مجتمع

الأحزاب بين رهان الكفاءة ومنطق ”الفراقشية” أي ديمقراطية نريد؟

 

بقلم : الدكتور جمال العزيز

 

على بعد أربعة أشهر فقط من موعد الحملة الإنتخابية الرسمية ، يطفو على السطح سؤال جوهري: بأي نخب سنخوض هذه الإستحقاقات؟ وأي عرض سياسي سنقدمه لمواطنين سئموا من التبجح السياسوي؟

 

لقد أكدت التجربة (كما ذكرت في المقال السابق)، أن التزكيات السياسية مدخل أساسي لقراءة أعطاب الممارسة السياسية، ومحدد رئيسي لجودة المخرجات الديمقراطية. وبين التزكيات الفاسدة القائمة على المال وتضارب المصالح، وأخرى خاضعة لمسطرة ديمقراطية مبنية على الكفاءة والإستحقاق والمشروعية النضالية والسياسية ؛ يتحدد مسار الثقة،ويتم بناء الفعل السياسي الجاد والمسؤول أو يتم تكريس النكوص والبؤس والتحكم.

 

غير أن ما يثير القلق اليوم، هو استمرار الممارسات التي تفرغ الفعل السياسي من مضمونه، إذ يتم الدفع بوجوه لا تمتلك من السياسة سوى القدرة على تسمين حساباتهم البنكية ، أو ما يصطلح عليه في الوعي المجتمعي ”بالفراقشية”، في مقابل تهميش كفاءات راكمت تجربة ميدانية ومؤسساتية، وتتوفر على رؤية وقدرة على التأطير والإقناع.

 

فكيف يمكن التبجح بالوطنية، والإنخراط في التوجهات الملكية المتبصرة، التي تدعو صراحة إلى تجديد النخب وتعزيز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، في وقت ما تزال فيه بعض الممارسات الحزبية تفتقر إلى أبسط مقومات الديمقراطية الداخلية؟ وكيف يمكن إقناع المواطن بجدوى المشاركة، إذا كانت آليات الإختيار نفسها محل تساؤل؟

 

إن المشهد السياسي اليوم، عوض أن ينخرط في تقديم برامج واضحة ورؤى مستقبلية، يعيش على وقع ارتباك ونكوص سياسي، يتجلى في تبادل الإتهامات، وإلقاء المسؤولية بين الأغلبية والمعارضة، في مشهد لا يرقى إلى مستوى التحديات التي تواجه الدولة.

 

لقد دخل المغرب مرحلة دقيقة، تفرض وضوحا وجرأة في الإختيارات. فالتوجهات الكبرى، سواء على المستوى الوطني أو في سياق التحولات الجيوسياسية، تتطلب نخب سياسية قادرة على الإستيعاب والتفاعل لربح الزمن السياسي.

 

وفي هذا السياق الدولي المتقلب واللايقين ، حيث تتقاطع تداعيات الأزمات الجيوسياسية، وعلى رأسها التوترات في الشرق الأوسط، مع تقلبات الأسواق العالمية وارتفاع أسعار المحروقات ؛ يفرض الواقع مقاربة سياسية جديدة في تدبير الإستحقاقات الإنتخابية. مقاربة تنفتح على بناء عرض سياسي قادر على طمأنة المواطن، وتأطير النقاش العمومي حول الأولويات الحقيقية، وعلى رأسها الأمن الإقتصادي والإجتماعي.

 

إن الرؤية المبتكرة لدخول غمار هذه الإنتخابات،تتطلب تعاقدات واضحة و تجعل من القدرة الشرائية والسيادة الطاقية ودعم المقاولة الوطنية، محاور مركزية للنقاش السياسي. كما تستدعي هذه المرحلة ربط التحديات الدولية بانعكاساتها المحلية، والتأسيس لوعي جماعي بأن الإستقرار الداخلي هو المدخل الأساسي لمواجهة التقلبات الخارجية.

 

ولعل ما تحتاجه المرحلة، هو نخب سياسية قادرة على قراءة التحولات العالمية، واستباق آثارها، عبر سياسات عمومية مرنة ومبتكرة، أساسها المبادرة.

 

إن الأحزاب السياسية ،مطالبة أكثر من أي وقت مضى، بأن تقوم بدورها الطبيعي في التأطير و تقليص الهوة بين المواطنين والمؤسسات.

 

وفي هذا السياق،الدولة مطالبة بمحاربة كل أشكال التزكيات الفاسدة التي لا تستند إلى معايير واضحة، و كل الممارسات التي تضعف منسوب الثقة.

 

إن الإستحقاقات المقبلة لحظة سياسية فاصلة ،للإنتقال نحو مغرب المستقبل وترسيخ قيم الديمقراطية الحقة وتحقيق انتظارات المغاربة.

 

وفي النهاية، تعتبر المشاركة السياسية اليوم مسؤولية جماعية لفرض التغيير، وإعادة توجيه البوصلة نحو ما يخدم المغرب وعدم الرضوخ للفراقشية ومحاربة منطق الحكرة المفتعلة ،والعمل على ترسيخ منطق التشبت بالمؤسسات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى