الهيئة الناخبة في المغرب: هل تُصوّت للأشخاص أم للبرامج؟

متابعة : عبد الهادي بكور
في كل محطة انتخابية بالمغرب، يعود النقاش ذاته إلى الواجهة: هل يختار الناخب المغربي ممثليه بناءً على البرامج الانتخابية والتصورات السياسية، أم أن الاعتبارات الشخصية والعلاقات الاجتماعية ما تزال المحدد الأساسي للسلوك الانتخابي؟ سؤال يطرح نفسه بقوة في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي تعرفها المملكة، وفي ظل سعي الدولة إلى ترسيخ الممارسة الديمقراطية وتعزيز دور المؤسسات المنتخبة.
لا يمكن إنكار أن جزءاً مهماً من المشهد الانتخابي المغربي ما يزال خاضعاً لمنطق التصويت للأشخاص، خصوصاً في الانتخابات المحلية والجماعية، حيث تلعب العلاقات العائلية والقبلية وشبكات المصالح دوراً مؤثراً في توجيه أصوات الناخبين. ففي عدد من المناطق، لا يُنظر إلى المرشح باعتباره حاملاً لبرنامج سياسي بقدر ما يُنظر إليه كشخص قريب من الساكنة، قادر على التدخل لحل المشاكل اليومية أو الدفاع عن مصالح الجماعة داخل المؤسسات المنتخبة.
هذا المعطى يعكس طبيعة العلاقة التقليدية التي ما تزال تربط جزءاً من المواطنين بالفعل السياسي، حيث يتحول المنتخب في بعض الأحيان إلى وسيط اجتماعي أكثر منه فاعلاً سياسياً يحمل مشروعاً تنموياً واضحاً. كما أن ضعف الثقة في عدد من الأحزاب السياسية ساهم بدوره في تكريس هذا السلوك، خاصة مع تكرار الوعود الانتخابية التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ، ما جعل المواطن يميل إلى تقييم الأشخاص أكثر من تقييم الأحزاب والبرامج.
في المقابل، بدأت تظهر خلال السنوات الأخيرة مؤشرات على تحول نسبي في طبيعة السلوك الانتخابي، خصوصاً داخل المدن الكبرى وفي صفوف الشباب والطبقات المتعلمة. فقد ساهم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتوسع النقاش العمومي حول قضايا التشغيل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية في رفع مستوى الوعي السياسي لدى فئات من الناخبين، الذين أصبحوا أكثر اهتماماً بمضمون البرامج الانتخابية وبمدى قدرة الأحزاب على تقديم حلول واقعية للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن التطورات التي يعرفها المجتمع المغربي جعلت جزءاً من المواطنين أكثر ميلاً إلى ربط التصويت بالمحاسبة وتقييم الحصيلة، بدل الاكتفاء بالاعتبارات الشخصية أو الانتماءات التقليدية. غير أن هذا التحول ما يزال نسبياً، بالنظر إلى استمرار مجموعة من العوامل التي تؤثر في حرية الاختيار، من بينها المال الانتخابي وضعف التأطير الحزبي وتراجع الثقة في المؤسسات السياسية.
وتختلف طبيعة التصويت أيضاً بحسب نوع الاستحقاقات الانتخابية، إذ يبرز العامل الشخصي بشكل أكبر في الانتخابات الجماعية والمحلية بحكم ارتباط المنتخب المباشر بحياة المواطنين اليومية، بينما تحضر البرامج والسياسات العمومية بشكل أوضح خلال الانتخابات التشريعية، وإن كان تأثير الأشخاص لا يغيب بشكل كامل.
ويرى عدد من المتابعين أن بناء سلوك انتخابي قائم على البرامج يظل رهيناً بمدى قدرة الأحزاب السياسية على استعادة دورها التأطيري، وتقديم نخب سياسية قادرة على إقناع المواطن بجدوى العمل السياسي. كما أن تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة يشكلان عنصرين أساسيين لإعادة بناء الثقة بين الناخب والمؤسسات المنتخبة.
إن الهيئة الناخبة في المغرب تبدو اليوم وكأنها تعيش مرحلة انتقالية بين منطق التصويت التقليدي القائم على الأشخاص والعلاقات المحلية، وبين بروز وعي سياسي جديد يسعى إلى جعل البرامج والكفاءات أساساً للاختيار الديمقراطي. ورغم بطء هذا التحول، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن النقاش حول جودة البرامج والسياسات العمومية بدأ يفرض نفسه تدريجياً داخل المشهد الانتخابي المغربي، في انتظار ترسيخ ثقافة سياسية تجعل من الانتخابات فضاءً حقيقياً للتنافس بين المشاريع المجتمعية لا مجرد منافسة بين الأفراد




