاحترافية، حين سقطت هذه المبادرات في فخ العشوائية والارتجال المقيت، مدفوعة برغبة محمومة في حصد “التفاعل” الرقمي على حساب القيمة العلمية للأثر. و بالتالي فالاعتماد الكامل والأعمى على أدوات الذكاء الاصطناعي دون فحص أو تدقيق، حول العملية من “ترميم تراثي” إلى “استعراض تقني” يفتقر لأدنى معايير الحكامة، مما يجعل من هذه الصفحات و المجموعات منصات لترويج نسخ بصرية مغلوطة تساهم في تضليل الذاكرة الجمعية وتجريد التاريخ الإسماعيلي للدولة العلوية المجيدة من وقاره السلطاني وسيادته التاريخية و حضوره الرمزي في الوعي الجمعي للوطن .

 

3. التطور التاريخي للعدسة: من الرواد الأوائل إلى المدرسة الاستشراقية :

 

وعند العودة إلى الجذور، بدأ دخول آلة التصوير إلى الفضاء المكناسي مع الرواد الأوائل من المصورين الذين رافقوا البعثات الدبلوماسية والرحلات الاستكشافية منذ عام 1901، حيث كانت المدينة مادة خصبة لتوثيق التحولات العمرانية والاجتماعية. إرتبط هذا النشاط بعقيدة سياسية إدارية جعلت من الفوتوغرافيا أداة إستراتيجية للتوثيق والبحث، فكانت العدسة تسبق التدخل الميداني لضبط تفاصيل النسيج الحضري والتركيبة الاجتماعية، مما جعل من مكناس مختبرا بصريا لشرعنة الوجود الاستعماري عبر بوابة التوثيق العلمي والتقني للمعالم والناس طيلة فترة الحماية. وقد تعزز هذا المسار البصري بجذور فنية استشراقية، حيث كان أوجين ديلاكروا (1832) الرائد الذي خلد المجتمع في العاصمة السلطانية مكناس برؤية فنية مبكرة، تلاه ماتيو بروندي “رسام مكناس” الذي استقر بها بين (1915-1944) ليوثق خيولها وأسواقها بانطباعية دقيقة، جنبا إلى جنب مع هنري بونطوي وألبير لبرو (1920-1930) اللذين برعا في التقاط سحر الضوء وألوان العمارة الإسماعيلية، بينما رصد ويليام بيهم تحولات المدينة اليومية من مرسمه الخاص في الأربعينيات، مما مهد الطريق للانتقال من اللوحة المركزية إلى الوثيقة الفوتوغرافية.

 

4. الفاعلون والمؤسسات في تشكيل الأرشيف البصري المكناسي :

 

وفي هذا الإطار، تبرز شخصيات محورية في تاريخ التوثيق الفوتوغرافي لمكناس بين عامي 1870 و1956، حيث قدم غابرييل فير (1901-1908)، المصور الخاص للسلطان مولاي عبد العزيز، لقطات نادرة من داخل خصوصية البلاط السلطاني خلال سبع سنوات من العمل المتواصل، بينما ركز مارسيلين فلاندرين (1910-1930) على التوثيق الجوي والنشاط التجاري في اسواق مكناس عام 1923، مشتهرا ببطاقاته البريدية التي جابت الآفاق. كما ساهم لوسيان فوجت وجان روني في إنجاز مهمة تراثية كبرى بين عامي 1915 و1917 سجلت أدق التفاصيل المعمارية للمساجد والمدارس والأسوار عبر الألواح الزجاجية، في حين انفرد الأنثروبولوجي جان بوزان بتوثيق إثنوغرافيا الأزياء والحلي في الثلاثينيات، وبيير إيف الذي رصد الحياة الاجتماعية والحرفية في الأربعينيات (1943-1947). ولم يقتصر هذا الجهد على الأفراد، بل شمل دورا محوريا للمصورين العسكريين (SPA) منذ (1912) في التخطيط العمراني، ووكالات نشر كبرى مثل “نيردين” (Levy & Neurdin) ومجموعة “بول لاكاز” التي واكبت التحولات الحديثة للمدينة في الخمسينيات، مما خلق أرشيفا بصريا متنوعا يتوزع اليوم بين مؤسسات كبرى في نانت وباريس ومراكش، حيث تضم “دار الصورة” بمراكش وحدها أكثر من 10,000 وثيقة تاريخية نادرة. ومن جهة اخرى، تتبعت العدسة القديمة جغرافيا المكان المكناسي بدقة متناهية، فوثقت الاسوار الاسماعيلية والابواب الكبرى مثل باب المنصور لعلج وهري السواني، مما اتاح فهم طبيعة الحياة اليومية والنشطة الاقتصادية التي ميزت ساحة الهديم. حيث تعامل المصورون مع هذه المعالم كرموز بصرية تعبر عن عظمة الماضي، فتم رصد التحولات التي طرأت على الفضاء العام عبر عمليات “التنظيف” المكاني واعادة تشكيل الميادين لخدمة المنظور الجمالي الجديد، وهو ما جعل الصورة وثيقة اساسية لمرممي الاثار في الوقت الحاضر لمعرفة حالة المباني قبل التوسع العمراني الذي غير ملامح المدينة.

 

5. الحكامة التقنية والمعايير الدولية في الترميم الرقمي :

 

وتأسيسا على ذلك، تعتمد تطبيقات التلوين التي يستخدمها الهواة على خوارزميات تقوم ببناء الالوان بشكل افتراضي دون العودة الى المراجع التاريخية المادية، مما ينتج صورا تفتقر الى الدقة العلمية والجمالية. فالالتزام بالمعايير الدولية في الترميم الرقمي يوجب التوقف عند الحد الذي يبدأ فيه التخمين، تماشيا مع ميثاق فينيسيا لعام 1964 الذي يفرض احترام المواد الاصلية والمواصفات التقنية للاثر. ان غياب البحث الميداني حول طبيعة المواد المستخدمة في البناء والالبسة يجعل من التلوين العشوائي عملية تزييف للحقائق التاريخية وطمسا للتفاصيل الدقيقة التي تعبر عن روح العصر. وفي سياق متصل، تحدد المبادئ التوجيهية الفنية الدولية ضرورة الحفاظ على الأصالة الرقمية وفق معايير (FADGI)، وهي “المبادرة الأمريكية الفيدرالية للخطوط التوجيهية للرقمنة”، التي تفرض بروتوكولات صارمة تضمن أن تعكس النسخة المرممة الخصائص الفيزيائية للأصل دون أي تعديل لوني غير مستند إلى دليل مادي قاطع. حيث يتطلب الترميم العلمي، بناء على هذه المعايير، إجراء بحوث معمقة في الأرشيفات الورقية والتقارير التقنية التي أعدها مهندسون مثل موريس بوتي وبوريس ماسلو في حالة مكناس، لضمان توافق الإضافات اللونية مع الواقع التاريخي المثبت منذ صدور ظهائر التصنيف الأولى في أكتوبر 1914 ، حيث تعتمد هذه المعايير الدولية على نظام دقيق لتقييم الجودة يمتد من نجمة واحدة إلى أربع نجوم، حيث تشترط في مستوياتها العليا دقة متناهية في “ثبات الألوان” (Color Constancy) وتقليل “انزياح التسجيل” (Registration Misalignment) لضمان عدم تشويه التفاصيل الدقيقة للمعالم. كما تفرض هذه البروتوكولات معيار “دقة التفاصيل” (Spatial Resolution) و(ISO 19264) للحفاظ على حدة الأطراف وتفاصيل المادة (Texture) دون اللجوء إلى “التنعيم الرقمي” العشوائي الذي تفرضه خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وذلك لضمان بقاء تفاصيل الزليج والجبس المكناسي واضحة كما سجلتها العدسة الأصلية ، ويستوجب هذا المنهج الصارم أيضا احترام “نطاق الكثافة الضوئية” (Dynamic Range) للحفاظ على التدرج بين أحلك الظلال وأشد النقاط سطوعا، وهو المعيار الذي يمنع فقدان العمق البصري الذي يميز الصور التاريخية لأسوار المدينة وأبوابها. فالالتزام هنا بـ”إدارة البيانات الوصفية” (Embedded Metadata) يُلزم المرمم بتوثيق كل تدخل تقني تم على الصورة، مما يحمي القيمة المعلوماتية للأرشيف الإسماعيلي ويمنع تحويله إلى محض عمل فني تخيلي يقطع الصلة مع اللحظة الزمنية الحقيقية، ويضمن التفريق القانوني والعلمي بين “الأصل الأرشيفي” والنسخة المرممة، صونا للأمانة العلمية والسيادية للدولة المغربية.

 

6. صون الأمانة العلمية كقرار سيادي وتكريس للهوية الوطنية :

 

ومن هذا المنطلق، لا يجب النظر للدعوة إلى الالتزام بهذه المعايير الدولية كنوع من التبعية لجهات خارجية أو تقيد بإملاءات تقنية عابرة للحدود، بل هو في جوهره قرار سيادي بامتياز، نابع من الحرص العميق للمملكة المغربية على صون “الأمانة العلمية” لواحد من أغلى سجلاتها التاريخية، حيث إن تبني بروتوكولات جودة مثل (FADGI) أو (ISO) يمثل اختيارا إراديا يهدف إلى حماية الأرشيف الإسماعيلي العلوي من أي محاولات للاختراق البصري أو التزييف الذي قد يطال الذاكرة الوطنية تحت مسميات “التحديث الرقمي”؛ فالأمر هنا يتعلق بتحصين أرشيف الدولة العلوية المجيدة بأعلى الأدوات التقنية صرامة. ويتجلى هذا الالتزام السيادي في مواءمة الممارسات الوطنية مع التوجهات العلمية للمجلس الدولي للمعالم والمواقع (ICOMOS)، الذي يشدد على ضرورة الحفاظ على “أصالة المادة” و”روح المكان” في كل عملية ترميم، سواء كانت مادية أو رقمية، لضمان عدم المساس بالقيمة العالمية الاستثنائية لمدينة مكناس المصنفة تراثا عالميا من طرف اليونسكو (UNESCO) منذ عام 1996. كما يتقاطع هذا المسار مع برامج المركز الدولي لدراسة صون وترميم الممتلكات الثقافية (ICCROM)، التي تركز على بناء القدرات المؤسساتية والحكامة في إدارة المخاطر التي تهدد التراث البصري، بما يضمن بقاء الصورة التاريخية وثيقة قانونية وعلمية لا تقبل التأويل أو التشويه. إنها سيادة المعرفة التي تجعل من التدقيق العلمي في كل “بكسل من الصورة ” وثيقة دفاع عن الحقيقة التاريخية للمجال المغربي، وتأكيدا على أن هويتنا البصرية ليست مادة مستباحة للتجريب، بل هي إرث سيادي يدار بعقول مغربية وبأرقى المعايير العالمية المتاحة، صونا لهيبة الدولة المغربية الشريفة و تاريخها العريق.

 

7. الجمالية السوسيولوجية وحتمية استعادة السيادة الثقافية :

 

وبالنظر الى ما سبق، تفرض الابعاد الفنية والجمالية لعملية الترميم الحفاظ على التباين الاصلي والظلال التي تميز التصوير الكلاسيكي، مع تجنب الاشباع اللوني المبالغ فيه الذي يمنح الصورة مظهرا حديثا يتنافى مع قيمتها كوثيقة. ان اللون في الصورة التاريخية يحمل دلالات سوسيولوجية وجمالية ترتبط بزمن معين، وهو ما يجعل من التكوين المعرفي للمرمم ضرورة تسبق استخدام التقنية. تكمن القيمة الحقيقية في ابقاء الظلال الرمادية كاللغة الوحيدة الموثوقة للتعبير عن الماضي، ما لم يتوفر دليل علمي يبيح التدخل اللوني وفق قواعد صارمة تحفظ هيبة التاريخ. حيث تتبلور رؤية توفيقية تجمع بين استثمار التكنولوجيا الحديثة وحماية الامانة العلمية عبر اخضاع عمليات الترميم والتلوين لاشراف مختصين في علم الاثار والتراث البصري. فاستعادة الارشيف التاريخي من المؤسسات الدولية، والذي يشمل مؤخرا نحو 2.5 مليون وثيقة، يمثل معركة سيادة ثقافية تهدف الى اعادة كتابة تاريخ مدينة مكناس من الداخل، بعيدا عن النظرة الاستعمارية التي شكلت الكثير من تلك الصور. يضمن هذا التوجه بقاء الصورة جسرا يربط الاجيال الحالية بالواقع التاريخي الحقيقي للمدينة، ويحول الارشيف من اداة للهيمنة الى وسيلة للتحرر المعرفي وفهم الذات الحضارية.

 

8. حماية الذاكرة الجمعية وتثمين الإرث الإسماعيلي و المكناسي :

 

ختاما، تظل الصورة التاريخية لمدينة مكناس عهدا سياديا وأمانة حضارية تتطلب أقصى درجات التحصين ضد العبث التقني العشوائي؛ فالتدخل الرقمي اليوم ليس بمحض إجراء فني، بل هو واجب وطني وأخلاقي يهدف إلى صون الذاكرة الجماعية للمغاربة من التشويه ، فمأسسة جهود حفظ الأرشيف البصري، والارتقاء بآليات البحث العلمي، يتجاوز كونه ترف تقني ليكون فعلا نضاليا ومقاومة بصرية واعية، تضمن بقاء «الحاضرة الإسماعيلية» نابضة في وجدان الأجيال بملامحها الواقعية وألقها الأصيل، منزهة كما هو حالها منذ آلاف السنين عن زيف الألوان الإفتراضية الهجينة و عبث العابثين.وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يتوقف عند الحفظ، بل يمتد إلى بعث الروح في هذه الكنوز البصرية، وتحويلها من أرشيف صامت إلى مادة معرفية حية تغذي مخططات حماية وتثمين المدينة وفق التوجيهات الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله. إننا بذلك نضمن استمرارية مكناس كمركز تراثي عالمي، شاهدا حيا على عظمة الدولة العلوية المجيدة، وحصنا للهوية البصرية الفريدة التي تقف منيعة أمام تحولات الزمن؛ وفاء لأمانة التاريخ، وصناعة لمستقبل يرتكز على جذور صلبة تستمد أصالتها من التاريخ العريق لعاصمة السلاطين و مدينة الملوك .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى