مجتمع

من أزمة العزوف إلى بناء الثقة المستدامة: حين تصبح التنمية الترابية المندمجة جوهر الفعل السياسي

 

بقلم : الدكتور جمال العزيز

 

توقفت في المقال السابق عند الرؤية الملكية كإطار مرجعي يؤسس لتوازن دقيق بين تثبيت الإستقرار الداخلي وصناعة الريادة القارية، لكن السؤال الجوهري اليوم مرتبط بقدرة الفعل السياسي على ترجمة الرؤية الملكية إلى ثقة ملموسة لدى المواطن. فبين منسوب طموح مرتفع تقوده الدولة، ومنسوب ثقة متراجع يطبع العلاقة بين المواطن والسياسة، يتشكل مطلب دقيق يتعلق بتكييف هندسة المشاريع إلى هندسة الثقة.

 

لقد أفرزت السنوات الأخيرة مفارقة لافتة؛ فكلما تعززت دينامية المشاريع التنموية، اتسعت في المقابل دائرة العزوف السياسي، مما يؤكد أن الفعل العمومي يسير بسرعتين: سرعة الإنجاز المؤسساتي، وبطء التفاعل السياسي. هذه المفارقة تعكس خللا بنيويا في تموقع الفاعل السياسي، الذي لم ينجح بعد في الإرتقاء إلى مستوى الوساطة الإستراتيجية بين الدولة والمجتمع.

 

إن أزمة العزوف تعبير عميق عن فقدان الثقة في السياسة والسياسيين، فحين لا يرى المواطن أثرا مباشرا في تحسين شروط عيشه وعدم توفر خدمات عمومية ترقى إلى حفظ وطنيته وكرامته؛ يبحث عن متنفس للإستجابة لتطلعاته. هنا تبرز برامج التنمية الترابية المندمجة كفرصة تاريخية لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة عبر نتائج ملموسة وعدالة مجالية محسوسة.

 

غير أن هذا التحول يفرض مراجعة جذرية للفعل السياسي، إذ تتطلب المرحلة نخبا قادرة على استيعاب التعقيد الترابي، وتملك أدوات التحليل الإستراتيجي، وتؤمن بمنطق الإنتقائية بين البرامج.

 

إن السياسي، مدعو لأن يتحول من وسيط انتخابي إلى مهندس للثقة، يواكب المشاريع و يفسرها و يدافع عنها ويضمن عدالتها في التنزيل.

 

ولعل أحد أبرز أعطاب الممارسة السياسية اليوم يتمثل في الإنفصال بين البرامج السياسية وبرامج التنمية الترابية. فكثير من البرامج الإنتخابية ما تزال تدور في فلك الوعود العامة، دون ربطها بالأوراش الفعلية التي تعرفها الجهات. هذا الإنفصال يعمق الفجوة بين المواطن والسياسة ويحول البرامج إلى مزايدات سياسيوية بعيدة الإنجاز.

 

إن إعادة بناء الثقة تمر عبر جعل التنمية الترابية المندمجة جوهر الفعل السياسي، لتصبح البرامج الإنتخابية امتداد طبيعي للبرامج التنموية، وليس بديلا عنها.

 

لا بد أن تتحول الأحزاب السياسية إلى منصات اقتراح وتجويد للسياسات الترابية، عوض محدوديتها كآليات لتدبير مرحلة الإستحقاقات الإنتخابية، في أفق إرساء ثقافة سياسية جديدة قائمة على النتائج الملموسة.

 

وفي هذا الإطار، تفرض المرحلة اعتماد مقاربات مبتكرة تعيد الإعتبار للبعد الترابي في العمل السياسي. أولها، تفعيل الذكاء الترابي كآلية لتوجيه القرار العمومي عبر استثمار المعطيات والمعرفة المحلية في تصميم السياسات. ثانيها، تعزيز الدبلوماسية الترابية، بما يجعل من الجهات فاعلا في جذب الإستثمارات وبناء الشراكات خاصة في العمق الإفريقي. وثالثها، الإستثمار في الرأسمال البشري السياسي، من خلال تأهيل نخب جديدة تمتلك الكفاءة والجرأة والقدرة على التواصل.

 

غير أن الرهان الحقيقي يظل مرتبطا بإرادة سياسية صادقة تقطع مع منطق الإمتيازات ، وتؤسس لثقافة المسؤولية والمحاسبة. فالثقة تكتسب من خلال ممارسات يومية تعكس احترام المواطن وتستجيب لتطلعاته. وفي هذا السياق، يصبح تجديد النخب ضرورة استراتيجية لضمان استمرارية المشروع التنموي.

 

إن مغرب اليوم يقف أمام لحظة مفصلية: إما أن تتحول برامج التنمية الترابية المندمجة إلى رافعة لإعادة بناء الثقة السياسية، أو أن تظل إنجازات معزولة عن المواطن.

 

وفي النهاية، فإن الإنتقال من أزمة العزوف إلى بناء الثقة المستدامة تحول ثقافي عميق، سيعيد للسياسة معناها الحقيقي لخدمة المواطنين. وحين تصبح التنمية الترابية المندمجة لغة مشتركة بين الدولة والسياسي والمواطن، يمكن حينها فقط الحديث عن مغرب يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها: دولة قوية بثقة مواطنيها، ونخب مسؤولة تشارك في صناعة مغرب المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى