“كما رأينَه”: شهادة ثلاث نساء في خُلُق النبي ﷺ وخَلْقه

بقلم : د. يوسف الحزيمري
نقل أصحاب السير والسنن أحاديث كثيرة في وصف النبي ، خَلقا وخُلقا، وكانت تلك الأوصاف من مرافق ملاصق كأزواجه وخدمه، أو أصحابه المقربين، أو ممن رأوه عابرا في لحظة أو لحظتين، وكلها تدل على أن حقيقة الكمال النبوي لا يمكن أن تختلف، أو تتعارض فيها الروايات، يقول ابن تيمية رحمه الله: «وقد نقل الناس صفاته الظاهرة الدالة على كماله، ونقلوا أخلاقه من حلمه وشجاعته وكرمه وزهده وغير ذلك».
وقد كان الحسن والحسين رضي الله عنهما وغيرهما حريصين على معرفة وصف الرسول وأخلاقه وحليته في كل شيء للتعلق بذلك، فعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: “سألت خالي هند بن أبي هالة -وكان وصافا- عن حلية النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به…
قال الحسن: فكتمتها الحسين زمانا، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه، يعني إلى هند بن أبي هالة، فسأله عما سألته عنه ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه وشكله، فلم يدع منه شيئا”.[ «سير أعلام النبلاء» (سيرة 2/ 380)]
وكان نساء النبي عرفنه في بيته، وفي خلوته، وفي لحظات البشرية والرسالية، فكانت شهادتهن أدق وأصدق مما قد يُروى في المواقف العامة.
ونقف هنا عند شهادة ثلاثة من النساء، زوجته الأولى خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وزوجته عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها، وامرأة مشهور وصفها للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي أم معبد الخزاعية.
أولًا: خديجة بنت خويلد رضي الله عنها — شهادة الزوجة قبل النبوة:
لم تكن شهادة خديجة رضي الله عنها وصفًا لهيئته الظاهرة، بل كانت شهادة أعمق، شهادة على استقامة خُلُقه قبل أن يُبعث نبيًا، وهذا ما يجعلها فريدة بين كل الشهادات، فحين عاد النبي ﷺ من غار حراء مرتجفًا بعد أول لقاء بالوحي، قائلاً “زملوني زملوني”، لم تتردد خديجة لحظة في طمأنته، بل استحضرت سيرته معها طوال سنوات الزواج شاهدًا على أن الله لن يخذله:(كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتُقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق) (رواه البخاري).
في هذه الكلمات القليلة خمس شهادات متكاملة: صلة الرحم، وحمل الضعفاء، والسعي على الفقراء، وكرم الضيافة، والنجدة عند الشدائد، وهذا يُبرز حقيقة مهمة وهي أن أخلاق النبي ﷺ لم تكن وليدة النبوة، بل كانت صفة ملازمة له قبلها، والنبوة جاءت لتزكيها وتُتوّجها برسالة السماء.
ثانيًا: عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها — شهادة القرب اليومي:
كانت عائشة رضي الله عنها أكثر من روى عن حياته ﷺ في بيته، فجمعت بين وصف الخُلُق والخَلق معًا، ولعل أجمع كلمة قالتها في وصف خُلُقه هي جوابها حين سألها سعد بن هشام عن خُلُق رسول الله ﷺ، فقالت: (كان خُلُقه القرآن) (رواه مسلم). عبارة موجزة لكنها تختصر أن سيرته العملية صلى الله عليه وسلم كانت ترجمة حية لتعاليم القرآن، لا مجرد تلاوة له.
ومن وصفها أيضًا لحياته اليومية داخل البيت: كان “في مِهنة أهله”، يخدم نفسه، يخصف نعله، ويرقّع ثوبه، حتى يُنادى للصلاة فيخرج (رواه أحمد والبخاري في بعض ألفاظه).
فالنبي الذي يوصف بالكمال في المحافل العامة، هو نفسه من كان يخدم أهل بيته بيده.
ثالثًا: أم معبد الخزاعية — شهادة اللقاء العابر
تبقى شهادة أم معبد من أشهر وأدق ما رُوي في وصف الخَلق النبوي، رغم أنها لم تجتمع به إلا لحظات معدودة حين مرّ بخيمتها مهاجرًا.
حيث وصفت رجلاً (ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق)، وفصّلت في هيئته وقامته ووجهه وصوته بدقة لافتة تدل على أثر المهابة الذي تركه في نفسها من أول نظرة.
ونقل ابن كثير عن أبي نعيم وغيره أن “أم معبد هاجرت وأسلمت ولحقتْ برسول الله ”، وهي أم معبد الخزاعية عاتكة بنت خالد، يقال: إنها أسلمت لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم عليها في مهاجرته إلى المدينة، ويقال: إنها قدمت المدينة فأسلمت، وكانت امرأة “برزة” قال ابن الأثير في النهاية: “يقال امرأة برزة إذا كانت كهلة لا تحتجب احتجاب الشواب، وهي مع ذلك عفيقة عاقلة، تجلس للناس وتحدثهم، من البروز وهو الظهور والخروج”.
وحديثها معروف بـ (حديث أم معبد) مشهورـ احتفلت به كتب السيرة والتاريخ والسنن وكتب غريب الأثر أيضا، وقد عده مؤلفا كتاب «قصة الأدب في الحجاز» (ص250):« نثرا جاهليا؛ لأنه قبل تمام الهجرة، وصاحبة هذا النثر لم تكن أسلمت أو تأثرت بالقرآن الكريم.»
قال ابن الأثير في “منال الطالب” (174 -175): حديث أم معبد حديث مشهور بين العلماء، مروي في كتبهم، وهو من أعلام النبوة، ورواه جماعة من الحفاظ عن حبيش صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي من طرق أخرى كثيرة. وقد أخرج أيضا عن أبي معبد نفسه، وعنه عن أم معبد، وأخرج عن أسماء بنت أبي بكر، وأبي سليط الأنصاري.»
والحديث قد حسنه الشيخ الألباني رحمه الله كما في تعليقه على فقه السيرة (ص 168).
ومما ذكرته أم معبد أنه (مَحْفُودٌ محشود) قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (8/ 445) أي: «أن أصحابه يعظمونه ويكرمونه ويخدمونه ويبادرون إلى طاعته، وما ذاك إلا لجلالته عندهم وعظمته في نفوسهم ومحبتهم له».
خاتمة: وماذا عنّا نحن؟
وقفنا مع ثلاث نساء، كل واحدة منهن رأت النبي ﷺ من زاوية مختلفة: خديجة رأته زوجًا قبل أن يكون نبيًا، فشهدت باستقامة خُلُقه من قبل أن ينزل عليه الوحي. وعائشة رأته في بيته، في تفاصيل يومه الصغيرة، فشهدت أن خُلُقه كان القرآن يمشي على الأرض. وأم معبد رأته عابرًا، لحظات معدودة لا تتجاوز زيارة قصيرة، فخرجت بشهادة لم تُنسَ على مر القرون.
ثلاث زوايا مختلفة، لكنها التقت جميعًا على حقيقة واحدة: أن كماله ﷺ لم يكن واجهة تُصنع للمحافل العامة، بل كان جوهرًا ثابتًا لا يتغير سواء كان وحيدًا في بيته، أو أمام أعين الناس، أو في لقاء عابر مع امرأة لم تكن تعرفه من قبل.
وهذا بالذات ما يستحق أن نتوقف عنده ونحن نحتفي بذكرى مولده ﷺ. فالاحتفال الحقيقي بالمولد النبوي لا يكتمل بمجرد الفرح واستذكار السيرة، بل بمحاولة استنساخ شيء من ذلك الكمال في بيوتنا نحن. فكما كان يخدم أهله بيده، ويصل رحمه، ويُقري ضيفه، ويحلم على من أساء إليه – فإن أعظم هدية نُقدّمها له ﷺ في مولده أن نجعل خُلُقنا، كخُلُقه، لا يتغير بين البيت والمسجد، ولا بين الخلوة والجلوة، ولا بين من يعرفنا ومن يرانا للمرة الأولى.
فهل نسأل أنفسنا، كما سأل الحسن والحسين جدهما عن حِلْيته: ماذا لو سُئل أهل بيتنا عنّا؟ بأي خُلُق سيصفوننا؟




