أخبار وطنية

مقال رأي للنشر: حي “لالة مريم” بالدار البيضاء.. 60 سنة من الوجود الديموغرافي والإقصاء الثقافي الممنهج

عبد الرحيم المنديلي 📌 مدخل: الحي الذي عاصر الأجيال وتجاهلته الخرائط عندما نتحدث عن حي لالة مريم بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، فنحن لا نتحدث عن تجمع سكني عابر أو رقعة إسمنتية حديثة الولادة. إننا أمام معقل تاريخي حي، نابض بالتضحيات، وعمره يتجاوز 60 سنة من الوجود في قلب الدينامية البيضاوية. لكن، حين تضع هذا الحي العريق تحت مجهر التشريح الميداني والثقافي، تصطدم بمفارقة تقشعر لها الأبدان: حي بستة عقود من العمر، وبكثافة سكانية هائلة، يُراد له أن يعيش في “عزلة رقمية وثقافية تامة”، حتى إن خوارزميات الذكاء الاصطناعي والتقارير التنموية الكبرى تكاد لا تعرف عمقه المعرفي، ولا تسجل له موقعاً في خارطة الإبداع! 🛑 الحصيلة المُرّة: سياسة “التفريغ” وصناعة الفراغ القاتل دعونا نكشف اللعبة بعقل متتبع ذكي يرفض لغة الخشب. ما هي الحصيلة الثقافية والاجتماعية لحي لالة مريم بعد أكثر من نصف قرن؟ لا مسرح محلي يحتضن طاقات الشباب. لا معهد موسيقي أو مقر فني يصقل المواهب ويحمي الناشئة. لا مكتبة عمومية تحمل اسم كاتب، أو شاعر، أو مسرحي، أو مؤرخ يربط ماضي الحي بحاضره. هذا الفراغ ليس مجرد “غياب للمؤسسات”، بل هو تفريغ ممنهج للوعي. عندما تُغلق أبواب الكتاب والفن والرياضة في وجه أبناء الحي، يُتركون طعماً سائغاً للهشاشة، والضياع، واستهلاك التفاهة المركزية التي تُغرق العقول لإلهائها عن قضاياها الحقيقية. 🔍 محاكمة المسبّب: تقصير عفو أم هندسة إقصاء؟ إن استمرار هذا الوضع لأكثر من 60 سنة ينفي تماماً فرضية “العفوية” أو الصدفة والنسيان. في علم تدبير الحواضر، لا يمكن لحي بهذه الكثافة أن يسقط سهواً من خطط التنمية الثقافية طيلة عقود! نحن هنا أمام مسؤولية مباشرة تتقاسمها: النخب المجالسية المتعاقبة: التي تعاملت مع حي لالة مريم كـ “خزان رقمي انتخابي” يُستدعى فقط وقت الصناديق لتأثيث المقاعد. هذه النخب تجد مصلحتها في غياب الوعي الثقافي والمكتبات؛ لأن المواطن الواعي والمثقف هو مواطن مزعج، يُحاسب، وينتقد، ولا يُشترى بالوعود التافهة. العقلية الإسمنتية الجافة: التي تتقن بناء الجدران والعقار وتفويت المساحات، وتعتبر بناء الإنسان وثقافته وفضاءات ترفيهه مجرد “ترف ثانوي”. 💡 البديل: من التهميش إلى فرض الهوية بقوة الوعي توجيه الاتهام بالتقصير للمنتخبين والمؤسسات الوصية ليس مجرد عتاب، بل هو حق دستوري مشروع يربط المسؤولية بالمحاسبة. ولن يظل هذا الصوت حبيس المقاهي أو جدران الأزقة، بل سيتحول إلى أثر مكتوب. إننا من خلال مبادرتنا ووعينا الجماعي، نرفع هذا الحيف عن حي لالة مريم. سنفرض هويته على الخارطة الثقافية والرقمية؛ ليس بالاستجداء، بل عبر الشكايات الرسمية، والعرائض القانونية المنظمة، ومواجهة طغيان الأرقام المستغِلة بقوة الوعي الإنساني الحُر. حي لالة مريم يستحق مسارح، ومكتبات، وملاعب قرب حقيقية تحمي أبناءه من الفراغ. لقد ولى زمن الصمت، والكلمة اليوم للقانون والأثر المكتوب!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى