مجتمع

فضاء تورتيت بتيزنيت.. حين تتحول الذاكرة المحلية إلى مشروع ثقافي يحفظ روح المكان

 

بقلم عابد أموسى – مراسل صحفي بجريدة الوطن بريس

 

في مدينة تيزنيت، حيث تتقاطع الذاكرة التاريخية مع غنى الموروث الأمازيغي وتقاليد الحياة اليومية، تبرز بعض المبادرات الشبابية التي تحاول إعادة الاعتبار للمكونات الأصيلة للهوية المحلية، ليس من خلال استحضار الماضي فحسب، بل عبر تحويله إلى تجربة حية تلتقي فيها الثقافة بالسياحة، وتتصالح فيها الذاكرة مع متطلبات الحاضر.

 

ومن بين هذه المبادرات، يلفت فضاء تورتيت الانتباه باعتباره تجربة محلية تجمع بين عدد من المكونات التقليدية والثقافية، في محاولة لتقديم صورة عن غنى المنطقة وتنوع تعبيراتها، ضمن فضاء يستحضر روح الأصالة ويمنح للزائر فرصة الاقتراب من جوانب مختلفة من الحياة المحلية.

 

من فكرة شابة إلى حضور على أرض الواقع

 

ما يستحق التوقف عنده في تجربة فضاء تورتيت ليس المكان في حد ذاته فقط، وإنما المسار الذي رافق نشأته، باعتباره مبادرة اشتغل عليها شاب من أبناء تيزنيت، انطلاقاً من الصفر، وصولاً إلى حضور ميداني أصبح يطرح نفسه ضمن المبادرات المحلية التي تستحق المتابعة والتقييم.

 

فإنشاء فضاء يستلهم الموروث التقليدي ويجمع بين عناصر متعددة ليس أمراً هيناً، خاصة في ظل التحديات التي تواجه المبادرات الشبابية، سواء تعلق الأمر بتوفير الإمكانات، أو بناء هوية واضحة للمشروع، أو القدرة على الاستمرار في محيط يتطلب نفساً طويلاً ورؤية تتجاوز الحسابات الآنية.

 

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة تجربة تورتيت باعتبارها نموذجاً لمبادرة فردية تحاول أن تجد لنفسها موقعاً داخل المشهد المحلي، مستندة إلى فكرة توظيف الخصوصية الثقافية والتراثية في خلق تجربة لها ارتباط بالمكان والإنسان والذاكرة.

 

تفاصيل تقليدية تستحضر روح تيزنيت

 

تتجلى خصوصية الفضاء في تعدد المكونات التي يقدمها، من الأجواء التقليدية والديكورات المستوحاة من التراث، إلى العناصر التي تستحضر تفاصيل الحياة المحلية، فضلاً عن الأكلات التقليدية التي تظل جزءاً من الذاكرة الجماعية للمجتمع المغربي والأمازيغي.

 

ولا تقتصر أهمية هذه المكونات على بعدها الجمالي أو المرتبط بتجربة الزائر، بل تتجاوز ذلك إلى ما يمكن أن تمثله من فرصة للتعريف ببعض مظاهر الثقافة المحلية، وإبراز قيمة التفاصيل التي قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل دلالات اجتماعية وتاريخية عميقة.

 

فالموروث لا يعيش بمجرد الحديث عنه، وإنما يحتاج إلى فضاءات ومبادرات تمنحه إمكانية الحضور في الحياة اليومية، شريطة أن يتم تقديمه بروح تحترم أصالته، وتمنحه في الوقت ذاته القدرة على التواصل مع الأجيال الجديدة والزوار القادمين من خارج المنطقة.

 

حين تلتقي السياحة بالثقافة والأدب

 

في مدينة تتوفر على مؤهلات تاريخية وثقافية وسياحية متنوعة، تبرز أهمية المبادرات التي لا تحصر مفهوم الفضاء السياحي في الاستقبال والخدمات فقط، بل تسعى إلى إضفاء بعد ثقافي وأدبي على تجربة المكان.

 

ومن هذه الزاوية، تكتسب المكونات الثقافية والأدبية التي يستحضرها فضاء تورتيت أهمية خاصة، بالنظر إلى ما يمكن أن تتيحه من إمكانات لاحتضان النقاش وتبادل الأفكار، وربط الفضاءات اليومية بالفعل الثقافي، وجعل الثقافة أقرب إلى الناس وأكثر حضوراً في تفاصيل حياتهم.

 

وتظل هذه الإمكانات رهينة باستمرار المبادرة وتطوير برامجها، والانفتاح على الفاعلين الثقافيين والجمعويين والمبدعين، بما يسمح بتحويل البعد الثقافي من مجرد عنصر مميز للمكان إلى ممارسة متواصلة تسهم في تنشيط الحياة الثقافية بالمدينة.

 

مبادرات الشباب.. قيمة تتجاوز حدود المشروع

 

إن الحديث عن فضاء تورتيت يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول دور الشباب في تنشيط الحياة الاقتصادية والثقافية والسياحية بمدينة تيزنيت. فالمبادرات التي تنطلق بإمكانات محدودة، ثم تشق طريقها نحو الحضور الميداني، تستحق أن تحظى بالاهتمام باعتبارها تجارب يمكن الاستفادة منها في فهم العلاقة بين المبادرة الفردية والتنمية المحلية.

 

غير أن الإشادة بمثل هذه التجارب لا تعني إعفاءها من التقييم الموضوعي، بل إن قيمتها الحقيقية تتعزز بمدى قدرتها على الاستمرار، والمحافظة على جودة ما تقدمه، وتطوير أبعادها الثقافية، والمساهمة في خلق قيمة مضافة للمحيط الذي تنتمي إليه.

 

كما أن تشجيع المبادرات الشبابية لا ينبغي أن يظل محصوراً في عبارات الثناء، بل يستدعي التفكير في سبل توفير بيئة محلية تساعد على الابتكار، وتحفز على الاستثمار في الثقافة والتراث، وتمنح المشاريع ذات البعد المحلي فرصة أكبر للتطور.

 

تورتيت.. تجربة تستحق القراءة في سياقها المحلي

 

قد تختلف التجارب في حجم إمكاناتها وطبيعة أهدافها، لكن بعض المبادرات تكتسب أهميتها من الفكرة التي تنطلق منها، ومن الإصرار على تحويلها إلى واقع ملموس. وفي هذا السياق، يقدم فضاء تورتيت بمدينة تيزنيت مثالاً لمبادرة شبابية تستحق الالتفات إليها، بالنظر إلى ما تجمعه من مكونات تقليدية وغذائية وثقافية وسياحية، وإلى المسار الذي خاضه شاب تيزنيتي في سبيل إخراجها إلى الوجود.

 

إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط باستمرار هذه التجربة، وإنما أيضاً بقدرتها على تطوير بعدها الثقافي، وتعزيز ارتباطها بالهوية المحلية، والمساهمة في إبراز ما تزخر به تيزنيت من طاقات شابة وأفكار قابلة للتحول إلى مبادرات ذات أثر ملموس.

 

فتيزنيت لا تحتاج إلى الحفاظ على تراثها في الذاكرة وحدها، بل تحتاج كذلك إلى مبادرات تجعل هذا التراث حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية، وتمنح الشباب مساحة للتعبير عن أفكارهم، وتفتح أمام الثقافة المحلية آفاقاً جديدة للحضور والتجدد.

 

وفي النهاية، فإن قيمة فضاء تورتيت لا تختزل في مكوناته أو في صورته المادية، بل تكمن أيضاً في الفكرة التي يحملها: أن التراث يمكن أن يكون نقطة انطلاق لمبادرات شبابية تجمع بين الأصالة وروح المبادرة، وأن المدينة قادرة على إنتاج تجاربها الخاصة حين يجد أبناؤها الشغف والإرادة لتحويل الأفكار إلى واقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى