من يملك الفكرة حين يصل القانون؟

بقلم : الحسان الغوالي
من عجائب أمر الناس أنهم إذا رأوا أمراً قد تم، بحثوا له عن رجل واحد ينسبونه إليه. فإن أحبوه جعلوه صاحب الفضل كله، وإن أبغضوه حملوه وحده وزر ما يكرهونه. وكأن الدولة لا تعرف إلا الأشخاص، ولا تعرف الأفكار التي تسبقهم، والمؤسسات التي تحملها، والسنوات التي تنضج فيها.
وهذا من أكثر ما يفسد النظر في الشأن العام.
ففي السياسة، كثيراً ما نرى الوزير الذي ظهر في اللحظة الأخيرة، ولا نرى الذين اشتغلوا على الفكرة قبل أن يصل إليها. ونرى الحكومة التي قدمت المشروع، ولا نرى المراحل التي مر بها حتى أصبح صالحاً لأن يقدم. ثم يأتي الناس فيختصرون سنوات طويلة في اسم واحد، فيمدحونه بما ليس له كله، أو يلومونه على ما لم يكن من صنعه أصلاً.
ولعل قصة العقوبات البديلة في المغرب تصلح مثالاً واضحاً على ذلك.
فمن يتابع النقاش العمومي اليوم قد يظن أن الحكاية بدأت سنة 2023، عندما ظهر مشروع القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، وأن الفكرة ولدت يوم قدم المشروع، وأن الوزير الذي كان يتولى حقيبة العدل آنذاك هو الذي بدأها وصاغها وأوصلها إلى نهايتها.
لكن من يعرف كيف تنشأ السياسات العامة يدرك أن الأمر لا يجري بهذه الصورة.
فالأفكار الكبرى لا تدخل المؤسسات مكتملة، ولا تظهر في يوم واحد. تبدأ سؤالاً، ثم تصبح موضوعاً للنقاش، ثم تتحول إلى دراسة أو توصية، ثم تجد من يحملها داخل المؤسسات، وقد تمضي سنوات قبل أن تبلغ مرحلة التشريع.
وترجع إحدى المحطات المبكرة في هذا المسار إلى مناظرة مكناس حول السياسة الجنائية سنة 2004، التي فتحت مجالاً للنقاش حول قضايا السياسة الجنائية، ومنها مسألة العقوبات وبدائلها. ثم استمر النقاش بعد ذلك داخل مؤسسات وملتقيات وطنية مختلفة.
والأهم أن الاهتمام لم يبق في حدود النقاش النظري.
ففي حدود سنة 2010 بدأ مشروع شراكة مغربي دنماركي حول بدائل العقوبات السالبة للحرية، وفي إطار هذا المشروع، شارك قضاة وممارسون مغاربة في زيارات دراسية إلى الدنمارك، للاطلاع ميدانياً على تجربة هذا البلد في تطبيق بدائل العقوبات السالبة للحرية.
ثم عاد النقاش إلى المغرب في مناسبات متعددة. ففي 24 يونيو 2011 احتضنت محكمة الاستئناف ببني ملال ندوة حول «بدائل العقوبات السالبة للحرية في القانون الدانمركي ونظيره المغربي».
وفي سنة 2013 نظم المجلس الوطني لحقوق الإنسان ندوة دولية حول العقوبات البديلة، ثم تواصل الاهتمام بالموضوع من خلال لقاءات ودراسات أخرى، إلى أن نظم المجلس سنة 2015 يوماً دراسياً بآسفي حول إمكانيات وآفاق تطبيق العقوبات البديلة في المغرب.
وبعد هذه المراحل كلها جاء مشروع القانون رقم 43.22 سنة 2023.
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلاً.
فإذا نظرنا إلى سنة 2023 وحدها، أمكن أن نقول: جاء فلان ففعل.
أما إذا نظرنا إلى المسار كاملاً، فإن الصورة تختلف: كانت هناك فكرة، ثم نقاش، ثم دراسات، ثم توصيات، ثم اطلاع على تجارب أخرى، ثم عمل مؤسساتي، ثم جاء الوقت الذي أصبحت فيه الفكرة مشروع قانون.
وهذا هو الفرق بين قراءة الدولة وقراءة الأشخاص.
نحن نميل أحياناً إلى اختصار العمل العام في المسؤول الذي يظهر في آخر مرحلة. فإذا كان محبوباً، نسبنا إليه تاريخاً أطول من مدة مسؤوليته. وإذا كان مختلفاً معنا، فعلنا العكس، فأنكرنا ما أنجزته المؤسسات لأن الشخص الموجود في الواجهة لا يعجبنا.
وفي الحالتين يقع الخطأ نفسه.
نضع الشخص مكان المؤسسة، ونضع اللحظة مكان المسار، وننسى أن الدولة الحديثة لا تعيد اختراع نفسها مع كل حكومة، ولا تبدأ من الصفر كلما تغير وزير.
قد يأتي وزير فيجد أمامه فكرة سبق أن نوقشت، ودراسات أنجزت، وتوصيات صدرت، وتجارب تمت دراستها، فيتابع العمل عليها ويضعها في إطار تشريعي. وقد يأتي آخر فيعدل فيها، ويأتي ثالث فيستكملها، ثم تصل في النهاية إلى قانون يحمل توقيع المسؤول الذي كان في موقع القرار عند لحظة صدوره.
وهذا أمر طبيعي في عمل الدولة، وليس انتقاصاً من أحد.
فالذي يحول فكرة إلى قانون يستحق أن ينسب إليه ما أنجزه في تلك المرحلة، لكن الإنصاف يقتضي ألا ننسب إليه أيضاً كل ما سبقه.
وفي المقابل، فإن الذين اشتغلوا على الفكرة في مراحلها الأولى لا يفقدون نصيبهم من الفضل لأنهم لم يكونوا موجودين عندما التقطت الكاميرات لحظة الإعلان عنها.
هذه هي قيمة المؤسسات: أن تحفظ ما بدأه السابقون، وأن تتيح لللاحقين أن يكملوه.
ولهذا فإن السؤال الصحيح في تقييم أي مشروع وطني ليس فقط: من أعلنه؟ أو من وقّعه؟ أو في عهد من خرج إلى الوجود؟
بل ينبغي أن نسأل: متى بدأت الفكرة؟ ومن أثارها؟ ومن درسها؟ ومن ناقشها؟ ومن أوصى بها؟ ومن اطلع على التجارب المقارنة؟ ومن واصل العمل عليها؟ وما الذي تغير فيها من مرحلة إلى أخرى حتى وصلت إلى صورتها الأخيرة؟
عندها فقط يمكن أن نعرف أين يبدأ فضل كل شخص وأين ينتهي، وما الذي يعود إلى الحكومة، وما الذي يعود إلى المؤسسة، وما الذي هو ثمرة تراكم امتد سنوات.
وهذا لا يعني أن المسؤولين متساوون في الإنجاز، ولا أن كل من مر على ملف يصبح شريكاً في نجاحه. فهناك من يسرع الإصلاح، وهناك من يعطله، وهناك من يطوره، وهناك من يتركه جامداً. لكن الحكم العادل يحتاج إلى معرفة المسار قبل إصدار الحكم على صاحبه.
أما المواطن، فليس مطلوباً منه أن يكون خبيراً في كل تفاصيل الإدارة والتشريع. ومن حقه أن يمدح وأن ينتقد، وأن يسأل وأن يعترض. لكن من واجبه، حين يتناول شأناً عاماً، أن يتحرى بداية الحكاية قبل أن يحكم على نهايتها.
فليس من العدل أن نحاكم مشروعاً امتد العمل عليه سنوات بعين لا ترى إلا السنة التي ظهر فيها إلى العلن.
وليس من الحكمة أن نجعل من المسؤول الذي كان في الواجهة بطلاً لكل شيء، أو نحمّله مسؤولية كل شيء.
السياسة لا تعمل بهذه الطريقة.
الدولة أكبر من الأشخاص، والمشاريع الوطنية أطول من أعمار الحكومات، والأفكار الجادة قد تنتقل من مكتب إلى آخر ومن مسؤول إلى آخر قبل أن تجد طريقها إلى القانون.
ومن هنا ينبغي أيضاً أن ينتبه السياسيون إلى مسؤوليتهم في الخطاب العام. فليس من مصلحة الدولة أن يقدم كل مسؤول ما أنجزته المؤسسات قبله على أنه بدأ معه، كما ليس من مصلحة المعارضة أن تنكر كل ما تحقق لمجرد أن من أشرف عليه كان من خصومها.
فالسياسي الذي يحترم الدولة يحترم ذاكرتها.
والمعارضة التي تحترم نفسها لا تحتاج إلى إنكار الحقيقة كي تنتقد الحكومة.
والحكومة التي تثق في عملها لا تحتاج إلى محو من سبقها كي تثبت أنها أنجزت.
أما العوام، فليس المطلوب منهم أن يصفقوا لهذا أو ذاك، وإنما أن يتعلموا شيئاً بسيطاً ولكنه مهم: لا تجعلوا كل مشروع وطنياً حكاية رجل واحد.
فإذا نُسب كل نجاح إلى شخص واحد، ضاعت المؤسسة. وإذا نُسب كل فشل إلى شخص واحد، ضاع فهم الأسباب الحقيقية. وفي الحالتين يصبح النقاش السياسي خصومة حول الأشخاص بدل أن يكون بحثاً في السياسات والنتائج والمسؤوليات.
ولعل أخطر ما في هذا الاختزال أنه يظلم التاريخ.
فمشروع قضائي أو اجتماعي أو اقتصادي قد يحتاج عشر سنوات حتى ينضج، وقد يحتاج أكثر من ذلك. فإذا جاء إلى نهايته شخص معين، فلا يجوز أن نمحو السنوات التي سبقته. وإذا تعثر، فلا يجوز أن نختصر أسباب تعثره في اسم واحد قبل أن نعرف أين بدأ الخلل ومن كان مسؤولاً عنه وفي أي مرحلة وقع.
الدولة التي تعرف كيف تتقدم هي التي تعرف أيضاً كيف تتذكر.
تتذكر من بدأ، ومن تابع، ومن طور، ومن أخطأ، ومن أصاب، ثم تضع كل واحد في موضعه من غير مبالغة ولا ظلم.
وهذا هو الفرق بين الدولة التي تبني تاريخها، والسياسة التي تبحث كل يوم عن صورة جديدة.
إن الوطن لا يشتغل بمنطق الذاكرة القصيرة. وما ينضج في المؤسسات لا ينبغي أن يتحول، بعد سنوات من العمل، إلى ملكية شخصية لأحد. وكذلك لا ينبغي أن يصبح العمل الوطني رهينة للخلاف السياسي، بحيث يُقبل إذا صدر عن الحليف ويُرفض إذا صدر عن الخصم.
فالأفكار النافعة لا تتغير حقيقتها بتغير أسماء أصحابها.
والمشروع الذي يخدم الناس لا يصبح أقل قيمة لأن شخصاً لا نحبه شارك في إخراجه، كما أن المشروع الذي لا يخدمهم لا يصبح جيداً لأن صاحبه يحظى بشعبية.
تلك هي القاعدة التي ينبغي أن يستعيدها النقاش العمومي: **نقيّم الفكرة بنتائجها، والمسؤول بعمله، والحكومة بما أنجزته، والدولة بمقدار قدرتها على البناء المتراكم.**
أما أن نأخذ تاريخاً طويلاً ونضعه كله في يد رجل واحد، فذلك ليس قراءة للسياسة، وإنما اختصار لها.
ومن يختصر الدولة في شخص، يظلم الدولة ويظلم الشخص معاً.
لأن الرجل قد يكون قد أنجز شيئاً عظيماً، لكن الحقيقة أعظم من أن تحتاج إلى المبالغة في نسبتها إليه.
والدولة قد تتأخر في إنجاز مشروع، لكن فهم أسباب التأخر يحتاج إلى أكثر من البحث عن اسم نضعه في آخر الجملة.
هكذا ينبغي أن ننظر إلى المشاريع الوطنية: لا نسأل فقط عمن أعلن عنها، بل نسأل كيف ولدت، وكيف عاشت، ومن حملها، ومن طورها، ولماذا وصلت في ذلك الوقت وتلك الصورة.
فحين نفهم هذه القاعدة، يصبح النقاش السياسي أكثر إنصافاً، ويصبح المواطن أكثر وعياً، ويصبح السياسي أقل حاجة إلى صناعة البطولات الشخصية.
وعندها فقط ندرك أن الدولة لا تبدأ من حيث يبدأ الكلام، وأن ما يظهر اليوم في صورة قرار أو قانون قد تكون له جذور بعيدة في عمل رجال ونساء لم تظهر أسماؤهم في الصورة الأخيرة، لكنهم كانوا جزءاً من الطريق.
وهذا هو معنى العمل العام حين يكون عملاً وطنياً حقاً: أن يبدأه إنسان، ويكمله آخر، ويطوره ثالث، ثم يبقى أثره للناس جميعاً.




