مجتمع

الرؤية الملكية لمحمد السادس: التنمية الترابية المندمجة بين تثبيت الإستقرار وصناعة الريادة القارية

 

بقلم :  الدكتور جمال العزيز

 

في لحظة دولية تتسم بتقلبات عميقة وإعادة تشكيل موازين القوى، يواصل المغرب تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، ترسيخ نموذج تنموي متفرد قوامه الإستباق والنجاعة والبعد الإستراتيجي. إذ تبرز برامج التنمية الترابية المندمجة كأحد أعمدة الرؤية الملكية التي تسعى إلى بناء مغرب متوازن، قوي ومؤثر قاريا.

 

لقد ارتكزت الرؤية الملكية منذ سنوات على جعل العدالة المجالية مدخلا أساسيا لتحقيق التنمية الشاملة، إدراكا بأن اختلال التوازن بين المجالات يشكل أحد أبرز معيقات الإقلاع الإقتصادي والإجتماعي. وأصبح الرهان مدى قدرة التنمية على تقليص الفوارق وتعزيز الإندماج وتحسين جودة الحياة.

 

ويأتي تأكيد المجلس الوزاري الأخير على مجموعة من الإجراءات والتسريع بالملاءمة القانونية والتنظيمية لتيسير تنزيل برامج التنمية الترابية ؛ على إرادة واضحة لتعزيز حكامة التدبير وتوضيح المسؤوليات لضمان سرعة الإنجاز.

 

لقد أبانت اللقاءات التشاورية التي نظمتها وزارة الداخلية بمختلف أقاليم المملكة، عن وعي جماعي بضرورة تجاوز مجموعة من الإكراهات التي ظلت تعيق تنزيل المشاريع، من بينها تعقيد الإجراءات وتداخل الإختصاصات وضعف التنسيق بين الفاعلين.

 

وفي هذا السياق، يبرز دور الفاعل السياسي كعنصر محوري في إنجاح هذا الورش، بكونه فاعلا استراتيجيا يساهم في هندسة الحلول الترابية ويضمن التقائية البرامج، و يربط المواطن بالفعل العمومي. فالنخب السياسية مطالبة اليوم بالإرتقاء إلى مستوى الرؤية الملكية، عبر تبني منطق الدولة، والإبتعاد عن الحسابات الضيقة التي تؤدي إلى إفراغ المشاريع من بعدها الإستراتيجي.

 

إن برامج التنمية الترابية المندمجة، مشروع لبناء الإستقرار الداخلي، من خلال تقوية الطبقة الوسطى وتوفير فرص الشغل، وتعزيز الخدمات الأساسية؛ وبلورة سياسات عمومية عادلة وفعالة.

 

غير أن الرهان الحقيقي يكمن في ربط التنمية الداخلية برهان الريادة القارية. فالمغرب، الذي عزز حضوره في إفريقيا عبر مشاريع استراتيجية وشراكات متعددة، يسعى إلى تحويل نموذجه التنموي إلى مرجعية إقليمية يعزز مكانته كقوة صاعدة في القارة.

 

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تبني مقاربات مبتكرة تجعل من الجهات منصات تنموية قابلة للتصدير، عبر تطوير نماذج في تدبير الماء والطاقات المتجددة والفلاحة المستدامة والبنيات التحتية. كما يقتضي الأمر تفعيل دبلوماسية ترابية موازية، وإشراك الجماعات الترابية في بناء شراكات مباشرة مع نظيراتها الإفريقية،لتعزيز الإمتداد الإستراتيجي للمغرب.

 

كما أن اعتماد الذكاء الترابي كأداة لتحديث التدبير العمومي،والإستثمار في الرأسمال البشري السياسي يشكل أحد مفاتيح النجاح، حيث يتعين تأهيل نخب قادرة على استيعاب تعقيدات المرحلة، والتفاعل مع انتظارات جيل جديد، يبحث عن خطاب صادق وممارسة فعالة. وهو ما يستدعي القطع مع بعض الأنماط التقليدية، والإنفتاح على الكفاءات لتجديد دماء المؤسسات.

 

إن مغرب المستقبل، مشروع مجتمع يقوم على الإنصاف، والتضامن والإبتكار. وهو ما يجعل من برامج التنمية الترابية المندمجة أداة مركزية لتحقيقه، شريطة توفر إرادة سياسية حقيقية وتعبئة جماعية وثقافة تدبير قائمة على النتائج.

 

وفي النهاية، يبقى تجسيد طموحات المواطنين رهينا ببناء مغرب مستقر داخليا ورائد قاريا وقادر على صناعة مغرب المستقبل بنخب واعية ومسؤولة،تؤمن بمنطق الدولة وتساهم في إنجازات ملموسة تخدم الصالح العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى