دور الشباب في الرقي بالعمل السياسي بعيدا عن البهرجة: السياسيون الذين نريد

بقلم: الدكتور جمال العزيز
إن السياسة، في جوهرها، ليست مسرحا للظهور ولا مجالا لتبادل الأدوار، بل هي هندسة دقيقة لمستقبل مجتمع، وبناء هادئ لشرعية جديدة تقوم على الصدق والفاعلية والإحترام العميق لعقل المواطن. ولأن المغرب يعيش اليوم لحظة إعادة ترتيب د قيقة في علاقته بالسياسة، فإن الحاجة أصبحت مُلِحَّة لتأسيس منطق سياسي جديد؛ منطق يقطع مع ما علق بالحياة العامة من مظاهر التملق والإنتهازية والبحث المستميت عن الوصول إلى المواقع، ويعيد الإعتبار لقيم العمل والإلتزام والمسؤولية.
هذا المنطق الجديد لا يصنعه الخطاب وحده، بل يصنعه جيل يمتلك الجرأة الفكرية والقدرة على المساءلة، جيل لا تغريه البهرجة ولا تستهويه الصراعات الوهمية، بل يبحث عن أثر حقيقي يعيد للسياسة معناها و توهجها . وهنا يبرز دور الشباب، باعتبارهم القوة الأكثر استعدادا لاقتراح نموذج بديل: نموذج يقوم على البناء لا على الضجيج، وعلى المبادرة و الكفاءة لا على الإمتيازات الموروثة التي تبني أشباه زعامات ومنتخبين بلا رؤية و مشروع.
فقد أصبحت الحياة السياسية، في بعض تجلياتها، أسيرة سلوكيات تتكرر: تعال يسبق المسؤولية، وكذب انتخابي ، و”وزيعة” تنظيمية تتوزع فيها المناصب كما لو كانت غنائم، لا مسؤوليات عمومية. وبين هذا وذاك يظهر أولئك الذين يتقن بعضهم فن التَّلوُّن في المواقف(الملوَّنون)، وآخرون يختبئون خلف الولاءات الضيقة، و فئة تتفنن في صناعة التقرب المصلحي كلما لاح في الأفق منصب أو فرصة. غير أن هذا النموذج يواجه اليوم استراتيجية دولة واضحة: مرحلة جديدة لا تتسع لمن لا يملك مشروعا، ولا تحترم من لا يحترم ذكاء المغاربة.
إن السياسي الذي يفرضه الزمن المغربي اليوم ليس الذي يتموقع، بل الذي يبني. ليس الذي يحفظ خطابات جاهزة، بل الذي يملك تصورا قابلا للتنفيذ و ينجح في ترك أثر في الواقع. السياسي الذي نحتاجه هو الذي يفهم أن الشأن العام التزام أخلاقي لا يقبل التملق، ولا ينسجم مع الوصولية، ولا يتعايش مع منطق ”سلم المنافع ”.
ومن هنا، فإن تأسيس منطق سياسي جديد يمر بالضرورة عبر تجفيف منابع الريع السياسي، وتوسيع مساحة الكفاءة، وإعادة الإعتبار للفعل السياسي ، وللمعنى قبل الشكل. إنه منطق يعيد السياسة إلى مسارها الطبيعي: خدمة الوطن و بناء المستقبل ، وصياغة السياسات لا صناعة المشاهد.
وهنا تأتي التوجيهات الملكية لتشكل القاعدة الفكرية لهذا التحول؛ فقد شدد جلالة الملك في خطاباته على ضرورة تخليق الحياة العامة، ومحاربة السلوكيات التي تسيء للسياسة وتفرغها من قيمتها. وهي رسائل واضحة للنجاعة، ورسائل أوضح لمن لا يستوعبون أن المغرب بصدد طي صفحة قديمة لا مكان فيها لمنطق التملق، ولا لمن اعتادوا استغلال المؤسسات ، ولا لمن يختبئون وراء الصراعات الوهمية لإخفاء عجزهم.
إن رؤية جلالة الملك تؤسس لمرحلة تتطلب فاعلا سياسيا جديدا ، متوازنا، حديثا، صادقا و شجاعا، لا يساوم على المصلحة العامة ولا يشتغل بمنطق الولاءات بل بمنطق الدولة. وهي رؤية تنبه بلطف، ولكن بحزم.
انتهى زمن أصحاب ”الوجود الشكلي” الملوَّنون؛ وقيادة المستقبل لمن يمتلك القدرة على الفعل، لا من يمتلك القدرة على التملق والكذب.
هكذا فقط يمكن أن نؤسس لحياة سياسية نظيفة، ونصنع السياسيين الذين نريد، ونمنح الشباب فضاء يليق بطموحهم، ونعيد للسياسة احترامها، وللمؤسسات وزنها، وللمغرب الصاعد مستقبلا يليق به.




