مجتمع

*بجهة كلميم – واد نون المنكوبة: الملايير لصباغة الجدران بالتراب والملاحف، والساكنة تطالب بـ “شربة ماء”*

متابعة  : سيدي عثمان فتوح

 

_قبيلة آيت زكري البرج تنتفض: “بغينا الماء قبل الصباغة”_

منطقة كلميم واد نون، باب الصحراء، بين الرمال والشمس الحارقة، تعيش اليوم مفارقة موجعة. في الوقت الذي تُعلن فيه وكالة الحوض المائي عن “إجهاد مائي خطير” وعجز مائي يُقدر بملايين الأمتار المكعبة، تتفاجأ ساكنة البوادي والدواوير بمشاريع تُبذر فيها الملايير على “صباغة الجدران بالتراب” وتزيين المداخل والملاحف، بينما هم ما زالوا يحملون القربة على ظهورهم بحثا عن قطرة ماء صالح للشرب.

1. عطش يومي في زمن المشاريع التجميلية

ليست شكوى جديدة. سكان كلميم يشتكون منذ سنوات من انقطاع الماء لساعات طويلة، ومن ماء مالح “خطر على الصحة” يدفعهم للتنقل خارج المدينة للتزود من الآبار أو شراء القنينات. وفي الصيف الماضي عاشت ودادية إفران الأطلس الصغير “أزمة خانقة” تحول فيها العطش إلى شبح يومي.

لكن الغضب هذه المرة انفجر في دواوير *قبيلة آيت زكري البرج*. الساكنة خرجت تحتج ليس من أجل طريق معبدة ولا مستشفى، بل من أجل أبسط حق: ربط المنازل بشبكة الماء الصالح للشرب.

“عيينا من الوعود، بغينا غير نعيشو بكرامة” هكذا لخص أحد المحتجين.

2. الملايير أين كتمشي؟

المواطن في آيت زكري يشوف بعينيه:

– ملايير تُصرف على تزيين مخارج المدينة بالنافورات

– صباغة واجهات بالتراب والملاحف في مهرجانات تكلف “بسخاء حاتمي”

– مشاريع بـ 66 مليون درهم لمحطات تصفية تحولت إلى “جريمة متوافرة الأركان” حسب الساكنة

وفي المقابل، دواويرهم الطينية آيلة للسقوط منذ فيضانات 2014، والإنارة العمومية غائبة، وفواتير الماء تتراكم لأشهر دون أن يأتي من يحصلها.

هذا هو “الحكرة” التي تتحدث عنها الساكنة: تعطيش الإنسان وتلميع الحجر.

3. أزمة الماء: أرقام مخيفة

المسؤولون يقولون إن السبب هو الجفاف وتوالي سنوات ندرة التساقطات. ووكالة الحوض المائي درعة واد نون تشتغل على “مشروع ضخم لتحلية مياه البحر”، وتمنع رخص حفر الآبار لحماية ما تبقى من الفرشة المائية.

لكن الأرقام تفضح الخلل في الأولويات:

– الفلاحة وحدها تستهلك أكثر من 80 مليون متر مكعب سنويا في حوض كلميم، مقابل 9 مليون فقط للماء الصالح للشرب.

– المساحات المسقية قفزت من 350 هكتار سنة 2008 إلى 1350 هكتار سنة 2022.

– المطالب اليوم تتركز على “منع الزراعات المستنزفة للماء” التي تستنزف 97% من موارد الجهة.

يعني الماء موجود، ولكن كيمشي للضيعات والفيلات اللي فيها أكثر من 100 بئر في حي الزيتون وحده، ويبقى دوار آيت زكري عطشان.

 

4. صوت آيت زكري البرج: انتفاضة الكرامة

احتجاجات سكان كلميم ليست الأولى. قبلها احتج سكان الزاك بسبب رفض تراخيص البناء وانقطاع الماء، واحتجت تغجيجت ضد محطة المياه العادمة القريبة من البيوت.

 

اليوم دور آيت زكري البرج. المطلب واضح وبسيط: الربط الفردي بالماء. لا يريدون صدقات ولا صهاريج. يريدون حقهم الدستوري. الفصل 31 من الدستور يكفل الحق في الماء، وهدف التنمية المستدامة 2030 يضمن “التزود الدائم والعادل بالماء الصالح للشرب”.

 

كلمة أخيرة

المغرب مقبل على مشاريع كبرى، وتحلية البحر أمل. ولكن أي تنمية هذه التي تبدأ بالواجهات وتنسى الإنسان؟

 

حين تُبذر الملايير على “صباغة التراب” وتُترك قبيلة بأكملها تنتفض من أجل “شربة ماء”، فالمشكل ليس جفافا فقط. المشكل هو في سلم الأولويات.

 

ساكنة آيت زكري البرج تقولها بصوت عال: *”ما بغينا مهرجان، ما بغينا صباغة. بغينا الماء”*.

فهل من مجيب قبل أن يتحول العطش إلى غضب أكبر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى