صفقات النظافة تحت رحمة النفوذ… هل تحولت إرادة المنتخبين إلى أوامر تُطبخ في الكواليس

مكتب الرباط –
في الوقت الذي يفترض فيه أن تخضع الصفقات العمومية لمعايير الشفافية والمنافسة النزيهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بدأت تتسرب إلى الرأي العام المحلي والوطني معطيات مقلقة حول تدخلات غير مفهومة لمسؤول ترابي رفيع المستوى بالرباط، يُقال إنه يمارس ضغوطا على مسؤول ترابي آخر بمدينة تمارة، هذا الأخير بدوره يسعى إلى التأثير على المنتخبين والمستشارين الجماعيين، من أجل توجيه مواقفهم بخصوص تدبير قطاع النظافة بجماعة تمارة، والدفع نحو إقصاء شركة “أفيردا” لفائدة شركة “أرما”، رغم الجدل الكبير الذي يلاحق أداء هذه الأخيرة في عدد من المدن المغربية.
الأخطر من كل ذلك، أن ما يُتداول داخل الكواليس لا يعكس فقط وجود محاولة للتأثير على مسار صفقة عمومية، بل يكشف ـ إن صحّت هذه المعطيات ـ عن عقلية تعتبر المؤسسات المنتخبة مجرد واجهة شكلية، وأن القرار الحقيقي يُصنع بعيدا عن قاعات التداول والتصويت ، وهي ممارسات تضرب في العمق ما تبقى من ثقة المواطن في نزاهة تدبير الشأن العام.
بعض التصريحات المنسوبة إلى مسؤولين نافذين، والمتداولة وسط الفاعلين والمتتبعين، تحمل منطقا متعاليا على القانون وعلى حق المنتخبين في اتخاذ قراراتهم بحرية واستقلالية، وكأن تدبير المرافق العمومية أصبح مجالا لحماية المصالح وتبادل الولاءات، لا فضاء للتنافس الشريف وخدمة المواطنين.
إن الدفاع عن مبدأ تكافؤ الفرص لا يعني الاصطفاف وراء شركة بعينها، بل يعني الدفاع عن هيبة القانون ومصداقية المؤسسات. فشركة “أفيردا”، مهما اختلفت الآراء حول تجربتها، راكمت سنوات من العمل داخل المغرب، وكان من المفروض أن تخضع للتقييم وفق دفاتر التحملات والمعايير التقنية والمالية، لا وفق منطق النفوذ والاتصالات والكواليس.
وفي المقابل، فإن شركة “أرما” تواجه بدورها انتقادات متزايدة في عدد من الجماعات الترابية، سواء بسبب شكاوى مرتبطة بجودة الخدمات، أو ظروف اشتغال العمال، أو طريقة تدبير الموارد البشرية والآليات لذلك، فإن محاولة الدفع بها وفرضها عبر قنوات غير معلنة، إن صحّ ما يُروج، يطرح أكثر من علامة استفهام حول الجهات التي توفر لها هذا الدعم، وحول الخلفيات الحقيقية التي تجعل بعض المسؤولين يتعاملون معها وكأنها خيار مفروض لا يقبل النقاش.
الأكثر إثارة للقلق هو ما يُتداول بشأن استعمال أسماء مسؤولين كبار بالدولة وعلاقات نافذة كورقة ضغط لحسم بعض الملفات، وهي معطيات، إن ثبتت صحتها، فإنها تكشف حجم الاختلال الذي يمكن أن يصيب مسار الصفقات العمومية، وتحولها من آلية لخدمة الصالح العام إلى ساحة لتصفية الحسابات وحماية المصالح الخاصة.
إن المغاربة اليوم لم يعودوا يقبلون بمسرحيات “النتائج الجاهزة”، ولا بمنطق التعليمات الذي يلتف على المؤسسات المنتخبة وعلى إرادة المواطنين ، فدولة الحق والقانون لا يمكن أن تُبنى بصفقات تُحسم في الظل، ولا بمنتخبين يُطلب منهم التصويت وفق هوى مراكز النفوذ بدل قناعاتهم ومسؤولياتهم الدستورية.
إن ما يجري يفرض على الجهات الوصية، وعلى مؤسسات الرقابة والحكامة، التدخل من أجل ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة، لأن تدبير قطاع حيوي كقطاع النظافة لا يجب أن يتحول إلى غنيمة تتقاسمها شبكات المصالح، بل إلى ورش حقيقي هدفه خدمة المواطن وصيانة كرامته وصورة المدن المغربية.




