خطاب الملك محمد السادس في عيد العرش : «دولة-أمة» تصنع جغرافيتها السيادية

بقلم: البراق شادي عبد السلام
لم يكن الخطاب الملكي السامي الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء العرش العلوي المجيد، مجرد محطة تقويمية عادية، بل جاء بمثابة وثيقة مرجعية مفصلية تؤسس لـ مرحلة فاصلة وتنعكس فيها مظاهر النضج الاستراتيجي في مسار المغرب الصاعد؛ مسار ينظر إلى أرقام النمو التي لامست 4.9% وطفرة صادرات السيارات والطيران التي تجاوزت الأربعين بالمئة كجزء لا يتجزأ من مذهب في الحكم تؤكد فيه القيادة الملكية أن: كل ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة توجه استراتيجي واضح، ومذهب في الحكم، يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة، والنقد الذاتي البناء، والتطلع إلى المستقبل، بكل عزم وروح إيجابية. (انتهى الاقتباس). إن هذه اللحظة التاريخية تجسد الانتقال التدريجي والواثق للمملكة نحو ترسيخ مكانتها كـ قوة إقليمية صاغت مفهومها الخاص للسيادة الشاملة؛ سيادة تبدأ من استباق جيل الهيدروجين الأخضر عبر تنزيل عرض المغرب والقطاعات المندمجة للبطاريات الكهربائية، وتصل إلى وضع اللبنات الصلبة لـ الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، مستندة إلى استقرار سياسي ومؤسسي فريد يعد بمثابة شرط شارط للتنمية وسط محيط يعج بالتقلبات.
وتكشف القراءة الفاحصة للغة المنطوق الملكي السامي ملامح جغرافية سياسية جديدة تعيد فيها المملكة ترتيب شراكاتها الدولية وفق منطق التنويع والندية؛ إذ لم تعد مكانة المغرب كـ فاعل دولي موثوق ومحترم ومسموع تبنى على حسابات الظرفية، بل أصبحت تتيح له اليوم أن يستحضر بكل اعتزاز وقوة مقومات نفوذه الخارجي؛ حيث أشار جلالته إلى أن المغرب أصبح فاعلا اقتصاديا مهما، وشريكا مطلوبا… وهو ما مكنه أن يسائل، بكل ثقة ووضوح، جميع شركائه، وأن يطرح عروض شراكات بناءة ومبادرات تعاون واعدة بخصوص مختلف القضايا الكبرى (انتهى الاقتباس)، متجاوزا الحدود الزمنية للولايات الحكومية نحو شرعيات الإنجاز التراكمي العابر للسنوات. ويرتكز هذا التوجه الاستراتيجي على عمق أخلاقي وإيماني متجذر يستمد قوته من قيم إمارة المؤمنين ونبل الشرف الممتد لسلالة الملوك والسلاطين العظام؛ حيث تجلت التزكية الروحية والأخلاقية السامية في تأكيد جلالة الملك السامي بأنه: لم أبحث يوما عن مجد شخصي، أو عن الاعتراف بدور ريادي، على المستوى القاري أو الدولي؛ بل كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم. (انتهى الاقتباس). إنها لحظة تجل تجسد نبل القيادة الرشيدة التي تجعل من السلطة نكرانا للذات، معيدة صياغة التنمية على قواعد الأمانة والخدمة والمسؤولية. وتتجه هذه المكاسب لخدمة غاية أسمى، وهي تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، لتظل الاستحقاقات الكبرى القادمة مجرد استمرار واثق لورش تنموي سيادي عنوانه العريض: الحفاظ على المكاسب، انتزاع المبادرة، وتعميق التلاحم التاريخي الخالد بين العرش والشعب.
وفي نفس السياق، يمثل الحديث عن استيعاب اربعين بالمئة من إجمالي الصادرات عبر قطاعي السيارات والطيران تحولا هيكليا تجاوز حدود جذب الاستثمارات إلى خيار تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي. لقد كشف الخطاب الملكي عن دخول المملكة بفضل التوجيهات السامية إلى النادي المصغر للدول المتوفرة على أكبر المراكز الصناعية في مجال محركات وأنظمة هبوط الطائرات، والربط بين الطاقة النظيفة الخالية من الكربون وجذب الاستثمارات. إن هذه النقلة لا تقف عند حدود تنويع الصادرات وتجاوز ارتهان الفسفاط، بل تترجم عمليا مفهوم السيادة المادية الذي امتد لـ الصناعات الغذائية والدوائية لتغطي ثمانين بالمئة من الحاجيات الوطنية، مع إقامة قاعدة صناعية وتكنولوجية واعدة في مجال الدفاع والأمن الرقمي.
وفي الوقت الذي تخضع فيه العديد من الكيانات الإقليمية لضغوط التفكك والتراجع، قدم الخطاب الملكي السامي الاستقرار السياسي والمؤسسي بوصفه مرتكزا لا بديل عنه، مستحضرا جلالته هذه الحقيقة الجيو-سياسية البالغة بكونه: في محيط إقليمي ودولي مطبوع بكثرة التقلبات والاضطرابات، يشكل الاستقرار السياسي والمؤسسي عملة نادرة، لا تقدر بأي ثمن. فالاستقرار اليوم، هو العامل الأساسي في معادلة التنمية، وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب. (انتهى الاقتباس). وهذا المنطق هو الذي يعكس عمق الملتحم الشعبي بالعرش العلوي؛ إذ إن نجاعة النموذج المغربي لا تنبع فقط من مؤشرات النمو الاقتصادية المرتفعة، بل من قدرة مؤسسات الدولة-الأمة العريقة على التدبير الاستباقي للأزمات—سواء في إدارة مخاطر الكوارث كالفيضانات، أو في التنظيم الاحترافي للتظاهرات الدولية الكبرى. إن هذا التماسك المؤسسي هو الذي يمنح الرباط القدرة على إرساء قواعد الشراكة المتوازنة والمسؤولة بعيدا عن أي تبعية.
إن أعمق التوجيهات السياسية التي حملها الخطاب تتجسد في ترسيخ الرؤية التنموية طويلة المدى، برفع المكاسب الوطنية فوق الزمن الحكومي والبرلماني الضيق؛ إذ جزم المنطوق الملكي السامي بأن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا. (انتهى الاقتباس). فالمرحلة القادمة، المنبثقة عن الانتخابات التشريعية المرتقبة، ليست مجرد محطة لتداول السلطة، بل هي إطلاق لـ دورة تنموية جديدة ترتكز على تحصين المكاسب ومواصلة الإصلاحات الكبرى. ويتطلب هذا الأفق انخراطا حازما من القطاع المالي والبنكي عبر تعبئة الادخار المؤسساتي وإنعاش الأسواق المالية، وتوسيع الولوج للتمويلات البنكية وغير البنكية الموجهة للمقاولات الصغرى والمتوسطة وللابتكار والتصدير.
ختاما، تتجلى القوة الحقيقية للخطاب الملكي السامي في كونه يضع المغرب أمام مرآة تحولاته الكبرى ويحدد معالم مرحلة فارقة تؤكد أنه يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل، على خطابات اليأس والإحباط. (انتهى الاقتباس). لم يكن هذا التفاؤل المعبر عنه مجرد حالة شعورية، بل نتاج رؤية استراتيجية وضعت على سكة التنفيذ عبر برامج التنمية الترابية المندمجة وتعميم الحماية الاجتماعية وتطوير النسيج الإنتاجي الوطني. لقد أثبتت المملكة أن استقرارها المؤسسي واعتزازها بتراثها يشكلان الركيزة الأساسية لكل تقدم، والسلاح الأنفع في مواجهة التقلبات الدولية.
إن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يقتصر على مواصلة تحقيق الإنجازات و الأرقام في قطاعات التصنيع، والسياحة، والطاقات المتجددة، بل يمتد إلى ترجمة هذه القوة الاقتصادية بشكل متوازي و مترابطةإلى أثر ملموس في الحياة اليومية لجميع المغاربة. إنها دعوة ملكية صادقة مفتوحة لكافة الفاعلين لتجاوز الحسابات الضيقة والارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية، ضامنين بذلك استمرار هذه الملحمة التنموية التي تجعل من البلاد فاعلا دوليا مسموع الكلمة، وقطبا إقليميا يحسب له ألف حساب.




