التهركاويت

بقلم : الحسان الغوالي
زعموا أن الملك جلس ذات صباح في إيوانه، وقد حملت إليه الرواة أخبار الناس، وما يضطرب في الأسواق، وما يدور في المجالس، وما يشتعل في شاشات الهواتف الصغيرة، تلك التي صارت في هذا الزمان مجالس بلا سقف، وأسواقًا بلا أبواب، ومحاكم بلا قضاة، ومنابر بلا خطباء.
وكان مما بلغه أن قومًا من أهل المغرب يتحدثون عن لفظ جديد قديم، يسمونه: التهركاويت.
فقال الملك للفيلسوف المجهول:
أيها الحكيم، لقد بلغني أن الناس اختلفوا في لفظ يسمونه التهركاويت؛ فمنهم من جعله وصفًا للفوضى، ومنهم من جعله سخرية من الفقراء، ومنهم من رآه مرآة تكشف مرض المدينة، ومنهم من عده سهمًا طبقيًا يجرح ولا يصلح. فأنبئني عن هذا الأمر، أهو خُلُق في الناس، أم عيب في السياسة، أم نبتة خرجت من أرض لم تُسقَ بالعدل؟
فقال الفيلسوف المجهول:
أيها الملك السعيد، إن الألفاظ مثل السكاكين؛ قد يقطع بها الطبيب الداء، وقد يجرح بها الجاهل البريء. وليس الخطر في اللفظ وحده، ولكن في اليد التي تحمله، والنية التي توجهه، والعدل الذي يزن به الناس بعضهم بعضًا.
قال الملك:
فاضرب لي في ذلك مثلًا، فإن الكلام إذا جاء عاريًا خافه السامع، وإذا جاء في ثوب الحكاية دخل بلا استئذان.
قال الفيلسوف المجهول:
بلغني أيها الملك أنه كانت في قديم الزمان مدينة تسمى مدينة المرآة، وكان أهلها كثيري الكلام عن الحضارة، قليلين في امتحانها. فإذا جلسوا في المجالس تحدثوا عن النظام، فإذا خرجوا إلى الطريق خاصموا الطابور. وإذا كتبوا في الصحف مجدوا النظافة، فإذا أكلوا في السوق تركوا أثرهم على الأرض كأن المكان عدوّ قديم. وإذا دخلوا الإدارات طالبوا بالعدل، فإذا جاء دور غيرهم قالوا: “غير دقيقة ونقضي الغرض”.
وكان في تلك المدينة رجل يقال له صاحب الصوت العالي، لا يملك حجة، ولكنه كان يملك حنجرة؛ وكان يظن أن رفع الصوت يغني عن صحة الرأي، وأن اقتحام الصف دليل شجاعة، وأن الضجيج برهان وجود. فإذا نُهي عن رمي الأذى في الطريق قال: “الشارع واسع”، وإذا قيل له: اخفض صوتك، قال: “هذه حرية”، وإذا ذُكّر بحقوق الناس، قال: “كل واحد يدبّر راسو”.
فقال قوم من المدينة:
هذا هو الهركاوي.
وقال آخرون:
بل الهركاوي ليس هذا وحده؛ الهركاوي كل من يحول الفضاء العام إلى ملك خاص، وكل من يرى القانون قيدًا على غيره وزينة على نفسه، وكل من يطلب الاحترام ولا يمنحه، ويطالب بالخدمة ولا يحترم من يقدمها.
فقال الملك للفيلسوف المجهول:
أراك جعلت التهركاويت سلوكًا لا نسبًا.
قال الفيلسوف المجهول:
نعم أيها الملك. فالهركاوي ليس من جاء من البادية، ولا من سكن الحي الشعبي، ولا من لم يتقن لغة المترفين، ولا من لبس ثوبًا بسيطًا، ولا من تكلم بلكنة أمه وجدته. إنما الهركاوي من ضاق عقله عن حق غيره، واتسع صوته على حساب أدب العيش. ورب رجل في أفخم الثياب يحمل من التهركاويت ما لا تحمله عربة خضراء يوم السوق، ورب فقير متواضع في مظهره هو في أخلاقه أرقى من قصر كامل يلمع زجاجه ويظلم داخله.
فتبسم الملك وقال:
لقد خشيت أن تكون الكلمة ظلمًا للفقراء.
قال الفيلسوف المجهول:
وما أكثر ما تبدأ الكلمات نقدًا للسلوك، ثم تتحول في أفواه المتعجلين إلى سوط على ظهور الضعفاء. فالخطر كل الخطر أن تصير التهركاويت اسمًا للفقراء، أو أبناء الهوامش، أو أصحاب اللكنات الشعبية. عندئذ لا نكون قد أصلحنا الفوضى، بل زدناها قناعًا من الاحتقار.
ثم قال الفيلسوف المجهول:
واعلم أيها الملك أن في كل مدينة ثلاث تهركاويات.
قال الملك:
وما هن؟
قال الفيلسوف المجهول:
أما الأولى فهي تهركاويت الشارع: أن يرمي المرء أذاه في الطريق، ويكسر النظام، ويزاحم الناس، ويحسب الفضاء العام بلا صاحب.
وأما الثانية فهي تهركاويت اللسان: أن يظن المرء أن السخرية تعطيه حق إهانة الناس، وأن النكتة إذا أضحكت فقد بُرئت من الظلم.
وأما الثالثة، وهي أخطرهن، فهي تهركاويت السلطة والوجاهة: أن يتحدث المرء عن تهذيب الناس وهو ينسى أسباب خرابهم؛ فلا يسأل عن المدرسة، ولا عن الحي، ولا عن العمل، ولا عن العدل، ولا عن الفرص، بل يكتفي بأن يشير إلى الناس من بعيد ويقول: هؤلاء لا يعرفون الحضارة.
فقال الملك:
كأنك تقول إن التهركاويت ليست مرض الفرد وحده، بل قد تكون عرضًا من أعراض المدينة والسياسة.
قال الفيلسوف المجهول:
صدقت أيها الملك. فإن السلوك لا يولد في الهواء. فمن نشأ في فضاء لا يحترم الإنسان، صعب عليه أن يتعلم احترام الفضاء. ومن رأى القانون ينتقي الناس كما ينتقي البائع أجود التفاح لنفسه ويترك المعطوب لغيره، ضعف يقينه بالإنصاف. ومن عاش في حي بلا مكتبة، وبلا ملعب، وبلا إنارة كافية، وبلا مدرسة تُحبب النظام بدل أن تخيف منه، لا تعجب إن رأيته يصنع نظامه الخاص، ولو كان نظامًا أعرج يمشي على قدم واحدة.
قال الملك:
ولكن أليس من الواجب أن نحاسب الناس على أفعالهم؟
قال الفيلسوف المجهول:
بلى، أيها الملك. الرحمة لا تعني إسقاط المسؤولية، والفهم لا يعني تبرير الفوضى. إن من يرمي الأذى في الطريق مخطئ، ومن يعتدي على الناس مخطئ، ومن يفسد المرفق العام مخطئ، ومن يزعج الساكنة مخطئ. لكن الملك العاقل لا يكتفي بضرب يد المخطئ؛ بل يسأل: من ربّى هذه اليد؟ ومن تركها بلا عمل؟ ومن جعلها لا ترى في القانون إلا خصمًا؟ ومن جعل المدرسة ممرًا لا مصعدًا؟
ثم قال الفيلسوف المجهول:
وقد بلغني، أيها الملك، أن رجلًا من أهل الفكاهة والفن، اسمه حسن الفد، تكلم في هذا اللفظ، فحرّك ماءً راكدًا في المجتمع. والفنان إذا صدق كان كالمرآة؛ لا يخلق القبح، ولكنه يكشفه. غير أن المرآة نفسها قد تظلم إن وضعت في زاوية خاطئة. فإن كان القصد نقد السلوك، فقد أصاب بابًا مهمًا. وإن تحول الأمر في ألسنة الناس إلى احتقار للفئات الشعبية، فقد خرج السهم من القوس وأصاب غير هدفه.
قال الملك:
وما وظيفة الكوميديا في هذا الباب؟
قال الفيلسوف المجهول:
الكوميديا يا مولاي طبيبة عجيبة؛ تداوي بالضحك، لكنها إن جهلت مقدار الدواء قتلت المريض من كثرة المزاح. فإذا سخرت من العيب لتصلحه فهي حكمة، وإذا سخرت من الإنسان لفقره أو أصله فهي قسوة تلبس قناع النكتة. والنكتة التي تضحك الأقوياء على الضعفاء ليست فنًا، بل كرسيّ صغير يقف عليه المتكبر ليبدو طويلًا.
فقال الملك:
لقد ذكرت السياسة ولم تفصل فيها.
قال الفيلسوف المجهول:
السياسة، أيها الملك، ليست دائمًا ما يقال في البرلمان أو يكتب في البلاغات. السياسة أيضًا هي من يملك حق تسمية الناس، ومن يملك حق وصفهم، ومن يملك المنبر، ومن يبقى موضوعًا للكلام لا طرفًا فيه. فإذا كان بعض الناس يُعرَّفون دائمًا من الخارج، ولا يُسمع صوتهم من الداخل، صارت اللغة قفصًا لا نافذة.
ثم قال:
وحين يتنازع الناس حول لفظ مثل التهركاويت، فهم لا يتنازعون حول كلمة فقط، بل حول سؤال أعمق:
هل نريد مجتمعًا مهذبًا عادلًا، أم نريد مجتمعًا يضحك على من أهمله ثم يعاقبه لأنه لم يتعلم؟
هل نريد مواطنًا يحترم القانون لأنه يثق فيه، أم نريد خائفًا من العقوبة فإذا غابت عين الرقيب عاد إلى فوضاه؟
هل نريد نقد السلوك، أم تصنيف البشر؟
سكت الملك طويلًا، ثم قال:
فما العلاج إذن أيها الحكيم؟ فقد وصفت الداء، ولا خير في حكيم يصف الحريق ثم يترك الناس يختلفون حول لون الدخان.
قال الفيلسوف المجهول:
العلاج في سبعة أبواب يا مولاي.
أولها: التربية على المواطنة، لا حفظًا في الكتب، بل ممارسة في المدرسة والشارع والإدارة. فالطفل الذي يتعلم الطابور، والنظافة، والاعتذار، واحترام الدور، يكبر وفي داخله شرطي لطيف لا يحتاج إلى صفارة.
وثانيها: عدل القانون، لأن القانون إذا طبق على الصغير دون الكبير صار نصيحة باردة. والناس لا يحترمون قاعدة يرونها تنحني أمام أصحاب الجاه.
وثالثها: كرامة الفضاء العام؛ شارع نظيف، إنارة، نقل منظم، مرافق تحفظ للناس آدميتهم. فالمدينة التي تهين ساكنها لا يخرج منها دائمًا مواطن رقيق.
ورابعها: كوميديا مسؤولة، تكشف العيب دون أن تذبح صاحبه، وتضحك من السلوك لا من الأصل، ومن الفكرة لا من الفقر.
وخامسها: إعلام لا يصنع الوحوش؛ لأن تكرار صورة “الشعبي الفوضوي” يرسخ في الأذهان أن المشكلة في الفقراء لا في السياسات التي دفعتهم إلى الحافة.
وسادسها: ثقافة الاعتراف؛ أن نعترف بأن في الأحياء الشعبية من النبل ما لا يوجد في صالونات كثيرة، وأن في الهوامش عقولًا عظيمة لم تجد فقط بابًا مفتوحًا.
وسابعها: نقد الذات؛ فكل واحد منا يحمل جزءًا صغيرًا من التهركاويت حين يتصرف كأن راحته أهم من راحة الجميع. ومن قال إنه بريء تمامًا، فليجرب أن يسأل من يقود خلفه في الطريق، أو من ينتظر دوره بعده في الإدارة، فهناك تظهر الحقيقة بلا ماكياج.
قال الملك:
لقد جعلت الأمر مرآة للجميع.
قال الفيلسوف المجهول:
نعم، لأن أسوأ استعمال للكلمة أن نجعلها سهمًا نرمي به غيرنا، وأفضل استعمال لها أن نجعلها مصباحًا نرى به عيوبنا. فإذا قالها الإنسان عن نفسه ضاحكًا متعلمًا، صارت بداية إصلاح. وإذا قالها عن غيره متعاليًا، صارت هي نفسها تهركاويت من نوع فاخر، مغلفة بورق ثقافي لامع.
ثم نهض الفيلسوف المجهول وقال:
أيها الملك، إن الأمم لا تنهض لأنها تملك ألفاظًا تصف عيوبها، بل لأنها تملك شجاعة إصلاح تلك العيوب. وليس الخطر أن يوجد في الناس من يصرخ أو يوسخ أو يزاحم، فهذا داء معروف. الخطر أن يوجد في القوم من يرى ذلك كله ثم لا يبحث إلا عن كلمة ساخرة، كأن المجتمع إذا سمّى الجرح فقد عالجه.
فقال الملك:
فما الكلمة الجامعة في هذا الباب؟
قال الفيلسوف المجهول:
قل يا مولاي:
التهركاويت ليست هوية، بل انحراف في السلوك. وليست طبقة، بل خلل في علاقة الإنسان بالغير. وليست قدرًا مغربيًا، بل مرضًا حضريًا يعالَج بالتربية والعدل والكرامة وحسن تدبير الفضاء العام.
فمن نقدها ليصلح الناس فهو حكيم، ومن استعملها ليحتقر الناس فهو هركاوي وإن لبس ثوب الحكماء.
فلما سمع الملك ذلك، أمر أن تكتب هذه الحكمة على باب المدينة:
لا تسأل الرجل من أين جاء، بل انظر ماذا يترك خلفه إذا مرّ: نظامًا أم فوضى، أثرًا طيبًا أم أذى، احترامًا أم ضجيجًا. فبذلك تعرف الإنسان، لا بلباسه ولا بلكنته ولا بفقره ولا بوجاهته.
وزاد الفيلسوف المجهول في آخر الصحيفة:
ومن أراد أن يحارب التهركاويت، فليبدأ بنفسه؛ فإن انتصر عليها في داخله، خفّ ضجيج المدينة ولو قليلًا.




