مجتمع

أسوار الرأي وصمت العقلاء

بقلم  : حسان الغوالي

 

 

لا تكاد تخلو دولة من قضايا تعتبرها وطنية أو مصيرية، ولا يكاد يخلو مجتمع من ملفات تحيط بها حساسيات سياسية أو تاريخية أو أمنية أو هوياتية. وقد تكون هذه القضايا مشروعة في أصلها، ومرتبطة بمصالح حقيقية تستوجب الحماية والحذر، غير أن طريقة توظيفها في المجال العام قد تحوّلها إلى أسوار تتجاوز حدودها الأصلية، فتحاصر النقاش حول قضايا أخرى تمس حياة المواطنين ومصالحهم اليومية، من فساد الإدارة وسوء تدبير المال العام إلى تعطيل الإصلاح وإهدار الكفاءات وإضعاف المؤسسات.

 

في مثل هذه البيئة، قد تتوافر الكفاءات والخبرات والقدرة على تشخيص الاختلالات واقتراح الحلول، بينما يظل أثرها محدودًا بسبب الكلفة المرتفعة للتعبير والمبادرة. فصاحب الرأي الذي يدرك تعقيدات الواقع لا يفكر في مضمون كلامه ونتائجه المحتملة فحسب، بل يضع في حسابه أيضًا ما قد يُحمَّل كلامه من دلالات، وما قد يُنسب إليه من نيات، وما إذا كان نقده لاختلال إداري أو قرار غير موفق سيُقدَّم باعتباره مساسًا بقضية وطنية أو تشكيكًا في ثوابت المجتمع. ومع تكرار هذه التجارب، قد يصبح الصمت لدى بعض أصحاب الكفاءة وسيلة لتجنب المواجهة، حتى عندما يمتلكون القدرة على الإسهام في تصحيح الاختلالات.

 

وتزداد خطورة هذا الوضع حين يُطالَب صاحب الرأي بإثبات سلامة نياته قبل فحص حججه، أو بإعلان مواقفه من قضايا لا تتصل مباشرة بموضوع نقده حتى يُسمح له بمناقشته. عندئذ تنتقل المساءلة من مضمون الكلام إلى هوية قائله، ومن الوقائع والأدلة إلى الولاءات المفترضة. ولا يعود النقاش منصبًّا على مدى صحة الرأي أو وجاهة الحجج التي يستند إليها، بل ينصرف إلى البحث عن دوافع صاحبه ومواقفه، فتتسع مساحة الرقابة الذاتية، ويصبح تفادي المتاعب أحيانًا أسبق من تحمل مسؤولية المبادرة والإصلاح.

 

وقد تظهر هذه الآلية بوضوح حين يثير شخص ملاحظة موثقة بشأن تعثر مرفق عمومي أو سوء تدبير خدمة أو هدر موارد متاحة، فيجد النقاش ينتقل من الوقائع التي عرضها إلى التساؤل عن مواقفه من قضية حساسة لا صلة مباشرة لها بموضوعه. وهكذا لا تُفحَص المعلومة بقدر ما يُختبَر صاحبها، ولا تُناقَش المشكلة بقدر ما تُؤوَّل دوافع من أثارها. ومع انتقال النقاش إلى مسارات جانبية، تتراجع فرص التحقق والمساءلة، وتضيع إمكانية الوصول إلى حلول عملية.

 

ويقتضي الإنصاف التمييز بين القضايا الوطنية التي تستند إلى مصالح حقيقية، وبين توظيف حساسيتها خارج غاياتها المشروعة. فالاعتبارات السيادية والأمنية والتاريخية والاجتماعية قد تستوجب الحذر والمسؤولية، كما أن حرية التعبير لا تنفصل عن احترام القانون وحقوق الآخرين. غير أن حساسية الموضوع لا تكفي وحدها للحكم على سلامة النقد أو مشروعية تقييده؛ فالعبرة بمضمون القول، والأدلة التي يستند إليها، وصلته بالمصلحة العامة، وطبيعة الضرر المحتمل ومدى إمكان إثباته. أما تحويل بعض الملفات إلى حصانة دائمة ضد التقييم والمراجعة، فقد يتيح لاختلالات أخرى أن تستمر بعيدًا عن المساءلة، من دون أن يخدم ذلك بالضرورة القضايا التي يُراد حمايتها.

 

ولا تقتصر آثار هذا المناخ على الأفراد الذين يختارون الصمت، بل تمتد إلى طبيعة الأصوات التي تشغل المساحات المتاحة في النقاش العام. فعندما يتراجع أصحاب المعرفة والخبرة عن المشاركة، أو يعزفون عن تحمل مسؤوليات الإصلاح، تظل الحاجة إلى الرأي والتوجيه والتأثير قائمة. وقد يتقدم إلى الواجهة من يمتلك القدرة على إثارة الانتباه، من دون أن يمتلك بالضرورة المعرفة اللازمة أو القدرة على تقدير تبعات ما يطرحه من مواقف. ومع مرور الوقت، قد يصبح الحضور الإعلامي بديلًا عن التأهيل، والقدرة على إثارة الجدل بديلًا عن تقديم المعرفة، ويختل الميزان الذي يفترض أن يمنح الرأي قيمته على أساس ما يحمله من فهم وما يقدمه من فائدة.

 

في هذا السياق، تكتسب كلمة «الرويبضة» دلالتها في الحديث عن الشأن العام، باعتبارها تحذيرًا من اختلال المعايير التي يُمنح على أساسها حق التأثير في قضايا الناس ومصالحهم. فالمشكلة ليست في أن يشارك غير المتخصصين في النقاش العام، ولا في أن تختلف الآراء باختلاف التجارب والخلفيات، وإنما في أن تتراجع قيمة المعرفة والقدرة على التمييز بين الرأي المدعوم بالحجة والموقف الذي لا يسنده ما يكفي من الفهم. وحين تصبح الجرأة على الكلام أهم من امتلاك المعرفة، والصوت المرتفع أقدر على الوصول من الرأي المستند إلى البحث والخبرة، يفقد النقاش العام أحد أهم شروط جودته: القدرة على التمييز بين مجرد إبداء الموقف والإسهام الفعلي في فهم المشكلات ومعالجتها.

 

ولا تقف آثار هذا الاختلال عند حدود الخطاب، بل تمتد إلى جودة القرارات والسياسات العامة وفرص الإصلاح. فمعالجة المشكلات تحتاج إلى تشخيص دقيق، ونقد يستند إلى الوقائع، وخبرات قادرة على اقتراح البدائل ومتابعة تنفيذها. وحين يُحرم المجال العام من مساهمة أصحاب هذه الخبرات، تتراجع فرص الاستفادة من المعرفة المتاحة، وقد تستمر الاختلالات رغم وضوح أسبابها وإمكان معالجتها. وتصبح المؤسسات، بدورها، أقل قدرة على الاستفادة من الكفاءات التي يمكن أن تساعدها على تطوير أدائها وتصحيح مساراتها.

 

ولا يعني ذلك أن أصحاب الكفاءة معصومون من الخطأ، أو أن كل رأي يصدر عن متخصص يستحق القبول، بل إن قيمة الخبرة نفسها تقتضي إخضاعها للنقاش والتحقق والمراجعة. فالمعيار العادل لا يمنح أحدًا حصانة بسبب مكانته أو شهادته، ولا يسلب آخر حقه في التعبير بسبب اختلافه أو محدودية خبرته؛ وإنما يتيح للأفكار أن تُختبر وفق حججها وأدلتها، وللآراء أن تتفاوت قيمتها بحسب ما تقدمه من معرفة وقدرة على تفسير الواقع.

 

ومن هنا تتوزع المسؤولية بين المؤسسات وأصحاب الكفاءة والمجتمع. فالمؤسسات مطالبة بتوفير بيئة تسمح بالنقد المهني، وتضمن مناقشة الآراء على أساس مضمونها وأدلتها، بدل تحويل الاختلاف إلى معركة حول النيات والانتماءات. وأصحاب الكفاءة، من جهتهم، يتحملون مسؤولية مهنية وأخلاقية تجاه المجتمع، تقتضي منهم البحث عن السبل الممكنة للإسهام في الإصلاح، مع تقدير المخاطر والالتزام بالقانون. أما المجتمع، فيحتاج إلى تنمية ثقافة لا تخلط بين النقد والعداء، ولا تجعل الاختلاف في الرأي دليلًا على سوء النية، ولا تمنح الشهرة وحدها سلطة تحديد ما ينبغي تصديقه أو اتباعه.

 

فالصمت قد يكون في ظروف معينة موقفًا مفهومًا تفرضه اعتبارات واقعية، وليس من الإنصاف مطالبة كل فرد بالمواجهة مهما كانت كلفتها. لكن تحول الصمت إلى قاعدة عامة يحرم المجتمع من خبرات يحتاج إليها، ويترك الاختلالات من دون ما يكفي من النقد والمبادرة والمعالجة. ولذلك لا يكفي أن نلوم من يصمت، بل ينبغي أيضًا أن نسأل عن البيئة التي تجعل الكلام محفوفًا بالمخاطر، وعن الشروط التي تسمح بتحويل المعرفة إلى مساهمة نافعة في الشأن العام.

 

إن أخطر ما يصيب الحياة العامة أن تتحول القضايا المصيرية إلى عناوين لا تقبل المراجعة، وأن يصبح الاقتراب من بعض الملفات سببًا لإثارة الشكوك حول صاحب الرأي، بصرف النظر عن مضمون كلامه وأدلته. وحين تمتد المحظورات إلى قضايا لا ترتبط مباشرة بتلك الملفات، يصبح الخوف من التأويل عائقًا أمام معالجة مشكلات إدارية ومؤسساتية واقتصادية كان ينبغي أن تخضع للنقاش والتقييم. وبذلك ترتفع كلفة المبادرة، وتتراجع الثقة في جدوى المشاركة، وتضيع فرص الإصلاح في مجالات لا ينبغي أن تكون رهينة لحساسيات لا تتصل بها.

 

إن صمت العقلاء لا يترك المجال العام فارغًا، بل قد يهيئ الظروف التي تسمح لأصوات أخرى بملئه، بصرف النظر عن مقدار ما تمتلكه من معرفة أو أهلية. وعندما يصبح تجنب الاتهام أهم من أداء الواجب، ويتقدم الحضور على الكفاءة، والجرأة على المعرفة، تتجاوز الخسارة الأفراد الذين اختاروا الصمت لتطال المجتمع الذي حُرم من خبراتهم، والمؤسسات التي فقدت فرصة الاستفادة من قدرتهم على التشخيص والإصلاح.

 

فالأوطان تُصان بحماية مصالحها الكبرى، وبإبقاء بقية قضاياها مفتوحة أمام النقد والمساءلة، وبتمكين الكفاءات من الإسهام في تدبير الشأن العام دون أن تتحول حساسية بعض الملفات إلى حاجز يحول دون مناقشة سواها. فحماية القضايا الوطنية لا تتعارض مع مراجعة السياسات والقرارات، كما أن احترام الثوابت لا يستلزم تعطيل السؤال أو تعطيل العقل.

 

وحين تُقام الأسوار حول الرأي، لا تتوقف الأسئلة، بل يتراجع أصحاب القدرة على طرحها بوعي ومسؤولية، وتتسع مساحة التأثير أمام من قد لا تتوافر لديهم شروط الإسهام الجاد. عندها لا تكون المشكلة في كثرة من يتكلمون، بل في غياب المعايير التي تجعل المعرفة والخبرة والمسؤولية أساسًا للحضور في الشأن العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى