العقيدة البحرية المغربية: بين طموح السيادة وإكراهات التحولات الجيوسياسية — خمس مفارقات حول: SIPORTS 2026 —

بقلم : البراق شادي عبد السلام
تستند السيادة البحرية في العقيدة الاستراتيجية المعاصرة للمملكة المغربية إلى إرث تاريخي ضارب في القدم، حيث استمدت الدولة قوتها عبر العصور من تمكنها الأمثل من مجالها البحري الذي شكل صلة وصل حضارية وجسرا للتوسع التجاري والدبلوماسي بين القارات. وتتجاوز الأدوار الحديثة للموانئ بصفتها نقاط عبور تقليدية لتستعيد بريقها كمنصات استباقية قادرة على امتصاص الصدمات الناتجة عن الاضطرابات الجيوسياسية المتسارعة، مستلهمة من ذلك التاريخ المتميز روح المبادرة لتحويل “المرونة المينائية” إلى خيار سيادي حتمي يزاوج بين التطلعات التنموية المسطرة في النموذج التنموي الجديد وبين الطموحات القارية للمبادرة الملكية الأطلسية، مما يمنح الدولة قدرة عالية على المناورة في بيئة دولية تتسم بضبابية الرؤية وتقلب سلاسل الإمداد العالمية.
وتجسد الرؤية الملكية المستنيرة خارطة طريق طموحة تنقل المغرب نحو آفاق أرحب من الريادة الإقليمية، عبر استشراف آليات الاندماج القاري وتحويل الواجهة الأطلسية إلى مركز ثقل استراتيجي يربط مصالح المملكة بعمقها الأفريقي وإمتدادها الدولي، ويتجلى هذا التوجه الحكيم في بعث الأمجاد البحرية عبر تحويل الموانئ إلى أقطاب اقتصادية ولوجستيكية ذكية تكرس مكانة المغرب كقوة بحرية صاعدة ومحور لا غنى عنه في الملاحة الدولية. ويشكل الاستثمار في البنية التحتية المتطورة أداة ردع اقتصادية وسياسية تضمن تدفق المبادلات وحماية المصالح العليا، بالتوازي مع فتح آفاق رحبة أمام دول الساحل الأفريقي للولوج إلى الأسواق العالمية بروح من التعاون جنوب-جنوب. إن هذا الربط بين العراقة التاريخية والحداثة التقنية يحول الساحل الأطلسي إلى فضاء للازدهار والأمن الجماعي، ويكفل للمغرب ريادة بحرية تمكنه من مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين بكفاءة واقتدار ، وتكتسب هذه العقيدة راهنيتها القصوى اليوم في ظل حرب المضائق وتفاقم التهديدات الأمنية بمضيق هرمز وباب المندب، مما يعزز محورية المغرب كصمام أمان جيوسياسي بإشرافه الاستراتيجي على الواجهة الجنوبية لمضيق جبل طارق؛ ويتجسد هذا الطموح في التكامل الوظيفي بين ميناء طنجة المتوسط وميناء الناظور غرب المتوسط مع المشاريع الأطلسية المهيكلة كـ ميناء الداخلة الأطلسي، مما يحول الواجهة البحرية للمملكة بمشاريعها الأطلسية والمتوسطية إلى ملاذ لوجستيكي سيادي يضمن استمرارية الملاحة الدولية بعيداً عن بؤر التوتر وقبضة التهديدات الإرهابية للجماعات فوق الوطنية.
وتتوج المبادرة الأطلسية للمملكة المغربية هذا المسار الاستراتيجي عبر إطلاق مشاريع هيكلية كبرى تتجاوز الحدود الوطنية لتصيغ واقعا اقتصاديا جديدا على المستويات الإقليمية والقارية، حيث يبرز مشروع ميناء الداخلة الأطلسي كرافعة أساسية لربط القارة الأفريقية بالأسواق العالمية وتوطين الصناعات التحويلية المتطورة. وينسجم هذا الطموح مع مشروع أنبوب الغاز الطبيعي بين المغرب ونيجيريا الذي يمثل شريان حياة طاقي لتعزيز التكامل الاقتصادي لبلدان غرب أفريقيا، مما يحول الواجهة البحرية للمملكة إلى قطب جاذب للاستثمارات الدولية ومحرك للتنمية المستدامة والاندماج القاري الشامل. إن هذه المشاريع الكبرى، المدعومة بالبنية التحتية المينائية واللوجستيكية المبتكرة، تكرس دور المغرب كقائد استراتيجي في الفضاء الأطلسي، وتساهم في بناء تكتل اقتصادي قوي قادر على مواجهة التحديات الكبرى وضمان الاستقرار والازدهار لعموم شعوب المنطقة في ظل قيادة ملكية تستشرف المستقبل برؤية ثاقبة.
وشكل الخطاب الملكي السامي لجلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 48 للمسيرة الخضراء الإطار المرجعي لتعزيز مقومات السيادة الاقتصادية، عبر الدعوة الصريحة لتسهيل الربط بين مختلف مكونات الساحل الأطلسي وتطوير منظومة لوجستيكية متكاملة، تضع في صلب اهتماماتها تطوير وتحديث الموانئ القائمة وإنشاء منشآت مينائية جديدة بمعايير دولية، مع التفكير في تكوين أسطول بحري تجاري وطني قوي وتنافسي يعيد للمغرب ريادته في الملاحة الدولية. ويمتد هذا الطموح ليشمل إقامة اقتصاد بحري متكامل في الصحراء المغربية يواكب توسعها الحضري ويخدم ساكنتها، من خلال تطوير التنقيب عن الموارد الطبيعية في عرض البحر، ومواصلة الاستثمار في الصيد البحري، مع جعل تحلية مياه البحر رافعة أساسية لدعم الأنشطة الفلاحية والنهوض بالاقتصاد الأزرق. فهذا الربط الوثيق بين استغلال الثروات البحرية ودعم الطاقات المتجددة يكرس رؤية المملكة في تحويل الواجهة البحرية الأطلسية و المتوسطية إلى فضاء للازدهار المشترك، حيث تساهم هذه المشاريع السيادية في تعزيز المرونة الاقتصادية وتحويل الواجهة البحرية إلى قطب دولي يزاوج بين النجاعة التقنية والتنمية المستدامة بكفاءة واقتدار .
وفي هذا السياق، يندرج تنظيم – المعرض الدولي للموانئ والنظام البيئي المينائي 2026 SIPORT – بالجديدة كمبادرة استراتيجية من القطاع الخاص، تحظى بمواكبة دقيقة من وزارة التجهيز والماء وبشراكة متينة مع مؤسسات سيادية وإستراتيجية، الأمر الذي يعكس بوضوح عمق الشراكة بين القطاع العام و القطاع الخاص في خدمة المصالح العليا للمملكة. وباعتباره فضاء تفاعليا، يشكل هذا المعرض ملتقى دوليا يجمع كبار الفاعلين في صناعة الموانئ، والنقل البحري، والحلول اللوجستيكية الذكية، حيث يهدف أساسا إلى تسليط الضوء على المشاريع الهيكلية الكبرى، وتبادل الخبرات حول أحدث التكنولوجيات العالمية في إدارة المحطات المينائية وتكريس مفاهيم الموانئ الذكية والخضراء. ومن هذا المنطلق، تجسد هذه المنصة التكامل الوظيفي بين الرؤية الرسمية للدولة والدينامية المقاولاتية، وذلك في سعي مشترك لتحويل التوجهات السيادية إلى واقع تقني ملموس يوطن الابتكار ويحقق التميز العملياتي. بناء عليه، فإن هذا الانفتاح المؤسساتي يجعل من الفاعل الخاص شريكا محوريا في بناء “المرونة المينائية” وتحصين الأمن الإمدادي، مما يساهم في تحويل هذا المحفل الدولي إلى فضاء لتكريس الريادة المغربية في المجال الملاحي واللوجستيكي .
غير أن إطلالة فاحصة على البرنامج العلمي لهذا المعرض تظهر جملة من الملاحظات الأساسية؛ فبالرغم من الغنى الظاهري للمحاور المقترحة والحضور المتميز لكفاءات وطنية متميزة و لمتدخلين وخبراء يمثلون كبريات المؤسسات والشركات من مختلف دول العالم، إلا أن هذا الزخم الدولي يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى مواءمة هذه الطروحات مع الخصوصيات الاستراتيجية للمجال البحري المغربي ، هذا التنوع العالمي في المداخلات، وإن كان يعكس جاذبية المنصة المينائية الوطنية، إلا أنه يكشف عن نقاط ضعف تتطلب المعالجة، أبرزها:
▪️ أولا: النخبوية المؤسساتية وفجوة المقاربة التشاركية
يعاني البرنامج من نخبوية مؤسساتية واضحة، حيث يهيمن “الصوت الرسمي” والخبراء الدوليون على منصات المداخلات، في مقابل تغييب مقلق لـ “الفاعل الميداني” الذي يمثل العصب الحي للموانئ. ولا يوجد في البرنامج أي متحدث يمثل المركزيات النقابية، أو الجمعيات المهنية للمقاولات الصغرى والمتوسطة، أو الفاعلين في النقل الطرقي المينائي؛ مما يجعل النقاش يدور في “برج عاجي” مؤسساتي بعيداً عن “أرصفة الموانئ” ومعاناة الفاعل اليومي وإكراهات التنزيل الواقعي. هذا التغييب يهدد بنشوء قطيعة بين المخططات الاستراتيجية وبين الواقع العملي للمهنيين، ويحول الشعارات البيئية والتحول الأخضر إلى أهداف معزولة عن سياقها المالي، في ظل غياب المؤسسات التمويلية الوطنية التي يفترض أن تقدم حلول ائتمانية واقعية تدعم هذه الفئات في مواجهة المعايير الدولية الصارمة ، حيث يظهر البرنامج سيطرة مطلقة لمدراء المؤسسات العمومية والمنظمات الدولية على جميع الجلسات، مع انعدام تام لأي تمثيلية للنقابات العمالية أو مقاولات الخدمات اللوجستيكية الصغرى التي تواجه التحديات اليومية للتشغيل والتمويل.
▪️ثانيا: قصور التكامل اللوجستيكي وغياب استراتيجية الأمن السيبراني :
يسجل البرنامج قصوراً في الرؤية اللوجستيكية المتكاملة، حيث ينحصر التركيز في “الواجهة البحرية” وداخل أسوار الموانئ، مع إغفال حلقات الوصل الحيوية كالربط السككي والمناطق اللوجستيكية الجافة التي تضمن انسيابية البضائع نحو العمق القاري. فضلاً عن ذلك، يلاحظ غياب مقلق لمحور “الأمن السيبراني المينائي” وتوطين خوارزميات الذكاء الاصطناعي السيادي، وهي ثغرة استراتيجية تهدد السيادة الرقمية للمنشآت الحيوية في ظل الرهان المتزايد على الموانئ الذكية والرقمية الشاملة. يضاف إلى ذلك ضعف في “الذكاء الاستباقي” اللازم لإدارة المخاطر الكبرى واليقظة الاستراتيجية، حيث يغيب نقاش رئيسي ومعمق حول سيناريوهات تعطل سلاسل الإمداد نتيجة الأزمات الجيوسياسية المتصاعدة أو الكوارث الطبيعية، مما يجعل من مفهوم “المرونة المينائية” مجرد شعار تقني يفتقر لآليات الصمود والخطط البديلة التي تضمن استمرارية السيادة المرفقية للمملكة في أوقات الأزمات ، حيث يقتصر محور “الرأسمال البشري” في اليوم الثالث على عروض تقنية لرقمنة الخدمات، دون إشراك حقيقي للمؤسسات الأكاديمية الوطنية أو مناقشة سبل التكامل بين الأقطاب المينائية الجهوية للمملكة .
▪️ثالثا: فجوة الرأسمال البشري وقصور التكامل المينائي الوطني :
تبرز فجوة واضحة بين الطموح التكنولوجي وبين تأهيل الرأسمال البشري الوطني، حيث تغيب المؤسسات الأكاديمية والجامعات ومعاهد التكوين المهني عن صلب النقاش العلمي، مما يهدد بخلق ارتهان دائم للخبرات الأجنبية ويفرغ “السيادة التقنية” من محتواها البشري والوطني. إن الحديث عن الموانئ الذكية دون استحضار خارطة طريق لتطوير مهن المستقبل وتأهيل الكفاءات المغربية، يجعل من التكنولوجيا مجرد قشرة خارجية تفتقر لعمق محلي مستدام. كما يلاحظ محدودية في معالجة “التنافسية الجهوية” وغياب استراتيجية واضحة للتكامل الوظيفي بين مختلف الموانئ الوطنية، مما قد يؤدي إلى تآكل تنافسي داخلي وتشتت في الموارد بدل العمل ككتلة استراتيجية واحدة متجانسة وقوية، قادرة على فرض تموقعها في مواجهة المنافسة القارية والدولية المتصاعدة ، حيث يقتصر محور “الرأسمال البشري” في اليوم الثالث على عروض تقنية لرقمنة الخدمات، دون إشراك حقيقي للجامعات الوطنية أو مناقشة سبل التكامل بين الأقطاب المينائية الجهوية للمملكة.
▪️رابعا: غياب العمق العملياتي في الشراكة الإفريقية:
رغم استحضار البعد الإفريقي في العناوين الكبرى لهذا المحفل، إلا أنه ظل حبيس التمثيلية الدبلوماسية والبروتوكولية، دون إشراك فعلي ومباشر لمدراء موانئ رائدة في القارة السمراء لتبادل الخبرات التقنية والميدانية. إن هذا الغياب يحرم الفاعلين الوطنيين من فرص حقيقية لبناء تحالفات عملياتية قوية تعزز الاندماج القاري وتدعم المبادرة الأطلسية من منظور تقني وتنافسي مشترك. وعلاوة على ذلك، يفتقر البرنامج إلى ورشات عمل تطبيقية تعالج تحديات الربط المباشر مع دول الساحل، مما يجعل من طموحات “الازدهار المشترك” التي يناقشها المنتدى مجرد أهداف نظرية تفتقد لخارطة طريق تقنية واضحة المعالم تضمن تحويل الخبرات الدولية إلى أدوات فعلية لخدمة العمق الإفريقي للمملكة حيث تقتصر التمثيلية الإفريقية على رؤساء جمعيات إدارية و هيئات تنسيقية، مع غياب تام لمدراء الموانئ العملياتيين والحلول التقنية المباشرة التي تخدم الربط اللوجستيكي مع دول جنوب الصحراء.
▪️خامسا: غياب “المقاربة القانونية” السيادية في البرنامج العلمي :
يسجل البرنامج غياب تام لأي حلقة نقاش أو محور علمي مخصص للشق القانوني والتشريعي، مما يشكل ثغرة استراتيجية تحول دون مواكبة الترسانة القانونية البحرية المغربية، وعلى رأسها مدونة القانون البحري، للتحولات البنيوية المتسارعة التي تفرضها الموانئ الذكية واللوجستيك الأخضر. إن الاكتفاء بالعروض التقنية بمعزل عن فتح نقاش قانوني سيادي يؤطر حماية المنشآت الحيوية والأمن السيبراني والالتزامات البيئية، يحرم المملكة من فرصة ذهبية لصياغة إطار تشريعي وطني متطور يضمن حماية المصالح الاستراتيجية العليا للمملكة ويعزز ريادتها القانونية والعملياتية في الفضاء الملاحي الدولي فين حين لا لا تشير أجندة المعرض في أي من حلقاتها النقاشية إلى الجوانب التشريعية أو القانونية، مما يؤكد تغييب “الوعاء القانوني” الضروري لاحتضان التحولات الرقمية والبيئية المينائية.
تأسيسا على ماسبق هذه القراءة النقدية للبرنامج العلمي لـ معرض SIPORTS 2026 لا تنتقص من قيمته كفضاء دولي للتبادل، بل تسعى لتصحيح مساراته بما يخدم “العقيدة البحرية” الجديدة للمملكة المغربية. إن الرهان اليوم يتجاوز فقط استيراد الحلول التقنية الجاهزة أو الاحتفاء بالشعارات الكونية حول الموانئ الذكية والخضراء؛ بل يكمن في مدى قدرة هذه المحافل على إنتاج “فكر استراتيجي وطني” يوطن المعرفة، ويحصن الترسانة القانونية، ويشرك الفاعل الميداني في قلب القرار اللوجستيكي.
بناء عليه، يظل الهدف الأسمى هو تحويل هذا الزخم العالمي إلى رافعة حقيقية لتعزيز “المرونة المينائية” بمفهومها السيادي الشامل، الذي يزاوج بين الكفاءة التقنية وبين حماية الأمن القومي للمملكة في فضائها الأطلسي والمتوسطي. إن الانتقال من “النخبوية المؤسساتية” إلى “المقاربة التشاركية الميدانية”، ومن “التمثيلية البروتوكولية” إلى “الشراكة الإفريقية العملياتية”، هو السبيل الوحيد لضمان استدامة الريادة المغربية. فالسيادة البحرية الحقة لا تقاس فقط بحداثة الأرصفة والرافعات، بل بمدى قوة الوعاء القانوني، ومتانة الرأسمال البشري الوطني، وحصانة الأنظمة الرقمية السيادية، مما يضمن للمغرب مكانه الطبيعي كقائد جيوسياسي ومحور لا غنى عنه في صياغة مستقبل الملاحة العالمية، تحت القيادة الملكية الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس التي تستشرف آفاق القرن الحادي والعشرين برؤية واضحة و مواقف راسخة .
* خبير دولي في إدارة الأزمات و تدبير المخاطر و تحليل الصراع




