مجتمع

محمد السادس يرسم ملامح النظام القاري الإفريقي الجديد 

 

بقلم : البراق شادي عبد السلام

 

تشكل التحولات الدبلوماسية المتسارعة التي شهدتها القارة الإفريقية بين السادس والعاشر من أبريل 2026، منعطفا جيوسياسيا فارقا يعيد رسم خارطة التوازنات الإقليمية حول قضية الصحراء المغربية. وفي هذا السياق، شكلت الزيارات المكوكية للسيد ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، إلى كل من نيامي والقاهرة ونيروبي وباماكو، المحرك الأساس لهذا الزخم؛ فمن القاهرة التي جددت دعمها الصريح للوحدة الترابية للمملكة، ونيروبي التي انخرطت في واقعية سياسية بتبني مبادرة الحكم الذاتي، برزت محطة نيامي كركيزة استراتيجية؛ حيث جسدت زيارة السيد الوزير في الثامن من أبريل لترؤس أشغال الدورة الخامسة للجنة المشتركة الكبرى، التزاما راسخا بتثبيت الارتباط العضوي للنيجر بالمبادرة الأطلسية الملكية، بالتزامن مع القرار التاريخي لجمهورية مالي بسحب اعترافها بالكيان الوهمي.

 

ويعكس هذا الحراك الدبلوماسي المكثف تنزيلا دقيقا للرؤية الملكية المتبصرة التي نقلت الملف إلى مربع الحسم الميداني والقانوني، مستندة إلى القرار الأممي 2797 ، ومن ثم، أضحت الواقعية السياسية المقترنة بالاعتراف الصريح بوجاهة السيادة المغربية هي المفتاح الأساس لبناء شراكات استراتيجية متينة، وهو ما يرسخ دور جلالة الملك محمد السادس؛ حيث يلتقي الطموح المغربي المشروع مع التوجهات السيادية لدول مثل مصر وكينيا والنيجر ومالي لصياغة نظام إقليمي يحمي وحدة الدول الترابية والمصالح العليا لشعوبها، ويحقق نهضة القارة بقرار سيادي وإرادة إفريقية خالصة.

 

وفي سياق متصل، يضع ” إعلان باماكو ” التاريخي الصادر في التاسع من أبريل حدا لعقود من التردد الدبلوماسي عبر سحب الاعتراف بالكيان الوهمي، مما يفتح الباب أمام إعادة هيكلة شاملة للمجال الجيوسياسي في منطقة الساحل. كما أن انحياز مالي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ينهي حقبة توظيف النزاعات المفتعلة لزعزعة استقرار الدول، ويحول العمق المالي إلى جسر استراتيجي يربط قلب القارة بالمجال الأطلسي. وبالمثل، فإن تلازم هذا الموقف مع الحراك الدبلوماسي في القاهرة ونيروبي ونيامي يثبت نجاعة المقاربة المغربية في تصفية إرث الكيانات الوظيفية، ويؤسس لنظام إقليمي جديد يعتمد واقعية الحلول وقوة المؤسسات الوطنية في مواجهة مخاطر التجزئة والفوضى العابرة للحدود ، و يمكن قراءة القرار المالي من خلال زاويتين :

 

▪️ أولا: المبادرة الأطلسية لتمكين دول الساحل من الولوج للواجهة الأطلسية:

 

يمنح الموقف المالي الجديد بقيادة فخامة الجنرال عاصيمي غويتا، رئيس المرحلة الانتقالية، باماكو تذكرة عبور ريادية إلى الفضاء الأطلسي. حيث أن الارتباط بميناء الداخلة يمثل شريان حياة يربط الاقتصاد المالي بسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يعني انتقال مالي من وضعية التلقي إلى وضعية الفعل الاستراتيجي. باماكو تختار اليوم منطق المصالح الملموسة والربط الطاقي والطرقي كبديل عن أيديولوجيات الماضي، وتضع رهانها على المشاريع القارية المهيكلة والممرات الكبرى التي تجعل من مالي حلقة وصل أساسية في التجارة الدولية، مما يحول عمقها الترابي إلى جسر يربط إفريقيا جنوب الصحراء بالأسواق العالمية.

 

هذا الاندماج في الفضاء الأطلسي هو في جوهره عملية إعادة تعريف للهوية الاقتصادية المالية، حيث يصبح ميناء الداخلة الأطلسي الميناء الطبيعي لباماكو، مما يوفر بيئة استثمارية آمنة ومستدامة تجذب رؤوس الأموال وتدعم مشاريع البنية التحتية المشتركة، مثل أنبوب الغاز نيجيريا المغرب، وهو ما يكرس دور مالي كعنصر استقرار وتنمية في قلب القارة الإفريقية.

 

▪️ ثانيا: السيادة المغربية كدرع لوحدة دول الساحل:

 

يحمل سحب الاعتراف بجمهوية البوليساريو الوهمية رسالة أمنية مفادها أن استمرار الكيانات الانفصالية يغذي الفوضى التي تهدد بقاء الدول الوطنية. باماكو ترى في دعم مغربية الصحراء وسيلة لحماية حدودها، مما يفتح أفقا جديدا في إطار التعاون الأمني والاستخباراتي والعسكري لمواجهة التهديدات اللاتماثلية. هذا التموضع يعزز مسار دبلوماسية القنصليات، حيث يمهد الطريق نحو افتتاح قنصلية مالية في الداخلة أو العيون أو السمارة، ليكون اعترافا قانونيا يكرس واقعية الحل المغربي ويساهم في إغلاق قوس الأزمات في المنطقة.

 

فهذا التحول يعكس وعيا جيوسياسيا يربط بين السيادة المغربية وبين الحفاظ على قوة الدول المركزية في مواجهة التنظيمات المسلحة التي تتغذى على الفراغات السيادية والكيانات الوظيفية.

 

في نفس السياق، يعبر التحرك المتزامن لكل من مصر وكينيا عن إرادة مشتركة لتجاوز الأطر التقليدية التي حكمت العلاقات داخل الاتحاد الإفريقي. فمصر بمركزيتها في الشمال، وكينيا بصفتها المحرك الاقتصادي في الشرق، تضعان أسس نهج واقعي يمنح الأولوية للاستقرار القاري بعيدا عن صراعات استهلكت الطاقات. وبناء على ذلك، يغير هذا التوافق قواعد اللعبة داخل أروقة المنظمة القارية، حيث ينتقل التركيز نحو بناء شراكات تحفظ كيان الدولة الوطنية وتواجه مخاطر التشرذم. وفي هذا الإطار، يمكن سبر أغوار هذا التوجه عبر قراءة النتائج الاستراتيجية في مستويين:

 

▪️أولا: توسيع دائرة الإجماع وكسر الحواجز الجغرافية :

 

يساهم الموقف الكيني في تفكيك الرؤية التي حاولت حصر دعم مغربية الصحراء في نطاق جغرافي محدد. وبموازاة ذلك، يبرز هذا الانفتاح السيادة المغربية كمدخل أساسي لتحقيق التكامل الاقتصادي، كما يرسل إشارة بأن القوى الصاعدة ترى في استقرار المغرب ركيزة لمنظومة التجارة والأمن الإقليمي بالكامل.

 

▪️ثانيا: تعديل ميزان القوى ومواءمة الشرعية القانونية :

 

يمهد هذا الزخم لمراجعة وضعية الكيان الوهمي داخل هياكل الاتحاد الإفريقي، حيث تدفع القاهرة ونيروبي بوزنهما السياسي نحو جعل المنظمة القارية أكثر انسجاما مع قرارات مجلس الأمن الدولي والواقع الميداني المعاش ، يعني هذا التحول أن الاتحاد الإفريقي يتجه نحو التخلص من إرث الكيانات الوظيفية لصالح نظام قاري يقوم على احترام سيادة الدول المؤسسة والفاعلة.

 

إن ما نشهده اليوم يتجاوز حدود الانتصارات الدبلوماسية العابرة، ليعلن ميلاد “إفريقيا الأطلسية” التي ترفض منطق التجزئة وتتحلل من رواسب الفكر الانفصالي الوظيفي. فبينما كانت القارة لردح من الزمن مسرحا لصراعات القوى الكبرى، تحولت اليوم — بفضل الرؤية الملكية المتبصرة — إلى فاعل استراتيجي يقرر مصيره عبر بوابة الصحراء المغربية، لتصبح السيادة الوطنية هي العملة الوحيدة المقبولة في سوق الشراكات الإفريقية الجديدة، وهي المبدأ الناظم لعلاقات لا تقبل التبعية أو الوصاية.

 

ويأتي هذا الحصاد الدبلوماسي ثمرة لـ التنزيل الدقيق والاحترافي الذي يقوده الجهاز الدبلوماسي المغربي و المصالح الخارجية، تحت الإشراف المباشر للسيد ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج؛ هذا الجهاز الذي نجح في تحويل “التوجيهات الملكية” من رؤية فلسفية عميقة قائمة على التضامن والمصير المشترك إلى خارطة طريق سيادية إجرائية تتسم بالاستباقية والندية. لقد استطاعت الدبلوماسية المغربية، بتوجيهات من جلالة الملك محمد السادس، صياغة لغة سياسية جديدة تقطع مع دبلوماسية الاستجداء أو الشعارات، لتؤسس لـ دبلوماسية الفعل السيادي والمشاريع المهيكلة، حيث يتم التعامل مع الشركاء بمنطق الندية والمصالح المشتركة التي تحترم الوحدة الترابية للدول كخط أحمر غير قابل للتفاوض ، ومن ثم، فإن التناغم بين الرؤية الملكية المؤسسة لعقيدة “المغرب الإفريقي” وبين الأداء المؤسساتي الرصين لوزارة الخارجية، هو ما جعل من المملكة اليوم رقما صعبا في المعادلة القارية، وملاذا سياديا آمنا لدول الساحل والقوى الصاعدة الراغبة في بناء نظام إقليمي مستقر. إن هذا النموذج المغربي يثبت أن الحفاظ على السيادة والوحدة الترابية يمثل في جوهره أساسا لامتلاك القرار السياسي والاقتصادي، وصمام أمان ضد مخاطر التشرذم، مما يحقق نهضة القارة بأيادي أبنائها وبقرار نابع من عواصمها السيادية و هو ما أكد عليه جلالة الملك محمد السادس رائد العمل الإفريقي المشترك في خطابه التاريخي للشعوب الإفريقية في أديس أبابا قائلا :” لقد اختار المغرب سبيل التضامن والسلم والوحدة. وإننا نؤكد التزامنا من أجل تحقيق التنمية والرخاء للمواطن الإفريقي ، فنحن، شعوب إفريقيا، نتوفر على الوسائل وعلى العبقرية، ونملك القدرة على العمل الجماعي من أجل تحقيق تطلعات شعوبنا.” ….//

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى