مجتمع

الرأسمال الاجتماعي

 

يحكى أن قرية كثيرة البيوت، متصلة الأنساب، كان أهلها يعرف بعضهم بعضًا معرفة تجعل الغريب فيها أمرًا نادرًا. يعرفون من يسكن عند طرف الوادي، ومن له قريب في الحي الآخر، ومن يستطيع أن يقرض جاره دابة أو يعينه في عمل، ومن يفتح بابه عند الحاجة.

وكان الشيخ يجلس بينهم في بعض الأمسيات، يسمع أخبارهم أكثر مما يتكلم. وفي يوم قال لهم:

ما أكثر ما بينكم من معرفة، وما أقل ما تعرفون كيف تجعلون منها عملًا مشتركًا.

ضحك بعضهم، لأنهم ظنوا أن الرجل يعيد عليهم أمرًا يعرفونه. غير أن الشيخ لم يزد، وترك العبارة تمضي في نفوسهم.

وفي الأيام التالية وقع أن احتاج أهل القرية إلى إصلاح طريق، ثم إلى تنظيم مورد للماء، ثم إلى جمع المال لعمل يشترك فيه الجميع. عندها ظهر أمر لم يكن ظاهرًا في مجالسهم القديمة: المعرفة وحدها لا تكفي، والعلاقة بين شخصين لا تصير قوة للجماعة إلا حين تقوم على الثقة، وتنتج تعاونًا، وتسمح للناس بأن ينظموا جهودهم حول غرض مشترك.

قال الشيخ لمن حوله:

هنا يبدأ الفرق بين أن تكون للناس علاقات، وأن يكون للمجتمع رأسمال اجتماعي.

لم يكن المصطلح جديدًا في عالم الفكر. فمنذ أن استعمله ليديا جوديث هانيفان سنة 1916 في حديثه عن حياة الجماعات المحلية، أخذت الفكرة تتسع في الدراسات الاجتماعية. ثم أعاد بيير بورديو النظر فيها من زاوية الموارد التي تمنحها الشبكات والعلاقات، وتناولها جيمس كولمان باعتبارها موردًا يسهل الفعل والتعاون، وجعل روبرت بوتنام الثقة والشبكات والمعايير المدنية جزءًا أساسيًا من تفسير قدرة المجتمعات على العمل الجماعي.

وكان الشيخ يرى أن الأسماء تتغير، أما المسألة التي تواجه أهل القرية فتبقى بسيطة: ماذا يحدث حين تتحول المعرفة المتبادلة إلى ثقة، والثقة إلى تعاون، والتعاون إلى قدرة على الفعل؟

فالعلاقات الاجتماعية قد تكون واسعة، وقد يبقى أثرها محدودًا إذا لم توجد قواعد تحفظها، وثقة تسمح بتبادل المعلومات، واستعداد للتعاون، وتنظيم يحول الرغبات المتفرقة إلى عمل يمكن متابعته.

ولهذا لم يعد اجتماع أهل القرية حول مصلحة مشتركة مجرد اجتماع للمعارف والأصدقاء. حين أنشؤوا جمعية لتنظيم بعض شؤونهم، بدأت العلاقات القديمة تكتسب وظيفة جديدة. صار الاجتماع منتظمًا، والمعلومة تنتقل أسرع، والمسؤولية موزعة، والمطلب الذي كان يقال في مجلس صغير صار له عنوان يمكن مخاطبة المؤسسات به.

وكان الشيخ يتابع ذلك كله، فإذا رأى أحدهم يخلط بين كثرة الأعضاء وقوة الجمعية قال:

الجمعية لا تقاس بعدد من يعرفون أسماء بعضهم، وإنما بما يستطيعون أن يفعلوه معًا.

ومن هذه التجربة بدأ أهل القرية يفهمون معنى آخر للمشاركة. فالمواطن الذي تعود أن يجتمع مع غيره حول شأن عام، ويعرض مطلبًا، ويناقش ميزانية مشروع، ويتابع تنفيذ قرار، لا يعود ينظر إلى الشأن العام باعتباره أمرًا بعيدًا عن حياته اليومية.

وحين اتسعت مطالبهم، وجدوا أنفسهم أمام المؤسسات المنتخبة. هناك فهموا أن المنتخب لا يحمل عصًا سحرية، وأن صلاحياته يحددها القانون، وأن القرار العام لا يصنعه شخص واحد، مهما كان موقعه، وإنما تصنعه مؤسسات واختصاصات ومساطر وموارد ومسؤوليات متداخلة.

قال الشيخ ذات مساء:

«من لا يعرف حدود الصلاحيات قد يطلب المستحيل من رجل واحد، ومن يعرف كيف تعمل المؤسسات يستطيع أن يحول حاجته إلى مطلب قابل للنقاش والمتابعة.»

وكان لهذا الفهم أثره في نظرتهم إلى السياسة نفسها. فالمشاركة السياسية لم تعد عندهم يومًا ينتخب فيه الناس ثم يعود كل واحد إلى شأنه. صارت الأحزاب والجمعيات والهيئات المدنية، بما تتيحه من أطر للتنظيم والتعبير والتأطير، جزءًا من الحياة التي يمكن أن تتحول فيها المطالب الفردية إلى قضايا عامة.

ولم يعد أهل القرية ينظرون إلى الاختلاف بينهم باعتباره عيبًا ينبغي إخفاؤه. فقد اكتشفوا أن المجتمع لا يحتاج إلى أن يتفق أفراده في كل شيء حتى يعملوا معًا، وإنما يحتاج إلى قواعد تسمح لهم بالاختلاف دون أن تنقطع بينهم جسور التعاون.

وكان الشيخ يقول:

القوة ليست في أن تتشابهوا، وإنما في أن تعرفوا كيف تختلفون من غير أن يهدم بعضكم ما يبنيه بعض.

وعندما عرفوا أن القانون يتيح صورًا أخرى للمشاركة، كالعريضة والملتمس وآليات التشاور والحوار، تغيرت علاقتهم بالمؤسسات. لم تعد هذه الوسائل ألفاظًا بعيدة في النصوص، وإنما صارت أدوات تحتاج إلى معرفة وتنظيم ومتابعة. فالمشاركة التي لا تعرف طريقها إلى المؤسسة تظل رغبة، والمطلب الذي لا يملك أصحابه القدرة على صياغته ومتابعته قد يضيع بين كثرة المطالب.

وكان الشيخ يرد على من يظن أن مجرد رفع المطلب يكفي:

المشاركة تبدأ بالكلام، لكنها لا تنتهي عنده.

ومع الوقت تغيرت نظرة أهل القرية إلى حاجاتهم اليومية. فالطريق لم يعد مجرد طريق، والماء لم يعد مجرد مورد، والمدرسة لم تعد بناية، والصحة لم تعد شأنًا فرديًا. أصبحت هذه كلها قضايا يمكن جمع المعلومات حولها، وترتيب الأولويات بشأنها، ومناقشة كلفتها، ومتابعة تنفيذها، ومساءلة من تقع عليه المسؤولية.

هنا أدركوا أن الرأسمال الاجتماعي له علاقة وثيقة بالتنمية. فالمجتمع الذي يستطيع أن يتعاون، وأن يثق في بعض مؤسساته، وأن يتبادل المعلومات، وأن ينظم مطالبه، يمتلك قدرة إضافية على فهم مشكلاته والتصرف في موارده ومراقبة ما ينجز باسمه.

غير أن الشيخ لم يسمح لهم بأن يفرحوا بالفكرة أكثر مما ينبغي.

قال لهم:

احذروا من القوة التي تصنعونها إذا جعلتم أبوابها لا تفتح إلا لأصحابكم.

فالشبكات الاجتماعية التي تبني الثقة داخل الجماعة قد تتحول، إذا انغلقت على نفسها، إلى وسيلة لإقصاء من هم خارجها. وقد يصبح القرب من أصحاب النفوذ طريقًا إلى المعلومة والفرصة، بينما يبقى البعيد عنها خارج الدائرة. وقد تتحول الثقة الخاصة إلى محاباة، وتتحول المعرفة إلى وساطة، وتتحول الجماعة المتماسكة إلى شبكة مغلقة تعيد إنتاج الامتيازات نفسها.

سكت أهل القرية، لأنهم وجدوا في كلام الشيخ شيئًا من أحوالهم.

فالرأسمال الاجتماعي ليس خيرًا خالصًا ولا قوة محايدة في كل الأحوال. قيمته تتوقف كذلك على طبيعة الروابط التي يقوم عليها، وعلى قدرتها على الانفتاح على الآخرين. فهناك روابط تشد أفراد الجماعة بعضهم إلى بعض، وهناك روابط تصل الجماعة بغيرها. وإذا اشتدت الأولى وانقطعت الثانية، أمكن للتضامن أن ينقلب إلى انغلاق، وللثقة أن تصبح امتيازًا محصورًا، وللمعلومة أن تتحول إلى سلطة لا يعرفها إلا المقربون.

قال الشيخ:

من عرف كيف يحفظ جماعته، فليتعلم كذلك كيف يفتح لها بابًا إلى غيرها.

عندها بدأ أهل القرية ينظرون إلى ما بينهم بطريقة مختلفة. لم تعد قيمة العلاقة في قربها وحده، ولا قيمة الجمعية في عدد أعضائها، ولا قيمة المشاركة في كثرة الكلام عنها، ولا قيمة المؤسسة في وجود اسمها على الورق.

صارت المسألة أعمق من ذلك كله.

الرأسمال الاجتماعي هو أن تتحول الثقة إلى قدرة على الفعل، وأن تحمل الشبكات المعرفة والمعلومة، وأن تحمي القواعد التعاون من الفوضى، وأن يجد الناس في تنظيمهم وسيلة لتحويل حاجاتهم المتفرقة إلى شأن عام يمكن عرضه ومناقشته ومتابعته.

وكان الشيخ، كلما سمع أحدهم يتحدث عن المال والثروة، يبتسم ويقول:

للناس ثروات يحصونها، وثروات لا تظهر في الحساب.

ثم ينظر إلى أهل القرية وهم يتدبرون أمرًا من أمورهم، فيقول:

ومن الثروات التي لا تظهر في الحساب أن يعرف الناس كيف يثق بعضهم ببعض، وكيف يعملون معًا، وكيف يجعلون اختلافهم بابًا للتدبير لا سببًا للقطيعة.

ولم يكن يريد أن يقنعهم بأن كل علاقة نافعة، أو أن كل جماعة متماسكة صالحة، أو أن كل مشاركة تؤدي إلى نتيجة حسنة. كان يريد منهم شيئًا أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن يعرفوا ما الذي يجعل العلاقة موردًا للمجتمع، وما الذي يجعلها بابًا للانغلاق؛ ما الذي يحول الثقة إلى تعاون، وما الذي يحولها إلى محاباة؛ وما الذي يجعل التنظيم وسيلة لخدمة الناس، وما الذي يجعله وسيلة لحماية دائرة ضيقة.

وبقيت القرية كما كانت في ظاهرها: بيوت متجاورة، وأهل يعرف بعضهم بعضًا، ومصالح يومية تتكرر.

غير أن شيئًا تغير في طريقة نظرهم إلى تلك العلاقات.

فقد عرفوا أن المجتمع لا يصبح قويًا بمجرد أن يكون أفراده متصلين، وإنما حين يستطيعون أن يجعلوا من اتصالهم قدرة على التعاون، ومن تعاونهم فعلًا عامًا، ومن فعلهم العام مسؤولية قابلة للنقاش والمراقبة.

أما الشيخ، فظل يجلس بينهم كما كان يفعل منذ البداية، قليل الكلام، كثير النظر.

وكان أهل القرية قد تعلموا أخيرًا أن بعض الثروات لا تُرى إلا عندما تتحرك. بقلم : الحسان الغوالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى