كيف يتاجر أصحاب الريع السياسي بمستقبل تكوين الموظفين والأجراء؟ الى حدود نشر مغالطات حول مجانية التعليم

ذ. الحسين اسلام
المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالداخلة
أثار إقرار الرسوم الجامعية المخصصة للتوقيت الميسر لمتابعة الدراسة في أسلاك الإجازة والماستر والدكتوراه لفائدة موظفي القطاع العام وأجراء القطاع الخاص، نقاشاً مغلوطاً ومغرضاً حول مسألة مجانية التعليم العالي العمومي. إن القول بأن التوقيت الميسر يجب أن يكون مجانياً بالكامل تحت يافطة التمكين والولوج ليس سوى شكل من أشكال المزايدة السياسية والنقاش المزيف؛ فإحداث تكوينات بالتوقيت الميسر لم يعد مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل هو ضرورة حتمية ورافعة استراتيجية في ظل اقتصاد المعرفة، للنهوض بالبلاد اقتصادياً وتحقيق العدالة الاجتماعية.
ولتفادي أي تضليل للرأي العام، وجب التأكيد على أن التكوين الأساسي في الجامعة العمومية بالتوقيت العادي يظل محتفظاً بمجانتيه الكاملة. أما اعتماد القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، فهو يأتي لاستيعاب وضعية الأجراء بناءً على المرتكزات التالية:
.1محرك للأداء الاقتصادي وتنمية رأس المال البشري
على المستوى الاقتصادي، فإن السماح للموظفين والعاملين في القطاعين العام والخاص بمواصلة دراستهم خارج أوقات العمل الرسمية (مساءً وفي عطلات نهاية الأسبوع) يساهم بشكل مباشر في رفع إنتاجيتهم. ويستفيد المشغلون بشكل فوري من تحسين مهارات الموارد البشرية دون تكبد تكلفة شغور الوظائف. إن عائد هذا الاستثمار يكمن في الخبرة العالية التي ينقلها الموظف إلى مؤسسته؛ فنيل الموظف لشهادة الإجازة أو الماستر أو الدكتوراه يعزز الابتكار والقدرة التنافسية. ومن هذا المنطلق، وبدلاً من الانغماس في سجال عدم الأداء ودعاوى المجانية، كان حرياً بالنقاش أن ينصب على مدى إمكانية انخراط المؤسسات العمومية والخاصة في تمويل جزء من هذه المصاريف، باعتبارها المستفيد الأول من هذه الخبرات.
2.محفز للارتقاء المهنـــــــــــــــــــي والعدالة الاجتماعية
يعالج التوقيت الميسر إشكالاً اجتماعيًا في غاية الأهمية؛ فهو يتيح لأبناء الأسر الذين اضطرتهم الظروف المادية للالتحاق بسوق العمل مبكراً فرصة ثانية لاستكمال مسارهم الأكاديمي والحصول على شهادات وطنية. وتتجلى الحجة الأقوى لهذا التوقيت في أثره الاجتماعي، حيث كانت عدم حيازة شهادة الإجازة أو الماستر تشكل عائقاً أمام ترقي الأجراء وتقلدهم مناصب المسؤولية.
.3 مُنشّط للبحث العلمي التطبيقـــــــــــــي
في شق البحث العلمي، أثرى الموظفون والأجراء المسجلون في سلك الدكتوراه الخزانة العلمية بأطاريح ميدانية تعالج إشكالات واقعية (إدارية، قانونية، اقتصادية، صحية، وتقنية……………) تمس مختلف القطاعات، بعيداً عن البحوث النظرية الجافة والتمارين الأكاديمية المجردة.
أيـــــــــــــــــــــــــــن كان أدعياء المجانية بالأمـــــــــــس؟
أمام إكراهات الحضور في أوقات العمل الرسمية، فإن رفض التوقيت الميسر هو بمثابة دقٍّ لآخر مسمار في نعش الطموح الأكاديمي للأجراء، وإغلاقٌ للباب الذي ناضل الشغيلة طويلاً من أجل فتحه. إن الوقوف ضد هذا الإصلاح يعكس التمسك بأهداب شعارات رنانة تُخفي وراءها مصالح فئات تستفيد من الريع، أو شبكات كانت تستغل الوضع السابق للاسترزاق، أو أطرافاً تمارس المزايدة السياسية.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: أين كان هؤلاء الذين يهاجمون التوقيت الميسر اليوم باسم المجانية عندما كانت الجامعات تسلم شواهد التكوين المستمر بأضعاف هذه الأثمان ودون أي أثر قانوني أو أكاديمي حيث كان الموظف ينفق مبالغ باهظة ويقضي سنوات على مقاعد الدراسة ليحصل في النهاية على شهادة لا تخول له حتى متابعة دراسته في الأسلاك الموالية ولا تمنحه الحقوق المقررة لحاملي الدبلومات الوطنية؟ أيــــــــــــــــن كانوا يوم كانت أعداد المسجلين في الماستر والدكتوراه من الأجراء تُعدّ على رؤوس الأصابــــــــــــــــــــــــع؟
إن تقنين فرصة استكمال الدراسة ووضع إطار قانوني لها ناقشه البرلمان وصوت عليه بأغلبية مطلقة هو مبادرة تستحق التنويه والتشجيع. قد تكون هناك ملاحظات إجرائية على هذه الخطوة، لكن المبدأ منطقي ولا يمس بمجانية التعليم في شيء، بل يضع حداً للفوضى ويسير بنا نحو الانخراط الفعلي في مجتمع واقتصاد المعرفة.



