مجتمع

التسويق الترابي بمكناس: العلامة التجارية لباب منصور كرافعة تنموية

 

بقلم: البراق شادي عبد السلام

 

تطرح إشكالية تدبير الرصيد التراثي والتاريخي بالمدن العتيقة بالمملكة، وفي مقدمتها العاصمة الإسماعيلية مكناس، تحديات بنيوية كبرى تتجاوز المنطق الكلاسيكي القائم على الصيانة والترميم الإستاتيكي، لتفتح الباب أمام تساؤل إستراتيجي وجوهري حول مدى قدرة هذه الأصول السيادية على التحول إلى رافعة حقيقية في الدورة الاقتصادية الوطنية، تماشياً مع الرؤية الملكية السامية المتبصرة الداعية إلى جعل الثقافة محركا للتنمية، وتنفيذا لمرتكزات النموذج التنموي الجديد الذي يلح على ضرورة تثمين الرأسمال اللامادي للمملكة. إن الوقوف عند المعلمة الأثرية “باب منصور لعلج” يضعنا أمام مفارقة صارخة وصادمة؛ بين عبقرية عمرانية وسياسية فذة شكلت الهوية البصرية والقوة الرمزية للدولة العلوية المجيدة في عهد السلطان العظيم المولى إسماعيل، وبين قصور تدبيري ومؤسساتي واضح في استغلال القيمة المعنوية والرمزية لهذا الإرث الوطني ذو الصبغة السيادية.

 

▪️العلامة التجارية التراثية ©BAB MANSOUR : بين السيادة الوطنية والنجاعة الاقتصادية

 

وفي هذا الصدد، ينبغي التأكيد على أن اعتماد مقاربات مبتكرة في التسويق الترابي لهذه المعلمة، عبر ابتداع علامة تجارية ©BAB MANSOUR ذات هوية بصرية وتجارية قوية، لا يمثل بأي حال من الأحوال مساساً بوضعها الاعتباري أو قدسيتها التراثية كجوهرة معمارية للدولة العلوية المجيدة؛ بل على العكس من ذلك، فإن هذا التوجه يكرس السيادة الوطنية من خلال وضع هذه المعلمة في صدارة المشهد الاستثماري الدولي، محولاً إياها من “متحف صامت” إلى “فاعل اقتصادي” يفرض هيبته في الأسواق الثقافية والسياحية العالمية، دون أن ينال ذلك من قيمتها الرمزية كعنوان للسيادة والعظمة التاريخية للعرش العلوي.

 

إن حصر وظائف هذه المعلمة الفذة في عوائد ريعية حثيثة كبيع تذاكر الدخول، أو الاكتفاء باحتضان أنشطة كلاسيكية لجمعيات محلية افتقدت لعمق النفع العام، أو معارض تشكيلية بنمطية متجاوزة، يمثل تجسيداً لتدبير قاصر وعقيم يفوت على الدولة وعلى حاضرة مكناس فرصاً استثمارية وإشعاعية هائلة. هذا الارتهان للمقاربة السياحية الكلاسيكية والأحادية يعاني من هشاشة بنيوية وموسمية مفرطة، ويختزل الحواضر التاريخية في مجرد “ديكورات جامدة” وخلفيات لالتقاط الصور العابرة، بدلاً من تحويلها إلى خلايا إنتاجية حية تدعم الأمن القومي الثقافي، وتصنع عمقاً تنموياً مستداماً يربط الساكنة المحلية ببيئتها التاريخية من خلال عوائد اقتصادية ملموسة وكرامة مهنية مصونة.

 

ويعود أصل هذا الخلل البنيوي بالأساس إلى هيمنة العقلية الإدارية التقليدية والبيروقراطية الجامدة؛ إذ لا زالت وزارة الثقافة والقطاعات الوصية في المغرب تدير جزءا مهما من هذه المعالم بمعادلة “المحافظة والحماية السلبية”، التي تختزل دور الدولة في ترميم الحجر، وتعيين حارس للموقع، والرهان على بيع تذاكر زهيدة تتراوح بين 10 أو 70 درهما في أحسن الحالات. إن هذه النظرة الضيقة تعجز عن استيعاب أن صناعة الهوية المعاصرة للمعالم التاريخية، وتحويل الأثر إلى “علامة تجارية” قادرة على بيع حقوق الاستغلال التجاري لكبريات شركات العطور والموضة و الطيران و الشركات السياحية و الصناعة تقتضي بالضرورة القطيعة مع منطق الوظيفة العمومية النمطي، وتبني عقلية استثمارية مرنة وطموحة تتعامل مع التراث كأصل مالي واستراتيجي قابل للتثمين والتطوير المستمر.

 

▪️دروس من التجارب الدولية: التراث كأصل مالي مستدام

 

وفي زمن يرتكز فيه الاقتصاد العالمي المعاصر على المعرفة، وإدارة الأصول الذكية, والاستثمار الشرس في “الملكية الفكرية”، لم يعد مقبولا ولا مستساغا الارتكان إلى مقاربات حمائية سالبة، أو تبني منطق “الأمن الأثري العقير” الذي يتعامل مع الأثر التاريخي كمادة جامدة يتم تسييجها وتكفينها خلف جدران البيروقراطية الإدارية والقطاعية. إن تثمين التراث الوطني يقتضي اليوم شجاعة سياسية وانتقالاً حتميا وجريئا نحو “اقتصاد الرمز” كخيار إستراتيجي لإنتاج الثروة، وضمان الاستدامة المادية، وتوفير فرص الشغل النوعية. وهو التوجه الكوني المستحدث الذي نجحت عبره قوى دولية ومؤسسات تراثية سيادية عظمى في القارات الأربع في تحويل هويتها البصرية وتفاصيلها المعمارية ونقوشها التاريخية إلى علامات تجارية متميزة مسجلة ومحمية بقوة القانون الدولي، قادرة على توليد تدفقات مالية ضخمة وعوائد تجارية بالعملة الصعبة من خلال هندسة عقود الامتياز والترخيص.

 

وتتجلى نجاعة هذا الخيار كليا في التجربة الأوروبية؛ فإلى جانب ما حققته مؤسسة “متاحف الفاتيكان” (Musei Vaticani) من ضبط ذكي لـ ‘مكتب الصور وحقوق النشر’، وما فرضه “برج إيفل” في باريس و “برج بيزا المائل” في إيطاليا من حصانة تجارية لكاريزمتهما البصرية؛ يقدم “قصر فرساي” بفرنسا (Château de Versailles) النموذج الأكثر إلهاما وعالمية في المزاوجة بين هيبة الأثر والصناعات الراقية والاستثمار العقاري الثقافي، حيث لم يكتف القصر التاريخي بإيرادات التذاكر التقليدية، بل حوّل هويته البصرية والتاريخية إلى أصل معنوي استثماري عبر ثلاثة مسارات إستراتيجية: أولها، إطلاق علامات تجارية مرخصة باسم القصر لإنتاج العطور، الشموع، والأثاث الفاخر المستوحى مباشرة من أرشيف لويس الرابع عشر؛ وثانيها، عقد شراكات إستراتيجية طويلة الأمد مع عمالقة الموضة والتراتيل الفرنسية (مثل دار Dior وChanel) لتصوير حملاتهم واستخدام رمزية القصر كمنصة تسويقية دولية مقابل رسوم فلكية؛ وثالثها وابتكارها الأبرز، هو تحويل مبنى ‘المستودع الكبير’ التابع للقصر إلى فندق فائقة الفخامة (Airelles Château de Versailles, Le Grand Contrôle)، مما مكّن القطاع الخاص من استغلال الأثر فندقيا مقابل تمويل صيانة وترميم حدائق ومعالم القصر بالكامل، محولا بذلك عبء النفقة التاريخية إلى تدفقات مالية مستدامة تحمي وقار الإرث وتضاعف قيمته السيادية.

 

وفي أمريكا الشمالية، تقدم الولايات المتحدة النموذج الأكثر قوة و نجاعة في تطبيق هذه العقلية الاستثمارية عبر ‘المؤسسة الوطنية لمتنزه تمثال الحرية وجزيرة إليس’ (The Statue of Liberty Foundation)، والتي نقلت معلمة ‘تمثال الحرية’ من مجرد مزار سياحي تقليدي إلى أصل معنوي متميز ومدرّ للعوائد، يحتكر حقوق التسويق الفكري والشراكات السيادية مع عمالقة الصناعة والمال. ولعل في الشراكة الإستراتيجية الشهيرة التي عقدتها المؤسسة مع شركة ‘DEWALT’ العالمية الرائدة في المعدات الصناعية لتمويل وبناء ‘متحف تمثال الحرية’ الجديد، خير دليل على قوة الرمز الحاضن للاستثمار؛ حيث قدمت الشركة الصناعية الكبرى تمويلا ماليا ضخما، وتبرعت بالآلاف من أدواتها وحلولها التكنولوجية وشبكات الاتصال المتطورة للمساعدة في تشييد صرح ثقافي يخلد رسالة المَعلمة، دون أن تتحمل الخزينة العامة عبء هذه النفقات، مما يجسد أرقى صور الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المجال الثقافي. وهو ذات الذكاء الاستثماري الذي اعتمدته آسيا من خلال تحويل الصين لرمزية ‘المدينة المحرمة’ (The Forbidden City) في بكين من إرث تاريخي جامد إلى علامة تجارية رائدة وديناميكية في قطاعات الموضة والترفيه الرقمي بمداخيل مليارية تفوق ميزانيات متاحف عالمية بأكملها. وفي أمريكا اللاتينية، استطاعت البيرو إعادة تموقع معلمة ‘ماتشو بيتشو’ (Machu Picchu) كأصل معنوي محمي يفرض إتاوات مالية دولية مقابل أي استغلال تسويقي أو سينمائي لصورته الذهنية. بينما تقدم مصر على المستوى الإفريقي نموذجا سياديا متقدما عبر تشريعات صارمة تمنع قانونيا واستثماريا استنساخ أو استغلال التفاصيل الهندسية للأهرامات والمعالم الفرعونية لأغراض تجارية دون ترخيص مسبق ومؤدى عنه لفائدة خزينة الدولة.

 

▪️ “مؤسسة رواق باب منصور”: رؤية لمختبر الاستثمار الرمزي الحصيف

 

إن كل هذه التجارب الدولية الرائدة تؤكد حتمية الانتقال نحو هذا النمط التدبيري المعاصر للتراث—الذي يمكن تسميته بـ ‘الاستثمار الرمزي الحصيف’—دون المساس بالملكية السيادية المادية والترابية للأثر، والتي تظل ملكا عاما حصریا للدولة، وجزءا أصيلا من التاريخ الإمبراطوري العريق للدولة العلوية المجيدة، عصيا على التفويت، منيعا ضد الحجز، وركيزة سيادية تجمع بين أصالة الماضي وريادة المستقبل. وفي هذا السياق، يفرض التوفيق بين الخصوصية السيادية والمؤسساتية للمملكة المغربية وبين حتميات التنمية المستدامة، فتح نقاش استراتيجي جدي حول آليات نقل هذه المقاربة الكونية وملاءمتها مع الحالة المغربية؛ وتحديدا و كمثال من خلال إطلاق «مؤسسة رواق باب منصور» كنموذج تطبيقي رائد ومختبر قياسي لـ ‘اقتصاد المعلمة الأثرية المحوكمة’، بحيث تتحول هذه المؤسسة من مجرد امتداد مكاني وفضاء عرض استاتيكي، إلى مركز سيادي لابتكار القيمة الرمزية وامتداد وظيفي حيّ للمَعلمة الإسماعيلية العريقة بمكناس. إن الانتقال الحتمي من المقاربة الحمائية الكلاسيكية المرتكزة على الصيانة والترميم الفني فقط، إلى أفق «الاستثمار الرمزي الحصيف» يمر، بالضرورة، عبر إعادة هندسة البنية المؤسساتية الحالية، وصياغة إطار تدبيري مرن ورشيق يتيح تحويل المَعلمة والرواق التابع لها إلى علامة تجارية مسجلة ومحمية دوليا وعابرة للقارات تحت مسمى (Bab Mansour ®). وإن الغاية الأسمى والأفق الاستراتيجي من وراء هذا التصور لا تقف عند حدود العائد المالي التجاري، بل تكمن في صون الحرمة التاريخية والحفاظ على ‘الهيبة السلطانية’ الفاخرة لهذا الباب الأثري العظيم، والنأي برمزيته الضاربة في عمق التاريخ الإمبراطوري للمملكة عن عبث العابثين، ومحاولات التسليع العشوائي أو الابتذال البصري غير المنضبط.

 

▪️هندسة الحكامة: شراكات استراتيجية لتسويق ترابي مندمج :

 

ومن شأن هذا التحول الهيكلي، في حال مأسسته عبر مجلس إدارة استراتيجي ذي نفوذ مالي وتخطيطي واسع، أن ينقل إدارة الأصول السيادية غير المادية إلى مصاف العالمية؛ خاصة عند تكتيل جهود ومؤهلات مؤسسات وطنية كبرى وازنة؛ تمثل الذراع الاستثماري للمملكة كـ صندوق الإيداع والتدبير (CDG)، والحصن القانوني للملكية الفكرية المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية (OMPIC)، وناقلي الهوية المغربية للعالم كـ الخطوط الملكية المغربية والمكتب الوطني المغربي للسياحة، إلى جانب القوة التمويلية والصناعية لـ المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، والأبناك والصناديق التمويلية السيادية، إضافة إلى الفاعل الترابي و المنتخب وتتحدد الوظيفة الحيوية لهذه البنية المؤسساتية الجديدة في صياغة ‘عقود الترخيص وحقوق الامتياز الفاخرة (Franchise & Licensing) وإدارة الحقوق الفكرية عبر ثلاثة أبعاد تنظيمية مستلهمة من النماذج الدولية لحظر الاستغلال العشوائي:

 

– أولا: حوكمة كاريزما الأثر البصري نهارا وليلا؛ محاكاة للنموذج الذكي لـ “برج إيفل” في باريس الذي يفصل بين الملك العام والتجاري محتفظا بالحقوق الاستثمارية الحصرية لعروض إضاءته الليلية، وهو ما سيتيح للمؤسسة المغربية احتكار عقود الرعاية الفنية وحقوق الإضاءة البصرية لواجهة باب منصور التاريخية في التظاهرات الدولية الكبرى.

 

-ثانيا: الحصانة القانونية لوقار المَعلمة؛ تكرارا للتجربة الإيطالية الصارمة لـ “برج بيزا المائل” المستندة إلى قانون التراث (Codice Urbani)، والتي تمنع الشركات التجارية من استغلال الشكل الهندسي المائل للبرج في حملاتها الإعلانية أو صناعاتها العشوائية دون الخضوع لشرط ‘الوقار الأثري’ ودفع إتاوات مالية لفائدة الخزينة، مما يضمن صيانة الهوية البصرية لـ (Bab Mansour ®) وضبطها الصارم تحت سلطة مؤسسات الدولة.

 

-ثالثا: مأسسة المخطوطات والإنتاج الإبداعي الفاخر؛ إسوة بنموذج “متاحف الفاتيكان” عبر ‘مكتب الصور وحقوق النشر’ وعلامتها التجارية (EMV)، حيث يتم تحويل الإرث التاريخي والزخارف والمخطوطات اليدوية في الباب إلى تراخيص دولية مهيكلة لـإنتاج قطع فنية ومطبوعات فاخرة بورق الذهب لفائدة دور المجموعات الفنية العالمية.

 

يمتد هذا الذكاء التدبيري أيضا ليشمل احتكار براءات النسخ الرقمي ثلاثي الأبعاد، وحقوق الـ (Metaverse) والتوائم الرقمية (Digital Twins) للمَعلمة—محاكاة للتدابير السيادية الصارمة التي سنتها الدولة المصرية لحظر الاستغلال التجاري غير المرخص للتفاصيل الهندسية للأهرامات والمعالم الفرعونية، وكذا النموذج الآسيوي للمدينة المحرمة ببكين في فرض إتاوات على منصات الترفيه الرقمي والموضة. وسيتيح هذا الإطار القانوني الصلب لـ «مؤسسة رواق باب منصور» تكرار تجربة ‘المؤسسة الوطنية لمتنزه تمثال الحرية’ بأمريكا الشمالية في شراكتها التمويلية والتكنولوجية الضخمة مع عمالقة الصناعة كشركة DEWALT، مما يجعل رواق باب منصور ليس مجرد مزار فني، بل منصة سيادية لتوقيع الشراكات الدولية الكبرى، وحاضنة للصناعات الإبداعية، وركيزة للاقتصاد الثقافي الجديد الذي يخلد عبقرية العمارة المغربية ويرتقي بمكانتها في المحافل الاقتصادية الدولية.

 

▪️السند القانوني والتشريعي: نحو إطار قانوني يحمي “هيبة المعمار المغربي”

 

ولا يتحرك هذا الطموح التنموي في فراغ تشريعي، بل يجد سندا متينا في المراجع القانونية الوطنية والمواثيق الدولية؛ إذ يرتكز محليا على القانون رقم 17.97 المتعلق بحماية الملكية الصناعية (كما تم تعديله وتتميمه)، والذي يتيح للدولة تسجيل الرسوم والنماذج المعمارية والمؤشرات الجغرافية للتراث الحرفي المكناسي، مدعوما بـ القانون رقم 86.12 المتعلق بعقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص لضمن المرونة التدبيرية وجذب الرساميل، وكذا القانون رقم 22.80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات المنقوشة، بعد تحيين مقارباته الإدارية لتنتقل من التدبير الحمائي الكلاسيكي إلى أفق ‘التثمين الإيجابي والإنتاجي’. وفي سياق الحكامة الترابية، يستمد المشروع شرعيته التنزيلية من مقتضيات القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات—وتحديدا المادة 82 منه التي تخول لجهة فاس-مكناس صلاحيات ذاتية في إنعاش الأنشطة الاقتصادية وتثمين الموروث الثقافي الجهوي—بتكامل مع القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، والذي يمنح جماعة مكناس بموجب المادتين 92 و130 اختصاصات صريحة لحماية المواقع الأثرية وتأسيس ‘شركات التنمية المحلية أو الجهوية كأذرع تدبيرية مرنة تمتلك الرشاقة المالية لإدارة مجمع (Bab Mansour ®) والتعاقد مع المستثمرين. أما دوليا، فيتسلح المشروع بالترسانة القانونية لـ المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، مستمدا شرعيته الحمائية من مقتضيات «اتفاق مدريد» بشأن التسجيل الدولي للعلامات، و «اتفاق لشبونة» ووثيقة جنيف التابعة له المتعلقة بحماية تسميات المنشأ وتسجيلها الدولي؛ وهي منظومة كفيلة بجعل «مؤسسة رواق باب منصور» آلية هندسية لإنتاج تدفقات مالية ذاتية ومستدامة بالعملة الصعبة تعفي الخزينة العامة من أعباء الترميم التقليدي وتمويل الأنشطة الثقافية والفنية في المعلمة.

 

▪️التنمية الترابية والاجتماعية: ما وراء العائد المادي

 

والأهم من ذلك، أن هذا النموذج يضمن تحقيق ‘عائد اجتماعي مرتفع على الاستثمار، عبر إعادة ضخ هذه العوائد الرمزية والمادية في إعادة تأهيل وهيكلة الفضاءات العامة المحيطة وفق رؤية سينوغرافية وسياحية متكاملة؛ وتحديدا عبر تحويل ساحة “الهديم” التاريخية من مجرد فضاء عبور شعبي عشوائي إلى ساحة ثقافية كبرى وعرض مفتوح يحترم الوقار الأثري للمَعلمة (على غرار الساحات الثقافية الأوروبية الكبرى)، توازيا مع الاستعادة العاجلة لجاذبية ووقار ساحة “للا عودة” وتطهيرها الجذري من مظاهر العبث العشوائي والابتذال البصري الذي تعيشه حاليا—جراء التوظيف غير المتناسب للملاعب الرياضية للقرب والانتشار العشوائي للأنشطة التجارية البسيطة والمقاهي التي تخدش الحرمة الأثرية للسور الإسماعيلي— و إعادة هندستها لتسترد امتدادها الملكي الفسيح وثقلها المخزني الأصيل كحاضن للمهرجانات الفنية الراقية وملتقيات الأعمال الدولية الكبرى. ينضاف إلى ذلك إلزامية إعادة التوظيف الاستراتيجي والأمثل لجميع المباني الإدارية المطلة على الساحة بدون إستثناء؛ عبر نقل وظائفها البيروقراطية التقليدية خارج هذا المربع التاريخي، وإعادة تأهيل بنيتها الهندسية لتتحول إلى مرافق حيوية من متاحف موضوعاتية، مراكز أبحاث تراثية، أو فضاءات استقبال فندقية فاخرة تندمج كليا في الهوية البصرية والسينوغرافية للمشروع الموحد، بحيث تنعكس هذه الرؤية الهندسية والتخطيطية الصارمة مباشرة على الرقي بالبنية التحتية الشاملة للمدينة العتيقة لمكناس، وتأسيس تعاونيات من جيل جديد تحمي الكرامة المهنية للصناع التقليديين المرتبطة حرفهم بالمعلمة، وتضمن الأمن الثقافي القومي للمملكة، اتساقا مع المرتكزات الاستراتيجية للنموذج التنموي الجديد.

 

▪️باب منصور: من رمز إمبراطوري إلى قوة ناعمة في الاقتصاد المعاصر

 

إن استقراء التاريخ العسكري والسياسي الشاهد على عظمة مكناس العاصمة الإسماعيلية يؤكد أن «باب منصور لعلج» لم تكن يوما مجرد جدار من الآجر والزليج المزيّن، بل كانت تجسيدا ماديا حيا لسيادة الدولة، ومنطلقا إستراتيجيا للحركات السلطانية المباركة في معارك تحرير الثغور المستعمرة، وتوحيد البلاد، ولمّ شمل الأمة تحت اللواء الشريف للدولة العلوية المجيدة —أدام الله ظلها الشريف—. فهذه المعلمة الفذة، التي أمر بتشييدها السلطان العظيم المولى إسماعيل وأتمّ بناءها ابنه السلطان المولى عبد الله عام 1732م على يد المهندس “منصور لعلج”، لم تكن واجهة عمرانية فحسب، بل شُيّدت بخصائص عسكرية ودبلوماسية فائقة لتكون البوابة الرئيسية للقصبة السلطانية، وساحة لعرض الجند، و ممرا إجباريا لإستقبال السفراء والبعثات الأجنبية. وتأكيدا على هذه القيمة الاستثنائية، صُنفت «باب منصور لعلج» ومعها مدينة مكناس التاريخية كـ تراث عالمي للإنسانية من طرف منظمة “اليونيسكو” (UNESCO) منذ عام 1996، لكونها تمثل نموذجا حيا ومكتملا للمدينة السلطانية المغاربية التاريخية، ومثالا فذا يدمج بين العمارة المغربية العريقة و النموذج المعماري العسكري السلطاني بأبعاده السيادية.

 

إن هذا المشروع الرائد لتأسيس «مؤسسة رواق باب منصور» يندرج في صلب فلسفة البرنامج الملكي الطموح لتأهيل وتثمين المدن العتيقة، الذي أرسى مقاربة ملكية تجعل من التراث رافعة للتنمية المستدامة، لا مجرد متاحف صامتة. فكما أثبتت الأوراش الملكية الكبرى في حواضر المملكة (مكناس و الرباط و مراكش وفاس والصويرة)، فإن الهدف هو تحويل التاريخ إلى قوة اقتصادية منتجة توفر فرص الشغل وتدعم الصناعة التقليدية، واليوم، في زمن الجيوسياسية المعاصرة التي ترتكز على معارك القوة الناعمة، والحروب المعرفية، والنعومة الاقتصادية الشرسة، تبدو هذه المعلمة الفذة، المحمية بالصكوك القانونية الدولية لليونيسكو، مؤهلة تماما لاستعادة ذات الدور السيادي والريادي، ولكن من واجهة متجددة؛ واجهة ترسيخ «الدبلوماسية الثقافية السيادية» والذود عن حياض الهوية والخصوصية الرمزية للمملكة في الأسواق والمحافل الدولية.

 

إن هذا المشروع الإستراتيجي الطموح لا يقف عند حدود التثمين المالي فحسب، بل يهدف بالدرجة الأولى إلى تحصين إرث سيادي سلطاني أصيل من عبث العابثين، ومحاولات السطو الأيديولوجي، أو التشويه، والابتذال التجاري العشوائي عابر الحدود، واضعا حدا حاسما وقاطعا لكل أشكال التطاول أو الاستنساخ غير المشروع للذاكرة الإمبراطورية للمملكة بقوة الترسانة التشريعية الدولية وصكوك الملكية الفكرية الصارمة. ويتجلى هذا التحصين إجرائيا في قطع الطريق أمام الارتجالية التدبيرية، عبر فرض دفتر تحملات صارم وبمعايير دولية دقيقة تتماشى مع توصيات منظمة اليونيسكو لحماية معالم التراث العالمي، على كل جهة ترتاد أو ترغب في استغلال هذا الفضاء التاريخي لتقديم العروض، أو احتضان الأنشطة والمعارض؛ بما يضمن تماشيها المطلق مع هيبة الأثر ومكانته السيادية، ويقطع نهائيا مع النمطية المتجاوزة التي تفتقر للنفع العام.

 

ومن هذا المنطلق، فإن تحويل هذا الصرح التاريخي الباذخ، عبر إحداث «مؤسسة رواق باب منصور»، إلى أصل استثماري متميز وعلامة تجارية سيادية عابرة للقارات، لا يمثل ترفا تدبيريا أو خيارا ثانويا، بل هو امتداد معاصر، شرعي وذكي، لروح التحرير والبناء الإمبراطوري المتجدد؛ إذ يتيح للمملكة المغربية الشريفة أن تقود حركته التنموية المعاصرة بسلاح هندسة الأصول المعرفية واقتصاد المعرفة المعاصر، محولة أمجاد الأجداد العسكرية والدبلوماسية إلى طاقة إنتاجية واقتصادية متجددة تولد الثروة وتصون كرامة المواطن والمبدع والصانع المغربي. إنها الخطوة الحتمية والدرع الحصين لضمان الاستدامة المادية لحواضرنا التاريخية ضد عاديات الزمن وهشاشة المقاربات الموسمية، ولتثبت المملكة للعالم أجمع أن العبقرية العمرانية والسياسية المغربية قادرة دائما على صياغة أدوات الحداثة والريادة الكونية من قلب الأصالة والسيادة، تماشيا مع الرؤية الملكية السامية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس —نصره الله— التي تجعل من الرأسمال اللامادي حصنا حصينا لسيادة الأمة، ومحركا حقيقيا لرفعتها المادية والمعنوية بين الأمم والشعوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى