مجتمع

قوة المؤسسات السيادية تحبط “مؤامرة سبتة المحتلة “.. و المغرب يجدد رسالته: لسنا حراسا لأوروبا .

 

بقلم : البراق شادي عبد السلام

 

التطورات الأخيرة في محيط السياج الحديدي لمدينة سبتة المحتلة تضع محددات استراتيجية جديدة في منظومة التعامل الأمني والسياسي بين المملكة المغربية وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، إذ واجهت الأجهزة السيادية المغربية ضغوطا ميدانية هائلة استلزمت استنفارا بشريا ولوجستيا كبيرا في الميدان. وقد نجحت القوات الأمنية كعادتها في بسط السيطرة الكاملة على الوضع وإحباط محاولات الاقتحام الجماعي المنظمة التي جرى التحريض لها بشكل مكثف عبر منصات التواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي العابر للحدود انطلاقا من دوائر إقليمية معادية، الأمر الذي يبرز التزام الرباط بحماية مجالها الوطني وتأمين الاستقرار الإقليمي من منطلق سيادي خالص رغم الاستنزاف الكبير للمجهود الأمني.

 

هذا النجاح المغربي في إدارة الأزمة يثبت الكفاءة السيادية العالية للمؤسسات الأمنية بمختلف تشكيلاتها، ويضع حدا نهائيا للمقاربة التقليدية السابقة في التعاطي مع ملف الهجرة غير النظامية. يتأسس الموقف الدبلوماسي الراهن على أن المغرب يتعامل كشريك ندي يمتلك سيادة القرار، ويرفض لعب دور الحارس الأمني لحماية الفضاء الأوروبي، وهي المهمة التي تفرض تكلفة مالية باهظة لتأمين السياج الحديدي يجري تحملها بالكامل من الميزانية الوطنية ومن جيوب دافعي الضرائب دون مقابل جيوسياسي واقتصادي يتكافأ مع حجم التضحيات، مما يفرض على الشركاء مراجعة سياساتهم والاعتراف بالمصالح الحيوية العليا للمملكة.

 

ملحمة 15 غشت وكفاءة الأجهزة السيادية في تأمين نقاط العبور والسياج الحديدي

 

شهدت التطورات الميدانية المسجلة يوم 15 غشت محطة حاسمة في مسار التدبير الأمني الاستراتيجي على طول السياج الحديدي لمدينة سبتة المحتلة، إذ برهنت الاستراتيجية الاستباقية لوزارة الداخلية والمديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، بتكامل وثيق مع القيادة العامة للدرك الملكي بمختلف وحداتها وتشكيلات القوات المساعدة والبحرية الملكية، عن جاهزية استخباراتية وعملياتية متكاملة لصد مخططات الاقتحام الجماعي. اعتمدت هذه الأجهزة السيادية على تفعيل خلايا اليقظة والتتبع الدائم لرصد وتفكيك بؤر التحريض الرقمي العابر للحدود عبر منصات التواصل الاجتماعي، وباشرت حملات تنسيق واسعة لتعطيل قنوات التوجيه الافتراضي والمجموعات المغلقة التي حاولت استقطاب آلاف المرشحين للهجرة السرية وتوجيههم نحو نقاط التماس، مما أدى إلى شل حركة المجموعات المحرضة وتفكيك شبكاتها التنظيمية قبل وصولها إلى المنطقة الفاصلة، وجنب المنطقة سيناريوهات فوضى عارمة كادت تعصف بالاستقرار الإقليمي على الجانبين في ظل تدفقات بشرية هائلة تم احتواؤها عبر أطواق أمنية متعددة المستويات في المناطق المحاذية للسياج الحديدي ومحيط عمالة المضيق الفنيدق.

 

تجلت عناصر النضج والتميز في هذه المواجهة عبر الإدارة الاحترافية الصارمة للحشود والالتزام الدقيق بالمعايير الإنسانية والقوانين الدولية، إذ تمكنت القوات العمومية المغربية بمختلف تلويناتها من تأمين نقاط العبور والسيطرة على التدفقات المتلاحقة دون تسجيل خروقات حقوقية أو تجاوزات تمس السلامة الجسدية للمهاجرين، وذلك عبر تفعيل مقاربة أمنية وقائية تعتمد الصبر الميداني وتفادي المواجهة المباشرة واستخدام وسائل حضارية لضبط المجموعات. يقدم هذا التدبير المتوازن نموذجا متقدما في إدارة أزمات التماس يتناقض بصورة واضحة مع حالة الارتباك والذعر السياسي التي عمت في المقابل الجانب الإسباني، والذي بدا عاجزا عن استيعاب حجم الضغط الميداني لولا التغطية الأمنية المحكمة التي وفرتها الرباط فوق أراضيها، مما يبعث برسالة قوة جيوسياسية واضحة مفادها أن التوازن والاستقرار والأمن في ثغري سبتة ومليلية المحتلين يبقي رهينا بالكامل بالجهد الأمني اللوجستي والتضحيات البشرية والمالية التي يقدمها المغرب بمفرده، واضعا حدا نهائيا لمحاولات الابتزاز السياسي والاعتماد المفرط على المقاربة الأمنية المغربية كدرع واق للمصالح الأوروبية.

 

سقوط منطق السخرة الأمني ومركزية سيادة القرار الوطني المغربي

 

بالموازاة مع ذلك، يكشف نجاح المقاربة الميدانية المغربية ملامح تحول جذري في العقيدة الدبلوماسية للمملكة، مكرسا الانتقال الفعلي من الأدوار النمطية السابقة نحو ترسيخ مكانة الشريك الندي الكامل في المعادلة الإقليمية. يضع هذا التوجه الاستراتيجي حدا قاطعا لعقود من الابتزاز السياسي الذي مارسته بعض الأطراف الأوروبية، مستحضرا توجهات المملكة الحاسمة التي أكدت بوضوح رفض المغرب القاطع للعب دور المكلف بحماية الفضاء الأوروبي على حساب مصالحه الوطنية، بينما يواجه بمفرده التحديات المتعاظمة الناتجة عن تدفقات الهجرة. هذا الحزم الدبلوماسي يفرض على مدريد وبروكسيل استيعاب المتغيرات البنيوية في السياسة الخارجية المغربية، التي لم تعد تقبل بصيغ التعامل التقليدية القائمة على إلقاء الأعباء دون الالتزام بمقتضيات الشراكة الحقيقية.

 

إضافة إلى ذلك، يتجلى هذا التحول الجيوسياسي في النقد المغربي الصريح للمقاربة الأوروبية القاصرة، القائمة على تقديم مساعدات مالية ضئيلة ومنح بروتوكولية محدودة لا تتناسب مطلقا مع حجم الأعباء الأمنية والاجتماعية والاقتصادية الهائلة التي تتحملها ميزانية المملكة ودافعو الضرائب لتأمين الفضاء المشترك. تتأسس الرؤية الدبلوماسية للرباط على مركزية سيادة القرار الوطني وحماية الأمن القومي المغربي بالدرجة الأولى، جاعلة من تأمين المصالح الحيوية العليا للمملكة المحرك الأساسي لكافة التحركات الميدانية والسياسية، بعيدا عن الاعتماد الأمني لحماية الأمن الأوروبي، ومطالبة بصياغة تعاقد استراتيجي جديد يقوم على تقاسم حقيقي وعادل للفاتورة البشرية والمالية، والاعتراف الصريح بالحقوق السيادية المشروعة للمملكة.

 

ورقة القاصرين السياسية ورفض الرباط لسيناريو المنصة الخلفية لتجميع الأزمات

 

من جهة أخرى، تتبدى ازدواجية المعايير الأوروبية بشكل جلي في التعاطي مع ملف القاصرين والشباب، حيث تسعى القوى اليمينية في إسبانيا إلى استغلال هذه الورقة الإنسانية وتوظيفها سياسيا بهدف ابتزاز المملكة المغربية وتصدير الأزمات الحزبية والانتخابية الداخلية نحو الجنوب، وهو ما يفضح زيف الخطاب المدافع عن قيم الطفولة والاندماج الاجتماعي لدى هذه النخب الغربية. يسلط هذا السلوك السياسي الضوء على التناقض الصارخ بين الشعارات الحقوقية المرفوعة في العواصم الأوروبية والممارسات الميدانية التي تحاول إلقاء اللوم على الأجهزة المغربية، متجاهلة التزامات الرباط المستمرة وقبولها بتسهيل عودة القاصرين وفق آليات قانونية صارمة تضمن كرامتهم وإدماجهم الاجتماعي والأسري، وإفشال محاولة تحويل ملف اجتماعي مركب إلى أداة للضغط الدبلوماسي والمزايدات الإعلامية التي تهدف إلى التهرب من المسؤولية القانونية والأخلاقية المشتركة.

 

فضلا عن ذلك، يرتبط التدفق المستمر للمرشحين للهجرة ارتباطا وثيقا بالواقع التنموي المأزوم في القارة الإفريقية، والذي يشكل نتاجا مباشرا لفشل السياسات الأوروبية التاريخية والراهنة وعجزها عن بناء نموذج اقتصادي عادل يدعم الاستقرار في دول المصدر ويخلق فرص الشغل المستدامة للشباب النامي. يعود هذا الاختلال البنيوي إلى مخلفات الماضي عندما ركزت القوى الأوروبية على استغلال ثروات الشعوب الإفريقية واستنزاف مقدراتها الطبيعية والبشرية لقرون، مما حرم المجتمعات المحلية من فرص التطور الطبيعي وبناء اقتصادات وطنية قوية قادرة على الصمود، وتستمر هذه التبعات التاريخية في إضعاف البنيات التحتية للدول الإفريقية وتعميق الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين ضفتي المتوسط. على هذا الأساس ترفض المملكة المغربية تحويل أراضيها إلى مستودع أو منصة خلفية لتجميع تبعات هذا الفشل التنموي المشترك، أو قبول تحويلها إلى موطن بديل لتوطين المهاجرين قسرا خارج القانون، وتؤكد الرباط أن معالجة جذور إشكالية الهجرة تتطلب مقاربة استثمارية حقيقية تتجاوز المنطق الأمني الضيق الذي تتبناه بروكسيل ومدريد، مع التشديد على أن المغرب دولة عبور واستقرار تمتلك أولوياتها السيادية والنمائية الخاصة، ولن تقبل بتحمل المسؤولية الأخلاقية والمادية عن أزمات هيكلية تسببت فيها سياسات الإقصاء والاستغلال عبر العقود الماضية.

 

ضرورة بناء توافق متوسطي جديد وصياغة التفاهمات الإقليمية

 

تفرض هذه التحولات الميدانية المتلاحقة على ضفتي الحوض الغربي للمتوسط تجاوز الأطر التقليدية الجاهزة والتفكير الجدي في إعادة صياغة شاملة لكافة التفاهمات والترتيبات الأمنية والسياسية المؤطرة للمنطقة. تحتم حدة التحديات الجيوسياسية المتشابكة الانتقال السريع نحو بناء توافق متوسطي موسع يتعاطى بواقعية وشجاعة مع مختلف القضايا المتداخلة، بدءا من الأمن البحري وإدارة التدفقات البشرية، وصولا إلى الشراكة الاقتصادية والتنمية المستدامة والتغيرات المناخية. صياغة هذا الإطار التوافقي الجديد تتطلب التخلي النهائي عن النظرة الأحادية التي تطبع سياسات العواصم الأوروبية، والاستعاضة عنها بمنظومة حوار استراتيجي شامل تضع متطلبات الاستقرار والتنمية في دول الجنوب على نفس درجة الأهمية مع الشواغل الأمنية الشمالية، بما يضمن بناء حوض متوسطي آمن ومتوازن يقوم على المصالح المشتركة والمسؤولية الجماعية.

 

رسالة المشروعية المغربية ومستلزمات التعاقد الاستراتيجي القائم على الاحترام

 

ختاما، تشكل أزمة السياج الحديدي المحيط بمدينة سبتة المحتلة نقطة تحول جوهرية في تاريخ العلاقات الأورو-مغربية، إذ أثبتت التطورات الميدانية والسياسية المتلاحقة أن النظرة الاستعلائية التقليدية التي دأبت عواصم القارة العجوز على اعتمادها تجاه شركاء الجنوب قد تهاوت أمام صلابة ومحورية الدور المغربي. وضعت اليقظة الأمنية والسيادية للرباط حدا للمراهنات الأوروبية القائمة على حصر أدوار المملكة في البعد الحمائي المجاني للحدود، وأكدت الوقائع الميدانية المتسارعة عجز المنظومة الغربية عن تدبير التهديدات العابرة للقارات دون ركيزة أمنية مغربية صلبة ومستقرة ومبنية على أسس سيادية متينة.

 

بناء على ذلك، يتحتم على مدريد وبروكسيل استيعاب مفردات الوضع القائم الجديد وقراءة معطيات الجيوسياسية الإقليمية بوعي ومسؤولية، فالشراكة الاستراتيجية والأمنية مع الرباط تستوجب تغييرا يمهد لبناء تعاقد مستقبلي يرتكز على الاحترام المتبادل والاعتراف الصريح والكامل بالسيادة الوطنية المغربية، فضلا عن التقاسم العادل والمتكافئ للأعباء المالية واللوجستية والبشرية المترتبة عن حماية الفضاء المشترك. وعلى هذا الأساس يمتلك المغرب في ظل المعطيات الراهنة وبكل المسؤولية الممكنة كل المشروعية القانونية والسياسية لإعادة النظر في التزاماته الأمنية والاتفاقيات الثنائية المرتبطة بمراقبة تدفقات الهجرة، وتوجيه جهوده وموارده الوطنية لحماية مصالحه الحيوية العليا أولا، في حال استمرار الأطراف الأوروبية في التنصل من واجباتها الاستراتيجية وعدم احترام السيادة الكاملة للمملكة المغربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى