مجتمع

محور الرباط – أديس أبابا: تحالف السيادة والوضوح الاستراتيجي لخدمة قضايا إفريقيا

 

بقلم : البراق شادي عبد السلام

 

لاشك أن محور الرباط – أديس أبابا سيؤسس لمسار

تنموي إفريقي متميز يمتد من شرق القارة إلى غربها مرورا بالصحراء الإفريقية الكبرى و منطقة الساحل حيث أن هذه الأقاليم الإفريقية تعيش في ظل تهديدات حقيقية لديناميكيات الأمن البشري من خلال تنامي الجريمة العابرة للقارات بمختلف مظاهرها و المخاطر المرتبطة بالإرهاب و التطرف العنيف و الجماعات الإنفصالية و التغير المناخي في ظل الغياب الواضح للعديد من مفاعيل الإستقرار و السلام و التنمية ، لذلك فالعلاقات المغربية – الأثيوبية تعرف تطورا مستمرا في إطار قرار سياسي و سيادي مشترك يساهم تعزيز التكامل الاقتصادي والاجتماعي بين البلدين، وتحقيق تنمية مستدامة وشاملة تؤسس لعلاقات ثنائية متميزة ، كما أنه توجد مؤشرات أخرى تجعل من هذا المحور الإستراتيجي صمام أمان إقليمي و أحد الفواعل الرئيسية لتشجيع التنمية الشاملة لشعوب المنطقة من منطلق إفريقي صرف مرتبط بأجندة 2063 بالنظر لموقع و حجم و قوة و حضور الدولتين سواء المغرب في المسارح الجيوسياسية الكبرى في القارة و بشكل خاص مسرح شمال و غرب إفريقيا و الساحل الإفريقي بتعقيداته الأمنية و أثيوبيا في مسرح إفريقيا الشرقية و القرن الإفريقي في ظل التشابك الكبير للمصالح الجيوسياسية العالمية و الإقليمية في محيطه من خلال محاولة صانع القرار السياسي في الرباط و إديس أبابا تفكيك الشبكة المعقدة من التحالفات والمنافسات الإقليمية في منطقة القرن الأفريقي والساحل الإفريقي ، والتي قد تؤدي إلى تعقيد التعاون الثنائي بين البلدين ، ومن الأهمية بمكان التعامل بحذر مع هذه الديناميكيات الجيوسياسية وتعزيز الاستقرار الإقليمي في إطار شراكة إستراتيجية مندمجة و فاعلة .

 

وعلى هذا الاساس، فان التقارب الجيوسياسي بين المغرب واثيوبيا هو جزء من دينامية افريقية فاعلة للدبلوماسية المغربية وترسيخ للرؤية الملكية المستنيرة للتعاون والتضامن الافريقي وفق مبدأ رابح – رابح، بما يضمن اولوية المصالح العليا للشعب المغربي ومحددات الامن القومي للمملكة. وقد شكلت الزيارة الملكية السامية التاريخية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله لاديس ابابا في نوفمبر 2016 المنطلق الحاسم لهذا المسار المتصاعد، حيث وضعت حجر الاساس لعهد جديد من العلاقات القائمة على الوضوح الاستراتيجي والتعاون البنيوي، محولة اثيوبيا من مربع الجمود الى شريك استراتيجي في شرق القارة. وانطلاقا من هذا الزخم الملكي، اشتغل العقل الاستراتيجي المغربي على ترسيخ العلاقات الثنائية وفق استراتيجية شاملة تتجاوز منطق المحاور التقليدية الى بناء تحالفات صلبة تواجه تحديات الالفية الثالثة، وذلك عبر خمس مسارات إستراتيجية متكاملة:

 

▪️أولا: استراتيجية “الترابط العضوي” عبر الأمن الغذائي والطاقة :

تتجلى اولى ملامح الاستراتيجية المغربية في الانتقال بالعلاقة مع اديس ابابا من الحيز الدبلوماسي النظري الى مربع الاعتماد المتبادل عبر مشاريع هيكلية عابرة للحدود تكرس مفهوم السيادة المشتركة. فقد راهن العقل الاستراتيجي المغربي على توظيف الريادة العالمية للمملكة في قطاع الفوسفاط لتحويل اثيوبيا الى منصة اقليمية للامن الغذائي وقاعدة صناعية كبرى للتصدير نحو دول شرق افريقيا. ويأتي مشروع منصة ديرة داوا الصناعية الضخمة، باستثمار اجمالي يصل الى 3.7 مليار دولار، ليعيد صياغة دور اثيوبيا الجيوسياسي، حيث لن تكتفي بتحقيق الاكتفاء الذاتي الذي سيوفر عليها نحو مليار دولار سنويا من العملة الصعبة، بل ستتحول الى مركز دولي لتصدير الاسمدة المخصصة نحو الاسواق المجاورة. وفي هذا الصدد، يضطلع المكتب الشريف للفوسفاط بدور الذراع الاستراتيجية والفاعلية الصناعية للمملكة في تنزيل هذا المسار، حيث يتجاوز دوره كمزود عالمي ليصبح محركا للسيادة الغذائية القارية عبر توطين التكنولوجيا الزراعية المتقدمة وبناء سلاسل قيمة محلية تحول اثيوبيا الى قطب صناعي وتصديري رائد في شرق افريقيا.

 

وتعتمد دبلوماسية الأسمدة على انتاج نحو 3.8 مليون طن من الاسمدة في مراحل المشروع المتقدمة، مما يساهم في رفع انتاجية المحاصيل الاستراتيجية بنسب تصل الى 30%، وهو امر حيوي لضمان الامن الغذائي لقرابة 120 مليون نسمة. كما تمتد هذه الرؤية لتشمل التكامل في مجالات الطاقة، مما يخلق امنا حيويا مشتركا يربط الواجهة الاطلسية لافريقيا بالقرن الإفريقي ، ويؤسس لكتلة اقتصادية قارية وازنة قادرة على فرض شروطها في سوق التنافسية الدولية. فتحويل اثيوبيا الى منصة تصدير اقليمية هو ترجمة فعلية للرؤية الملكية التي تسعى الى بناء افريقيا قوية بمواردها، ومستقلة بقرارها الاقتصادي، وشريكة في صياغة سلاسل القيمة العالمية تماشيا مع اجندة افريقيا 2063.

 

▪️ثانيا: استراتيجية “توازن المسارح” و التموضع الدبلوماسي الهادئ :

 

يرتبط المسار الثاني بقدرة الدبلوماسية المغربية على صياغة مقاربة تفكيك العقد في الفضاءات الجيوسياسية المعقدة، حيث نجح المغرب في تقديم نفسه كقوة توازن اقليمية وشريك موثوق يتبنى الحياد الايجابي والوساطة البناءة بعيدا عن الاستقطابات الضيقة. تعتمد هذه الاستراتيجية على تعزيز التموضع المغربي في اديس ابابا، ليس فقط كعاصمة لدولة محورية، بل باعتبارها عاصمة القرار القاري ومقر الاتحاد الافريقي، مما يسمح للمملكة بضبط توازنات القوى داخل المؤسسات القارية من الداخل. ويهدف هذا الحضور الى محاصرة الاطروحات الانفصالية عبر بناء قناعات لدى النخب الاثيوبية بمصداقية مقترح الحكم الذاتي كخيار استراتيجي وحيد يضمن الوحدة الترابية للدول ويحمي القارة من مخاطر التجزئة.

 

ان العقل الاستراتيجي المغربي يدرك ان بناء شراكة مع قوة ديمغرافية وسياسية بحجم اثيوبيا في شرق القارة، يمثل تموضعا جيو-استراتيجيا يكسر الطوق التقليدي الذي حاولت بعض القوى الاقليمية فرضه تاريخيا على المصالح المغربية. ومن منظور الامن القومي، يشكل هذا التقارب صمام امان يربط امن المحيط الاطلسي بامن البحر الاحمر، ويفتح المجال امام تنسيق استخباراتي رفيع المستوى لمواجهة التهديدات العابرة للحدود في قوس الازمات الممتد من الساحل الى القرن الافريقي. وبذلك، تتحول الدبلوماسية المغربية من مجرد تدبير للعلاقات الثنائية الى هندسة مجال قاري متكامل، يضمن للمملكة دورا محوريا في اعادة صياغة التوازنات الكبرى في افريقيا، ويؤمن عمقها الاستراتيجي ضد التهديدات الهجينة والاجندات التي تستهدف وحدة الكيانات الوطنية.

 

وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري والفاعل الذي تقوم به السفارة المغربية في أديس أبابا تحت قيادة السفيرة نزهة علوي محمدي، والتي تحولت بفضل رؤيتها وخبرتها الميدانية الى خلية عمل استراتيجية تعمل بتناغم تام مع الفريق الدبلوماسي وكافة المصالح الخارجية المعنية بحماية المصالح السيادية للمملكة. حيث ان هذا التكامل الوظيفي يضطلع بمهام جسيمة تتجاوز التمثيل التقليدي الى هندسة التأثير في أروقة الاتحاد الافريقي وتأمين المكتسبات الوطنية، عبر قراءة استباقية دقيقة للتحولات الجيوسياسية في منطقة القرن الافريقي. وتتكامل هذه الجهود مع الدور اليقظ للمصالح الخارجية التي تعمل بتنسيق عال لتوفير الرصد الاستراتيجي وحماية الامن القومي، ومواجهة المناورات التي تستهدف الوحدة الترابية، مع تسهيل قنوات التنسيق الامني رفيع المستوى مع الشركاء الاثيوبيين لمواجهة التهديدات المشتركة. فهذا الحضور الدائم والنشط، الذي يجمع بين القوة الناعمة للدبلوماسية واليقظة السيادية للمصالح الخارجية، يمثل الذراع التنفيذية لسياسة التموقع الاستراتيجي، حيث يعمل الفريق العامل بروح المبادرة لضمان التوافق المستمر بين المصالح العليا للمملكة المغربية والطموحات التنموية للقارة، مما يعزز مكانة المملكة كقوة اقليمية ضابطة للتوازنات ومؤمنة للعمق الافريقي.

 

▪️ ثالثا: استراتيجية القوة الناعمة والامن الروحي والثقافي

 

وفي اطار تعميق الروابط الانسانية، يرتكز المسار الثالث على استثمار الرصيد التاريخي والحضاري لتمتين الصلات بين الشعبين المغربي والاثيوبي، حيث تبرز مؤسسة إمارة المؤمنين تحت قيادة أكير المؤنيم جلالة الملك محمد السادس نصره الله كمرجعية روحية جامعة تتجاوز الحدود الجغرافية لتقديم نموذج اصيل في تدبير الشان الديني. وانطلاقا من هذه المرجعية، يعتمد العقل الاستراتيجي المغربي على الدبلوماسية الروحية عبر اتفاقيات وقعت في يناير 2026، تهدف الى تكوين 200 امام اثيوبي بمعهد محمد السادس لتكوين الائمة بالرباط، بواقع 40 اماما كل سنة، لضمان نشر قيم الوسطية التي ترعاها مؤسسة إمارة المؤمنين. وبالتوازي مع ذلك، تبرز الوكالة المغربية للتعاون الدولي كفاعل محوري في تنفيذ الشق التعليمي، حيث رفعت حصة المنح لتصل الى 100 منحة سنوية للطلبة الاثيوبيين، مما يساهم في بناء نخب صاعدة حاملة للتجربة المغربية. وتتقاطع هذه الجهود مع عمل مؤسسة محمد السادس للعلماء الافارقة، التي تعمل تحت الرعاية السامية لامير المؤمنين، وتضم فرعا في اديس ابابا يجمع عشرات العلماء لتعزيز الحوار الديني وتحصين المجتمعات ضد فكر التطرف. ويتجلى هذا المسار ايضا في تعزيز الشراكات الاكاديمية لحفظ المخطوطات التاريخية في منطقة هرر وفاس، مما يحول التعاون الثنائي الى رابط مجتمعي وثقافي عميق يبني وعيا جمعيا افريقيا مشتركا يتجاوز المصالح السياسية العابرة.

 

▪️رابعا: استراتيجية التكامل اللوجستي والربط القاري :

 

رابعا: استراتيجية التكامل اللوجستي والربط القاري

امتدادا لهذا الترابط الهيكلي، يتمثل المسار الرابع في بناء جسر لوجستي عابر للقارة يربط بين الواجهة الاطلسية للمغرب والعمق الحبيس لاثيوبيا، مما يساهم في فك العزلة الجغرافية عن الاخيرة وتسهيل نفاذها للاسواق الدولية عبر ممرات امنة. تبرز اهمية هذا المسار من منظور جيوسياسي يهدف الى خلق توازن بين حوض المتوسط والاطلسي وبين منطقة القرن الافريقي والبحر الاحمر، بالنظر الى اعتماد الاقتصاد الاثيوبي الحيوي على ميناء جيبوتي الذي يمثل الرئة اللوجستية لاديس ابابا. وتتجسد هذه الرؤية في توجه المغرب نحو المشاركة الفاعلة في تدبير وتطوير مرافق ميناء جيبوتي، عبر نقل الخبرة الميدانية التي راكمتها المملكة في ادارة الموانئ الكبرى، مما يحول هذا المنفذ الى منصة لوجستية متطورة تخدم العمق الافريقي. يهدف هذا التموضع الاستراتيجي الى كسر احتكار المسارات التجارية التقليدية ورفع الكفاءة التشغيلية في ممرات الملاحة الدولية، مما يقلص التكاليف ويزيد من تنافسية الصادرات الاثيوبية. وبناء على ذلك، تبرز اتفاقية النقل الجوي الموقعة في نوفمبر 2016 كاداة لربط القطبين الماليين الدار البيضاء واديس ابابا، مما يعزز السيادة الجوية القارية. وفي سياق متصل، يمنح هذا الحضور المغربي في منطقة القرن الافريقي موطئ قدم لتأمين سلاسل التوريد، ويفتح ابواب منظمة الكوميسا التي تضم 21 دولة بسوق استهلاكي يتجاوز 600 مليون نسمة وناتج محلي اجمالي يقارب 800 مليار دولار. يوفر هذا الانفتاح على منطقة التجارة التفضيلية للشرق والجنوب الافريقي فرصا هائلة للرساميل المغربية في قطاعات الصناعة والخدمات والابناك، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي لاثيوبيا كبوابة رئيسية لهذا التكتل الاقليمي. كما يتقاطع هذا المسار مع المبادرة الاطلسية المغربية التي تسعى لتمكين دول الساحل والشرق من الولوج الى المحيط، مما يخلق شريانا اقتصاديا يربط اقصى غرب القارة باقصى شرقها. ويؤكد هذا التكامل التزام البلدين بخدمة تطلعات اجندة افريقيا 2063 الرامية الى تحقيق الاندماج الاقتصادي الشامل والوحدة القارية، مما يؤسس لنظام قاري يقلل الارتهان للقوى الدولية ويؤمن الاستقلال الاستراتيجي لافريقيا.

 

▪️ خامسا: استراتيجية التعاون العسكري والامني المشترك :

 

يبرز المسار الخامس كركيزة صلبة لحماية المصالح الحيوية المشتركة ومواجهة التحديات الامنية العابرة للحدود، حيث يشكل الاستقرار الامني الضمانة الاساسية لاستمرار المشاريع التنموية واللوجستية. يرتكز العقل الاستراتيجي المغربي على تقاسم خبراته الميدانية في مجالات مكافحة الارهاب وأمن الحدود مع القوات الاثيوبية، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة في منطقة القرن الافريقي ومنطقة الساحل والصحراء. وتأتي هذه الخطوة استجابة لقراءة عسكرية دقيقة تحذر من تنامي مخاطر القوس غير المستقر الممتد من البحر الاحمر الى المحيط الاطلسي، حيث تتقاطع اجندات الجماعات المتطرفة مع الحركات الانفصالية والشبكات الاجرامية العابرة للحدود التي تستغل الفراغ الامني في مناطق الهشاشة. وبناء على هذا الطموح المشترك، شهد شهر يناير 2026 انعقاد اللجنة العسكرية العليا المشتركة بالرباط، والتي توجت بالتوقيع على مذكرات تفاهم تهدف الى تعزيز التعاون في مجال التكوين العسكري واللوجستيك الدفاعي والصناعة العسكرية، اضافة الى تفعيل اليات التنسيق في مجال الامن السيبراني لمواجهة الحروب الالكترونية التي تستهدف مؤسسات الدول.

 

و يشمل هذا التعاون برامج تدريبية متقدمة لفرق النخبة الاثيوبية بمراكز التكوين المغربية في تخصصات حرب العصابات ومكافحة التمرد، وتبادل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالتهديدات الهجينة والطائرات المسيرة التي باتت تستخدمها الجماعات غير النظامية لتهديد البنيات التحتية والوحدة الترابية. وفي سياق متصل، يهدف هذا التنسيق الى خلق انسجام بين المبادرة الاطلسية المغربية وتأمين المداخل الغربية للقارة، وبين الجهود الاثيوبية لتأمين القرن الافريقي، مما يقطع الطريق امام القوى الخارجية التي تسعى لتوظيف النزاعات الاقليمية لتحقيق مارب جيوسياسية ضيقة. وينبغي التأكيد على ان هذا التنسيق يتماشى بشكل دقيق مع ثوابت السياسة الخارجية للمملكة المغربية التي وضع اسسها جلالة الملك محمد السادس، والرامية الى بناء منظومة امنية افريقية مستقلة. ومن هذا المنطلق، يتسم هذا التعاون بالوضوح، حيث لا يتوجه ضد اي طرف ولا يسعى ليكون على حساب مصالح دول او كيانات اخرى، بل يهدف حصريا الى تحصين الفضاء الافريقي وفق مبدأ الحلول الافريقية للمشاكل الافريقية، محولا المملكة الى قطب للاستقرار وصمام امان لمواجهة تمدد بؤر التوتر التي تهدد وحدة القارة وسلامة اراضيها.

و في نفس السياق المرتبط بالتحديات الأمنية تمو توقيع اتفاقية استراتيجية بمراكش في فبراير 2026، بين المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني السيد عبد اللطيف الحموشي، ومفوض الشرطة الفدرالية الإثيوبية الجنرال ديميلاش جبر ميكائيل. يهدف في إتفاق يهدف إلى مأسسة التعاون الاستخباري والميداني لمكافحة الجرائم العابرة للحدود، وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر والتهريب، فضلاً عن مواجهة الجرائم السيبرانية. وتعكس هذه الشراكة دور القطب الأمني المغربي في توفير سياج وقائي للمشاريع التنموية الكبرى، وتحصين السيادة الوطنية للبلدين ضد التهديدات الناشئة، بما يخدم استقرار منطقة القرن الإفريقي والعمق الاستراتيجي للمملكة.

 

في الختام، إن استقراء مسار العلاقات المغربية – الإثيوبية يكشف عن عمق تاريخي وجيو-استراتيجي فريد؛ فمنذ لحظات التأسيس لمنظمة الوحدة الإفريقية عام 1963، آمن البلدان بحتمية المصير المشترك. وعلى الرغم من هذا الإرث، لا يمكن قراءة متانة المحور الحالي دون استحضار مرحلة “القطيعة الدبلوماسية” التي امتدت لأزيد من ثلاثة عقود منذ عام 1984، وهي المرحلة التي فرضتها سياقات الحرب الباردة والاصطفافات الأيديولوجية السابقة. غير أن العقل الاستراتيجي المغربي ظل ينظر إلى إثيوبيا، حتى في أحلك فترات التباعد، باعتبارها ركيزة جيو-سياسية لا يمكن تجاهلها في معادلة الاستقرار القاري.

 

وقد شكلت الزيارة الملكية التاريخية لعام 2016 نقطة الارتكاز الحاسمة لكسر هذا الجمود وتصحيح المسار التاريخي، حيث نجحت الدبلوماسية المغربية في تفكيك الروايات الموروثة عن مرحلة القطيعة واستبدالها بلغة المصالح المشتركة والوضوح الاستراتيجي. واليوم، يتجاوز هذا المحور الجيوسياسي تلك الذاكرة ليشيد واقعا تنمويا وسياديا غير مسبوق، يحول المسافات الجغرافية بين أقصى غرب القارة وأقصى شرقها إلى جسور من التكامل العضوي والاعتماد المتبادل.

 

إن ما نعيشه اليوم من زخم هو تجسيد حي للعقيدة الدبلوماسية المغربية التي وضع أسسها المتينة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، والقائمة على الانتقال من “دبلوماسية الشعارات” إلى “دبلوماسية المشاريع المهيكلة” والأمن الشامل. فلم يعد التعاون الثنائي مجرد توافق سياسي عابر، بل أصبح صمام أمان إقليميا يربط استقرار المحيط الأطلسي بتوازنات القرن الإفريقي، ويؤسس لقطب قاري وازن قادر على مواجهة تحديات الألفية الثالثة. فنجاح هذا النموذج يثبت أن إفريقيا أصبحت فاعلا يصيغ سيادته الغذائية، والأمنية، والروحية بإرادة سيادية صرفة، ليظل محور المغرب – إثيوبيا منارة لميلاد “إفريقيا الجديدة”؛ إفريقيا الواثقة بمواردها، القوية بمؤسساتها، والموحدة في رؤيتها لمستقبل يسوده السلام والتنمية المستدامة تماشيا مع أجندة 2063.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى