«حكيمة حميش: امرأة واجهت المرض والوصم بالنضال والإنسانية»

صالح داهي: العيون
يقدم كتاب «حكيمة حميش: امرأة فعل وقناعة» صورة عميقة لمسار طبيبة ومناضلة حقوقية كرّست جزءًا كبيرًا من حياتها للدفاع عن الحق في الصحة وكرامة الإنسان، وجعلت من النضال ضد داء السيدا ومعاناة الفئات الهشة قضية إنسانية قبل أن تكون قضية طبية.
فالكتاب، الذي أنجزته الكاتبة والصحفية لطيفة إيمان عبر سلسلة من الحوارات المطولة، لا يكتفي بسرد المحطات الشخصية والمهنية للدكتورة حكيمة حميش، بل يسلط الضوء على التحولات الاجتماعية والسياسية والحقوقية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، من خلال تجربة امرأة جمعت بين المعرفة العلمية والالتزام الإنساني.
ويكشف هذا الإصدار عن شخصية حكيمة حميش باعتبارها نموذجًا للمرأة المثقفة المنخرطة في قضايا مجتمعها، حيث آمنت بأن الصحة ليست مجرد علاج أو خدمات طبية، بل حق أساسي يرتبط بالحرية والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم. ومن هذا المنطلق، خاضت معارك متعددة للدفاع عن المصابين بفيروس نقص المناعة، ومواجهة الصور النمطية والأحكام المسبقة التي تحاصرهم داخل المجتمع.
وترى حكيمة حميش، من خلال تجربتها الطويلة، أن المعركة الحقيقية ضد داء السيدا لا تنحصر في توفير العلاج فقط، بل تبدأ بمحاربة الجهل والخوف والوصم الاجتماعي، لأن التمييز والإقصاء يدفعان الكثير من المصابين إلى العزلة ورفض الكشف أو العلاج.
كما يتناول الكتاب رؤيتها لقضايا الحريات الفردية والصحة الجنسية والإنجابية، حيث تدافع عن ضرورة اعتماد مقاربة حقوقية وإنسانية بعيدة عن الأحكام الأخلاقية والإقصائية، معتبرة أن حماية الإنسان وكرامته يجب أن تكون في صلب أي سياسة عمومية.
ويتوقف العمل أيضًا عند التحديات التي واجهتها النساء داخل الفضاءات السياسية والحقوقية، إذ تؤكد حكيمة حميش أن تحقيق المساواة لا يقتصر على تغيير القوانين، بل يحتاج إلى تغيير العقليات والثقافة الاجتماعية التي ما تزال تحد من حضور النساء في مواقع القرار والتأثير.
ويبرز الكتاب كذلك تجربة الدكتورة حكيمة حميش داخل الجمعية المغربية لمحاربة السيدا، حيث ساهمت في تحويل العمل الجمعوي إلى فضاء للتوعية والدفاع عن الكرامة الإنسانية والإنصات لمعاناة الفئات الهشة، بعيدًا عن الخطابات الشعبوية أو البحث عن المصالح الضيقة.
وتكمن أهمية هذا الإصدار في كونه لا يوثق فقط لمسار امرأة استثنائية، بل يفتح نقاشًا واسعًا حول قضايا الديمقراطية والحريات الفردية والصحة العمومية والعدالة الاجتماعية، من خلال تجربة إنسانية غنية بالجرأة الفكرية والالتزام الحقوقي.
إن كتاب «حكيمة حميش: امرأة فعل وقناعة» يشكل شهادة قوية على أن النضال الحقيقي يبدأ بالدفاع عن الإنسان، وعن حقه في العيش بكرامة وحرية، بعيدًا عن الخوف والتمييز والإقصاء.




